يُعد البخور، المعروف أيضًا بالدخون أو العود، جزءًا لا يتجزأ من التراث العربي والإسلامي، ويُستخدم على نطاق واسع في المناسبات الاجتماعية والدينية ولتعطير المنازل والملابس.
المهندس أمجد قاسم
الروائح الطيبة للبخور تُنعش القلب وتُريح النفس لدى الكثيرين، ومع ذلك، تُشير الدراسات العلمية الحديثة والمتوفرة إلى أن هذا الاستخدام الشائع قد يُخفي وراءه مخاطر صحية جدية، خاصة عند التعرض المستمر ودون تهوية كافية.
المركبات الكيميائية الضارة الناتجة عن حرق البخور
عند إشعال البخور أو الفحم المستخدم معه، يتصاعد دخان يحتوي على جسيمات دقيقة ومواد كيميائية ضارة. وقد وجدت الأبحاث أن حرق البخور ينتج غازات ومواد خطيرة مثل أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والفورمالديهايد (الفورمالين).
تُساهم هذه المركبات في التهاب الرئة وتُحدث تهيجًا كبيرًا في الجهاز التنفسي، ففي دراسة أجريت في الإمارات العربية المتحدة ونشرت عام 2013، وجد الباحثون أن حرق البخور في الأماكن المغلقة يولد مستويات ضارة من ملوثات الهواء. وقد تراوحت أحجام الجسيمات المنبعثة من البخور بين 20-300 نانومتر، وتجاوز تركيز أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين المستويات المسموح بها في دخان التبغ، مع الإشارة إلى أن الفحم المستخدم مع البخور يساهم في هذا الارتفاع. أظهرت خلايا الرئة التي تعرضت لغازات البخور تغيرات التهابية كبيرة. كما أن حرق البخور يطلق مجموعة كبيرة من المواد الهيدروكربونية العطرية والكاربونيلز ومركبات أخرى.
تأثير البخور على الجهاز التنفسي
يُعد الجهاز التنفسي هو الأكثر تضررًا من دخان البخور. يمكن أن يسبب استنشاق البخور تهيجًا للجهاز التنفسي، خاصةً لدى الأفراد الذين يعانون من الربو أو الحساسية.
وتُظهر دراسات متعددة أن البخور يزيد من أعراض الربو سوءًا ويُحفز نوبات الربو الحادة. على سبيل المثال:
- دراسة في عُمان عام 2009 وجدت أن البخور يزيد من أعراض الربو عند الأطفال بنسبة 250%.
- دراسة أخرى في عُمان أشارت إلى أن إشعال البخور أكثر من مرتين في الأسبوع يزيد من احتمال إصابة الطفل بمشاكل التنفس بمقدار 3 مرات مقارنة بعدم إشعاله، ويكون هذا الأثر أكبر عند الأطفال المصابين بمرض الربو.
- كما رفع إشعال البخور في المنزل من خطر إصابة مرضى الربو من الأطفال بـ “النفس المصحوب بالصفير” في 38% منهم، مما يضع البخور في مرتبة متقدمة كعامل مسبب بعد الغبار والطقس والتهابات الجهاز التنفسي ، كما ان التعرض المستمر لدخان البخور قد يزيد من خطر الإصابة بالتهابات الشعب الهوائية وسرطان الرئة. ويُؤكد الدكتور موفق سعد الدين، أخصائي الأمراض الباطنية والصدرية، أن دخان البخور يثير الجهاز التنفسي ويزيد من سوء أمراض شائعة مثل الربو، والالتهاب الرئوي، والانسداد الرئوي المزمن، والتهاب الأنف التحسسي.
مخاطر الإصابة بالسرطان
تُشير الأبحاث إلى أن هناك علاقة بين التعرض المتكرر لاستنشاق البخور والإصابة بأنواع مختلفة من سرطان الجهاز التنفسي العلوي، بما في ذلك الفم واللسان والحنجرة والرئتين. وقد لوحظ هذا الخطر في كل من المدخنين وغير المدخنين. يؤكد الدكتور لين ليشنتفيلد، نائب رئيس الخدمات الطبية في جمعية السرطان الأمريكية، أن هذا الخطر حقيقي ولا يجب إهماله. ويُعتقد أيضًا أن غاز الفورمالديهايد المنطلق من البخور قد يكون مسببًا للسرطان.
الفئات الحساسة وتأثير البخور المغشوش
تُعد فئات معينة من السكان، مثل الأطفال وكبار السن والحوامل، أكثر عرضة للتأثر بالتلوث الناجم عن البخور بسبب ضعف أنظمتهم المناعية والتنفسية. وقد حذر الدكتور مجدي بدران، أستاذ الحساسية والمناعة، من أن البخور المغشوش الذي يحتوي على الرصاص يمكن أن يُسبب مشاكل صحية خطيرة. فالرصاص معدن ثقيل وخطير للغاية، يمكن أن يؤثر على الأم الحامل مسببًا الإجهاض والولادة المبكرة، وولادة أجنة بحجم ووزن صغيرين. كما يؤثر على ذكاء الأطفال واستيعابهم في المدرسة، ويُسبب لهم المغص والصداع، وقد يؤثر على الكلى. وبالنسبة للرجال، قد يؤدي إلى مشاكل في الخصوبة.
