عندما يتحول النهر إلى بحر ويحدث الطوفان في السودان

الدكتور سعود شهابِ
آفاق علمية وتربوية

شاءت الاقدار ان اتعرف على عن قرب واشهد مراحل تحول نهر النيل الازرق عن كثب من نهر هادئ صافي المياه إلى بحر هائج مائج شرس قاتل يجرف معالم الارض ويغيرها.

ففي عام 1994 وفي شهر أب بالتحديد وفي ولاية الجزيرة ومقرها مدين ود مدني، شاهدت ولأول مرة بحياتي فيضان نهر النيل الازرق بأم عيني، إذ تبدأ مياهه تصطبغ باللون الاحمر تدريجيا بفعل حبيبات الطين المعلقة بالماء، والتي انزلتها المياه من أعالي جبال الهضبة الاثيوبية مع أولى قطرات الامطار الموسمية، وعادة ما تبدأ هذه الامطار في شهر حزيران وتنتهي في شهر ايلول.

وقد لاحظت أن منسوب المياه بدأ يتسلق ضفاف النهر، والتي سبق ونحتها على هيئة مدرجات من كتل الطين المتصلبة والجافة، وبتجاوزه اخر درجة من مجراه يتحول عندها من نهر إلى بحر بل إلى وحش قاتل وقد انفلت من عقاله، وسيهاجم ويضرب بعنف في كل مكان محطما كل مظاهر الحياة والحضارة الإنسانية وبلا رحمة.

وكان في مدينة ود مدني جسر يسمى جسر حنتوب، وهو الجسر الوحيد فوق نهر النيل الازرق، وقد بني حديثا من قبل شركة صينية، ويرتفع عن مستوى الارض اكثر من 10 امتار، وعندما وصلت الى الجسر ذهلت من مستوى الماء الذي ارتفع الى مستوى يكاد ان يلامس أسفل الجسر، وان اخذت نظرة واحدة إلى المياه في اسفل الجسر فهي كافية بان تشعرك بالدوار لما تشاهده من سرعة تدفق المياه بأمواجها الهائجة المحملة بالزبد المحمر وصوتها المرعب والمخيف، وعندما تنظر من الأعلى إلى يمين ويسار النهر تتبين بأنك على جزيرة وسط بحر تمددت مياهه بلا حدود، وتضيع معها معالم النهر القديمة التي رسمت عبر الفصول والسنون.


يتكشف حجم وهول المأساة بعد انتهاء الطوفان وعودة المياه لمجاريها في رحلته المعهودة من البحر إلى النهر، فيكون قد ادى الامانة ووزع الطمي والخصب توزيعا” عادلا “على كل الاراضي، ثم تبدأ بعد ذلك ورشات ترميم البيوت وتعبيد الطرقات وإصلاح الارصفة وزراعة الاشجار من جديد ، ورش المستنقعات المتبقية بالمبيدات الحشرية لمكافحة البعوض الناقل لمرض الملاريا، كما ويبدأ النهر من جديد بنحت مدرجه الطيني ثانية لينحسر بذلك إلى قاع المجرى هادئا” وادعا” صافي المياه والمزاج وكأن شيئا لم يكن، وكأن لسان حاله تقول ان كل هذا الطوفان اقوم به لا لشيئ سوى للإعلان عن قدوم فصل الربيع في السودان لبضعة أيام او ساعات او قد لا يأتي ابدا.

إنه قدر شعب السودان العربي الاصيل ان يمضي العمر يرقب تحول النهر الى بحر وعودته من البحر الى النهر.. كما يحدث للشعب السوداني في محنته بطوفان عام 2020

عن الدكتور سعود شهاب

دكتور باحث في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية

شاهد أيضاً

غازات الاحتباس الحراري ومصادر غاز ثنائي أكسيد الكربون

آفاق علمية وتربوية – من المعروف أن غازات الاحتباس الحراري وخصوصاً بخار الماء وثنائي أكسيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.