أخبار عاجلة

الميثانول: السمّ القاتل في الكحول التقليدي

في ظل ازدياد حالات التسمم المرتبطة بشرب الكحول غير النظامي، يتصدر كحول الميثانول (Methanol) واجهة التحذيرات الطبية والصحية حول العالم.

يُعرف هذا المركب الكيميائي بسُميّته الشديدة، وارتباطه المباشر بحالات العمى والموت المفاجئ، خاصة عندما يتشكّل أثناء عمليات تقطير الكحول التقليدي بطرق بدائية أو غير خاضعة للرقابة.

ما هو كحول الميثانول؟

الميثانول (CH₃OH)، والمعروف أيضًا باسم “الكحول الخشبي”، هو أبسط أنواع الكحوليات، عديم اللون، وله رائحة قريبة من الإيثانول (الكحول المستخدم في المشروبات الكحولية).

يُستخدم الميثانول في الصناعات الكيميائية كمذيب، ووقود، ومادة أولية في تصنيع الفورمالدهيد والبلاستيك، لكنه ليس مخصصًا للاستهلاك البشري على الإطلاق.

وكحول الميثانول سام للغاية حتى بكميات صغيرة، ويتم امتصاصه بسهولة في الجسم عند الشرب أو الاستنشاق أو حتى الامتصاص عبر الجلد، مما يجعله مادة خطرة في البيئات المنزلية والمصانع على حد سواء.

كيف يتشكل الميثانول في الكحول التقليدي؟

في عمليات تقطير الكحول التقليدية، خاصة تلك التي تُجرى بطرق غير علمية في المنازل أو الورش غير المرخصة، قد يحدث تخمر غير مضبوط لمواد غنية بالبكتين، مثل الفواكه (التفاح، المشمش، العنب)، مما يؤدي إلى إنتاج الميثانول إلى جانب الإيثانول.

يتكوّن الميثانول أثناء التفاعل الكيميائي التالي:

تحلل البكتين الطبيعي في الفواكه (تحت تأثير إنزيمات معينة أو الأحماض) حيث يتحول إلى ميثانول.

في التقطير التقليدي، تُجمع كل المكونات الطيّارة الناتجة من التخمر في وعاء واحد، دون إزالة الجزء الأول من التقطير والذي يُعرف باسم “الفرونت”، وهو غني بالميثانول.

في المصانع النظامية، يُزال هذا الجزء بدقة، بينما في التصنيع العشوائي لا يتم ذلك، مما يجعل الميثانول جزءًا من المنتج النهائي.

الأعراض السمية لتناول الميثانول

عند استهلاك الميثانول، قد تمرّ عدة ساعات قبل ظهور الأعراض، ما يمنح الضحية إحساسًا زائفًا بالأمان.

ومع بدء تحوّل الميثانول داخل الجسم إلى مركبات أكثر سمّية مثل حمض الفورميك والفورمالدهيد، تبدأ سلسلة من الأعراض الخطيرة بالظهور، منها:

  • صداع شديد
  • غثيان وقيء
  • دوخة وضعف عام
  • صعوبة في التنفس
  • تشوّش الرؤية أو العمى المؤقت او الدائم
  • فقدان الوعي

يحدث العمى نتيجة تأثير حمض الفورميك على العصب البصري، وهو أحد العلامات المميزة لتسمم الميثانول.

وفي حالات التسمم الحاد، قد يتطور الأمر إلى فشل كلوي، تشنجات، وغيبوبة تنتهي بالوفاة.

الجرعة القاتلة من الميثانول

تشير الدراسات الطبية إلى أن الجرعة القاتلة من الميثانول تتراوح بين 30 إلى 100 ملليلتر من الميثانول النقي، وهي كمية صغيرة نسبيًا وقد تتواجد في كأس واحدة من الكحول الملوث.

ولكن حتى كميات أقل من ذلك (10-15 مل) قد تُسبب عمى دائم، خاصة إذا لم يتم التدخل الطبي العاجل.

الخطورة لا تكمن فقط في الجرعة، بل في غياب المعرفة بوجود الميثانول من الأساس، فالكحول التقليدي لا يحمل ملصق تحذير، وغالبًا ما يُعتقد خطأً أنه آمن لأنه شُرِب من قِبل آخرين.

طرق الكشف والعلاج

الكشف:

في المستشفيات، يمكن قياس مستوى الميثانول في الدم أو استخدام اختبارات غير مباشرة مثل:

  • قياس الفجوة الأنيونية
  • تحليل حمضية الدم (الأس الهيدروجيني)

كما يمكن الاشتباه بالتسمم إذا أبلغ المريض عن شرب كحول محلي أو ظهرت عليه علامات العمى المفاجئ.

العلاج:

يتضمن علاج تسمم الميثانول عدة خطوات طارئة:

  • إعطاء الإيثانول أو الفومبيزول (Fomepizole): كلاهما يمنع تحوّل الميثانول إلى حمض الفورميك عبر تثبيط إنزيم ADH (كحول ديهايدروجينيز).
  • إجراء غسيل كلوي: لإزالة الميثانول والمستقلبات السامة من الجسم.
  • إعطاء بيكربونات الصوديوم: لمعادلة الحماض الاستقلابي.
  • دعم بصري وعصبي: في حال وجود إصابة في العصب البصري.

كلما كان التدخل الطبي أسرع، زادت فرصة الشفاء الكامل وتقليل المضاعفات الدائمة.

الوقاية والتوعية

تتطلب الوقاية من تسمم الميثانول استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل:

  1. منع بيع الكحول المزوّر أو التقليدي عبر سنّ وتطبيق القوانين بصرامة.
  2. توعية الجمهور بخطورة شرب الكحول محليّ الصنع أو مجهول المصدر.
  3. إلزام معامل التصنيع بإزالة رأس التقطير الذي يحتوي على الميثانول.
  4. تدريب الطواقم الطبية على الكشف السريع عن حالات التسمم وتوفير مضادات التسمم الأساسية.

باختصار

الميثانول مادة كيميائية ذات استخدامات صناعية مفيدة، لكنها تتحول إلى سمّ فتاك عندما تُستهلك بشريًا.

ومع تزايد اللجوء إلى الكحول التقليدي في بعض المجتمعات، تتزايد بالتوازي حالات التسمم المؤلمة والمميتة.

إن التوعية العلمية، والرقابة الصارمة، والتدخل الطبي السريع، تمثل أدواتنا الأساسية لحماية الأرواح من خطر الميثانول الكامن في كأس غير محسوب.

المهندس أمجد قاسم

X@amjad

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

العوامل المؤكسِدة في الكيمياء: المفهوم، والخطورة، والاستخدامات

كثير من الكيميائيين، ومن طلاب الكيمياء وخصوصًا في المراحل التعليمية الأولى، لا يحددون بدقه المواد …

اترك تعليقاً