أخبار عاجلة

لماذا تصدر أعمدة الضغط العالي صوت الطنين؟

كثيرًا ما يلفت انتباهنا ذلك الصوت المتواصل الشبيه بـ “زززز” الصادر عن أسلاك وأعمدة الكهرباء ذات الجهد العالي، خاصة في الأيام الماطرة أو الضبابية.

هذا الصوت ليس خللًا في الشبكة الكهربائية كما قد يعتقد البعض، بل هو ظاهرة فيزيائية معروفة لها تفسير علمي دقيق يرتبط بطبيعة الكهرباء وتفاعلها مع الهواء المحيط.

الجهد العالي والمجال الكهربائي القوي

تعتمد شبكات نقل الكهرباء على جهود كهربائية عالية جدًا، قد تصل إلى مئات آلاف الفولتات، وذلك لتقليل فاقد الطاقة أثناء النقل لمسافات طويلة، وهذه الجهود المرتفعة تولّد حول الأسلاك مجالًا كهربائيًا قويًا للغاية.

وعندما تقترب شدة هذا المجال من الحد الذي لا يستطيع فيه الهواء المحيط أن يحافظ على استقراره العازل، تبدأ الظواهر الكهربائية غير المرئية بالظهور.

تأيّن الهواء: عندما يفقد العازل توازنه

الهواء في الظروف الطبيعية يُعد عازلًا للكهرباء، أي أنه لا يسمح بمرور التيار الكهربائي. لكن عند تعرّضه لمجال كهربائي قوي جدًا، تبدأ جزيئاته بفقدان أو اكتساب إلكترونات، فتتحول إلى أيونات مشحونة. تُعرف هذه العملية باسم تأين الهواء (Air Ionization). هذا التأين لا يؤدي إلى شرارة كبيرة كما في البرق، بل إلى تفريغ كهربائي ضعيف ومستمر.

ظاهرة كورونا ديسشارج

يُطلق على هذا النوع من التفريغ اسم ظاهرة كورونا (Corona Discharge)تحدث هذه الظاهرة عندما يقفز جزء صغير من الشحنة الكهربائية بين السلك والهواء المحيط به بشكل متكرر وسريع.

هذا التفريغ المتواصل يُحدث اهتزازات دقيقة في جزيئات الهواء، فتنتج عنها موجات صوتية نسمعها على شكل طنين أو أزيز خافت، يزداد وضوحه كلما اقتربنا من الأسلاك.

دور الرطوبة والطقس في تضخيم الصوت

يلاحظ الناس أن صوت الطنين يصبح أعلى في الأجواء الرطبة أو أثناء المطر والضباب. والسبب في ذلك أن قطرات الماء العالقة في الهواء تسهّل عملية التأين، لأنها تساعد على انتقال الشحنات الكهربائية بسرعة أكبر. وبالتالي تزداد شدة ظاهرة كورونا، ويصبح الصوت أكثر وضوحًا وانتشارًا.

لذلك، يُعد الطقس عاملًا رئيسيًا في اختلاف شدة هذا الصوت من وقت لآخر.

هل يشكّل الطنين خطرًا؟

رغم أن الصوت قد يبدو مقلقًا، إلا أن ظاهرة كورونا في حدّها الطبيعي ليست خطيرة، وهي متوقعة ومأخوذة بعين الاعتبار في تصميم شبكات الكهرباء. لكن استمرارها قد يسبب فقدًا بسيطًا في الطاقة وتآكلًا تدريجيًا للأسلاك، ولهذا تعمل شركات الكهرباء على تقليلها باستخدام عوازل خاصة وتصميمات هندسية مناسبة.

إن صوت “زززز” الصادر عن أعمدة الضغط العالي هو في الحقيقة صوت الهواء وهو يفقد توازنه الكهربائي تحت تأثير الجهد الهائل.

إنها تذكير يومي بقوة الفيزياء التي تحكم عالمنا، وبالتفاعل الدقيق بين الكهرباء والبيئة المحيطة، حيث تتحول ظاهرة غير مرئية إلى صوت مسموع يرافقنا في الطرقات المفتوحة.

المراجع

1. High Voltage Engineering Fundamentals, E. Kuffel & W.S. Zaengl, Butterworth-Heinemann.
2. IEEE Power Engineering Society, Corona and Its Effects on Power Transmission Lines.

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

العوامل المؤكسِدة في الكيمياء: المفهوم، والخطورة، والاستخدامات

كثير من الكيميائيين، ومن طلاب الكيمياء وخصوصًا في المراحل التعليمية الأولى، لا يحددون بدقه المواد …

اترك تعليقاً