الطحالب كحل مبتكر للتغير المناخي

يُعدّ التغير المناخي من أخطر التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، إذ ترتبط به ظواهر متسارعة مثل ذوبان الكتل الجليدية، وارتفاع مستوى سطح البحر، واختلال التوازن البيئي، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة.

ويُجمع العلماء على أن السبب الرئيس لهذه الأزمة هو الارتفاع الكبير في انبعاثات غازات الدفيئة، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري في محطات توليد الطاقة والصناعة ووسائل النقل.

وأمام هذا الواقع، تتجه الأبحاث العلمية إلى حلول مبتكرة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، ومن أبرز هذه الحلول الطحالب.

الطحالب ودورها الطبيعي في تنظيم المناخ

تُعد الطحالب، وخصوصًا الطحالب البحرية، من أقدم الكائنات الحية القادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي بكفاءة عالية.

فهي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو أو من الماء، وتحوّله إلى مادة عضوية وأكسجين.

وتشير الدراسات إلى أن الطحالب مسؤولة عن نسبة كبيرة من الأكسجين المنتج على كوكب الأرض، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في تنظيم المناخ العالمي.

كما تتميز بسرعة نموها مقارنة بالنباتات البرية، وعدم حاجتها إلى تربة زراعية، وهو ما يمنحها أفضلية كبيرة في المشاريع البيئية المستقبلية.

أبحاث ألمانية رائدة حول الطحالب

في هذا السياق، برزت أبحاث ألمانية متقدمة في مدينة بريمن، حيث قام فريق من الباحثين بدراسة إمكانات الطحالب البحرية في مواجهة التغير المناخي. ويقود هذه الأبحاث البروفسور لورنس تومسون من جامعة ياكوبس الخاصة في بريمن، الذي يرى أن الطحالب يمكن أن تشكل نواة لحل جذري لمشكلة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وتقوم الفكرة الأساسية على إنشاء مفاعلات بيئية حيوية تُغذّى بغاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من مداخن محطات توليد الطاقة، حيث تمتصه الطحالب وتحوله إلى كتلة حيوية مفيدة.

المفاعلات البيئية: من الكربون إلى الوقود

تتمثل الخطوة الثورية في هذا المشروع في تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يُعد ملوثًا خطيرًا، إلى مصدر طاقة نظيف.

فالطحالب المزروعة داخل المفاعلات الحيوية يمكن معالجتها لاستخراج الزيوت والإيثانول الطبيعي، اللذين يُستخدمان في إنتاج الوقود الحيوي للسيارات.

ووفقًا لتقديرات تومسون، فإن إنشاء مفاعلات بيئية على مساحات تتراوح بين 20 و30 كيلومترًا مربعًا على سواحل البحر الأبيض المتوسط قد يؤدي خلال عشر سنوات إلى خفض ملموس في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

الطحالب… أكثر من مجرد منقٍ للهواء

لا يقتصر دور الطحالب على تنقية الهواء وإنتاج الوقود الحيوي فحسب، بل تمتد فوائدها إلى مجالات أخرى واعدة.

إذ يقترح تومسون استخدام نصف الكتلة الحيوية الناتجة فقط لإنتاج الوقود، بينما يمكن استغلال النصف الآخر في مجالات مستقبلية مثل مواد البناء المستدامة.

فبقايا الطحالب يمكن تحويلها إلى مواد عازلة تُستخدم في الأساسات والجدران، ما يساهم في تقليل استهلاك الطاقة في المباني وخفض البصمة الكربونية لقطاع البناء.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه التطبيقات ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتطوير.

اهتمام صناعي وتحديات التطبيق

يحظى هذا المشروع باهتمام كبير من قبل القائمين على محطات توليد الطاقة في مدينة بريمن، خاصة أن الحلول التقليدية المتاحة حاليًا تقتصر على تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض.

وتصف بيترا غيبه، المتحدثة باسم إدارة المشروع، فكرة القضاء على هذه الغازات السامة بواسطة الطحالب بأنها “حل رائع وصديق للبيئة”. إلا أن التحدي الأبرز يتمثل في توفير المساحات المناسبة لإقامة هذه المفاعلات، إضافة إلى ضرورة توفر أشعة الشمس والمياه.

ولهذا يقترح الباحثون استغلال الأراضي غير الصالحة للزراعة، مثل بعض المناطق في جنوب إسبانيا، على أن تكون المفاعلات قريبة من البحر أو من مصادر المياه.

هذا وتمثل الطحالب اليوم أحد أكثر الحلول الطبيعية ابتكارًا في مواجهة التغير المناخي، إذ تجمع بين تنقية الهواء، وإنتاج الطاقة النظيفة، وتوفير مواد مستدامة للبناء.

ورغم التحديات التقنية واللوجستية، فإن الاستثمار في هذا المجال قد يشكل خطوة حاسمة نحو مستقبل أكثر توازنًا واستدامة، حيث تتحول المشكلة البيئية إلى فرصة علمية واقتصادية واعدة.

المراجع

  1. Climate Change 2023: Synthesis Report.
  2. Chisti, Y. “Biodiesel from microalgae.” Biotechnology Advances, 2007.
  3. Brennan, L., & Owende, P. “Biofuels from microalgae—A review.” Renewable and Sustainable Energy Reviews, 2010.
  4. Borowitzka, M. A. “Microalgae for aquaculture.” Journal of Applied Phycology, 1997.
  5. Pulz, O., & Gross, W. “Valuable products from biotechnology of microalgae.” Applied Microbiology and Biotechnology, 2004.

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

حظر البلاستيك أحادي الاستخدام في دولة الإمارات العربية المتحدة

الإمارات تحظر استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام.. خطوة استراتيجية لحماية البيئة وصحة الإنسان وتحقيق الاستدامة مقدمة …

اترك تعليقاً