تأثير على صحة الفم والهواء الداخلي بالإضافة إلى تأثيره على الجهاز التنفسي، كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة نيويورك أبوظبي أن البخور قد يزيد من احتمال الإصابة بالتهابات الفم وأمراض أخرى، وذلك عبر تغيير وزيادة تكوين الكائنات الحية الدقيقة في الفم. يُساهم احتراق البخور بشكل كبير في تلوث الهواء داخل المنازل، خاصة في الأماكن المغلقة. ويؤكد الخبراء أن التعرض اليومي والطويل للبخور في أماكن سيئة التهوية يشكل خطرًا حقيقيًا على صحة الإنسان.
مفاهيم خاطئة وإرشادات للاستخدام الآمن
يُعتقد خطأً أن البخور آمن للاستخدام في الأماكن المغلقة، أو أن الأنواع الطبيعية منه غير ضارة أو تقتل الفيروسات. لكن الحقيقة العلمية تُشير إلى أن جميع أنواع البخور، سواء كانت طبيعية أو صناعية، تُعتبر ضارة عند التعرض المستمر، وهي مُهيّج قوي لحساسية الصدر، خاصة عند الأطفال، ولا تقتل الفيروسات. حتى استخدام المستكة والجاوي المستمر قد يؤدي إلى مشكلات في الجهاز التنفسي.
لتقليل هذه المخاطر الصحية، يُوصى باتباع الإرشادات التالية:
- الاستخدام باعتدال: قلل من استخدام البخور بشكل متكرر، واقتصر على المناسبات الخاصة.
- التهوية الجيدة: احرص على تهوية الأماكن المغلقة جيدًا عند إشعال البخور بفتح النوافذ والأبواب، ويمكن استخدام منقيات الهواء. يُفضل إشعال البخور في الغرفة ثم تهويتها جيدًا قبل وجود الأشخاص فيها.
- حماية الفئات الحساسة: تجنب تعريض الأطفال، وكبار السن، والحوامل، والأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية لدخان البخور المباشر.
- تبخير الملابس مسبقًا: قم بتبخير الملابس قبل ارتدائها بفترة للحد من التعرض المباشر للدخان.
- البدائل الصحية: يمكن استبدال البخور ببدائل أكثر أمانًا مثل المباخر الإلكترونية التي تعمل بالكهرباء دون حرق الفحم، أو الزيوت العطرية الأساسية والفواحات العطرية التي تُضفي روائح جميلة دون انبعاث دخان ضار. كما أن الشموع العطرية الطبيعية المصنوعة من شمع طبيعي قد تكون بديلًا لا يضر بالصحة. مسك البيت الفواح يُعد أيضًا بديلًا لتعطير المنزل.
- المراقبة والإطفاء السليم: لا تترك البخور مشتعلًا دون رقابة، وتأكد من إطفائه تمامًا بعد الاستخدام بطرق آمنة (كالنفخ أو الضغط على الطرف المشتعل بأداة غير قابلة للاشتعال).
في الختام، وعلى الرغم من القيمة الثقافية للبخور، فإن الأدلة العلمية تُسلط الضوء على مخاطر صحية كبيرة مرتبطة باستنشاق دخانه، خاصة عند التعرض المستمر وفي الأماكن المغلقة. يُعد الوعي بهذه المخاطر واتباع إرشادات الاستخدام الآمن، بالإضافة إلى البحث عن بدائل صحية، أمرًا بالغ الأهمية لحماية صحة الجهاز التنفسي والجسم بشكل عام. في حال ظهور أي مشكلات صحية مثل صعوبة في التنفس أو تهيج في العينين أو الحلق بعد التعرض للبخور، يجب مراجعة الطبيب المختص.
المراجع
1.العيد، صبحي. (2022، 16 فبراير). أضرار استنشاق دخان البخور على صحة الإنسان. آفاق علمية وتربوية. تم الاسترجاع من [آفاق علمية وتربوية]. آفاق علمية وتربوية
2.المصري اليوم. (2020، 31 يناير). دراسة: «البخور» أخطر من السجائر.. ويسبب سرطان الرئة وحساسية الصدر. المصري اليوم. تم الاسترجاع من [المصري اليوم]. Al Masry Al Youm+1
3.الإمارات اليوم. (2019، 6 ديسمبر). القلب والرئة والحساسية.. أمراض خطرة يسببها دخان البخور. الإمارات اليوم. تم الاسترجاع من [الإمارات اليوم]. الإمارات اليوم
4.عكاظ. (2023). «البخور» تلوث بيئي يؤثر على أنسجة الرئة. صحيفة عكاظ. تم الاسترجاع من [عكاظ]. صحيفة عكاظ
5.اليوم السابع. (2017، 28 مايو). 6 أمراض تصيبك إذا تعرضت للبخور أبرزها الربو وسرطان الرئة. اليوم السابع. تم الاسترجاع من [اليوم السابع]. اليوم السابع
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية