المنشطات والامتحانات ممارسات خطرة وضارة

قبل الامتحانات النهائية، مدرسية او ثانوية عامة أو جامعية وخلالها يعاني الطلبة واهاليهم معهم من الضغط والتوتر والسهر والتعب ويسعى الطلبة الى استغلال اقصى قدراتهم وكامل طاقاتهم، وربما يتجاوزونها عن طريق اللجوء الى استخدام مواد منشطة تتراوح بين الشاي والقهوة الى الفيتامينات والامفيتامينات بكافة اشكالها وانواعها.

وقد اعتاد الصيادلة على تجهيز انفسهم لفترات الامتحانات العامة بملء رفوف صيدلياتهم بمختلف انواع المنشطات الموجهة للطلبة، مواد تقوي الذاكرة واخرى تعين على السهر، وغيرها تنشط الذهن او تقوي الجسم ليتحمل ضغط الامتحانات والتعب وتدل احدى الدراسات الاحصائية التي اجريت في فرنسا ان طالبا من بين كل خمسة طلبة يستخدم المنشطات قبل وخلال فترة الامتحانات اي بنسبة 20% من الطلبة بشكل عام لكن هذه النسبة ترتفع بين الطالبات لتصل الى 25.7 % مقابل 15.5 بين الطلبة الذكور، والنسبة اكبر في المدن مقارنة مع الارياف، كما انها تزيد مع ارتفاع المستوى المعيشي والدخل لعائلات الطلبة، وتزداد بين طلبة التخصصات العلمية مقارنة مع غيرها، ولعل الاكثر استهلاكا لها هم طلبة الطب والصيدلة، والكل يعلم مدى صعوبة دراستهم وحاجتهم لحفظ الاف المصطلحات الصعبة والمعلومات الدسمة اذ ترتفع النسبة لتصل الى 42 ٪ بين طلبة الطب والى 48 % بين طلبة الصيدلة، اى ان نحو نصف طلبة العلوم الطبية والصيدلانية يلجأون للمنشطات قبل الامتحانات.

وفي دراسة اخرى نشرها مختبر «التوتر والمجتمع» في جامعة رمس الفرنسية يظهر ان 58 % من عينة مقدارها 104 طلاب من كلية الطب في جامعة نانسى قد تناولوا المنشطات، ومن هؤلاء نحو الربع تناولوها طوال العام وليس قبل الامتحانات فقط.

وقد اشترى ثلاثة ارباع هؤلاء الطلبة منشطاتهم دون استشارة الطبيب ودون وصفة طبية، رغم ان بيع معظم هذه المواد يتطلب تقديم وصفة طبية، لكن وسائل الالتفاف على هذا الشرط كثيرة، تواطؤ الصيدلانى او مساعدة الاهل او الاصدقاء او عن طريق السوق السوداء او حتى باختلاسها من الصيدليات او المستشفيات.

ولعل هذه الوسائل تكون ميسرة اكثر لطلبة الطب بفضل علاقاتهم مع العاملين في الخدمات الطبية، وقد يفسر هذا ارتفاع نسبة المتعاطين للمنشطات بينهم.

هل تفيد المنشطات حقا؟

لاشك أن فرط القلق والتوتر والضغط يدفع بالانسان الى سلوكيات لا منطقية احيانا، فيلجأ الى وسائل ومصادر مساعدة ترتبط بالوهم اكثر منها بالجدوى الحقيقية تماما كما يلجأ البعض للمشعوذين ومدعى الطب.

وتلعب الدعاية والتقليد دورها في استخدام منشط ما اذ يكفى ان يقول احدهم انه قد جرب تلك المادة واستفاد منها حتى يقلده اصدقاؤه او معارفه في ذلك.

اي اننا نخرج من دائرة العلم الى دائرة الخرافة والوهم وحتى السحر، واحيانا يكون الاباء هم المشجع والمسهل لهذه الممارسات، وهم يدفعون كلفة هذه المواد مهما ارتفعت عن طيب خاطر مبدين استعدادهم لدفع كلفة دروس خصوصية باهظة لمدرسين مشهورين وخاصة في ليلة الامتحان، متوقعين منها مفعولا سحريا يفوق ما استفاده طالب من محاضرات تلقاها طوال العام.

تتكون معظم النشطات مهما اختلفت تسمياتها، من فيتامينات وأملاح معدنية قد تفيد في تعويض نقص هذه المواد من طعام الطالب، وهذا امر غير محتمل اذا اعتبرنا الاهتمام الذي يوليه الاهل للطالب ولغذائه اثناء الامتحانات.

اما المواد التي تحتوي على الكافيين كالقهوة فان لها تأثيرا منشطا بشرط ان تؤخذ بكميات معتدلة ثلاثة فناجين في اليوم كحد اقصى لكن اذا اعتاد الشخص على تعاطى القهوة فان تأثيرها المنشط يقل ويتحول الامر الى ادمان او اعتياد على مادة لم يعد لها تأثير فعال.

لقد سعت الابحاث الصيدلانية الى تحديد وانتاج مواد تقوي الذاكرة، لكن النتيجة بشكل عام كانت الفشل، حسب راي سيرج لاروش من جامعة باريس- فالذاكرة نظام معقد لم نفهمه بعد، والذاكرة انواع متعددة، ذاكرة حسنة لغوية، اجرائية، صورية، معلوماتية. . الخ. وقد تبين ان تحسين احد انواع الذاكرة يسيء الى الانواع الاخرى منها.

يلجأ البعض الى تناول ادوية تحتوي على مواد تدعى مثبطات بيتا وقد يساعد تناول نصف حبة قبل الامتحان الشفوي خاصة على تخفيض التوتر، لكن يشترط ان يجرب الدواء قبل ذلك بفترة كافية للتأكد من مدى تحمل الشخص لهذا الدواء. فهذه الادوية خطرة اذا لم تلاحظ مضاعفاتها الجانبية جيدا، وخاصة لمن يعانون من الربو واذا زادت الجرعة او اخذت مع الكحول فانها قد تسبب ازمة قلبية.

اما الامفيتامينات فقد سحبت من الاسواق الفرنسية خلال التسعينات، فهي تنشط الدماغ وتبقيه يقظا من اجل الدراسة لساعات اطول، لكن المشكلة ان من يتناولها سيعاني من الارق ويصعب عليه النوم ويعاني من فرط النشاط ومشاكل سلوكية وشعور بالاحباط، وقد ادت الحوادث المتكررة الناجمة عن تناول هذه المواد الى حظر استخدامها.


ولعل احدى اخطر الاثار النفسية لتناول هذه المنشطات ان من يعتاد على تناولها ويؤمن بفاعليتها، سيعتقد انه بدونها سيكون عاجزا وضعيفا، وهكذا فبدلا من تحسين اداء من يتعاطاها فان هذه المواد تؤدي بالعكس الى جعله اضعف واقل قدرة وفعالية.

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

سرطان خلايا الكبد وطرق علاجه في الوقت الراهن

سليمة خالفة ثبت من دراسات عالمية ان هناك زيادة سنوية في مرض سرطان خلايا الكبد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *