د. مهدي الكناني- العراق
عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – محافظة ميسان
عضو الاتحاد العالمي للجامعات العربية والأجنبية
يمثل تلوث المياه بالعناصر الثقيلة أحد أخطر التحديات البيئية المعاصرة نظراً لقدرة هذه العناصر على البقاء في البيئة لفترات طويلة وعدم تحللها الحيوي، مما يؤدي إلى تراكمها في الأوساط المائية وانتقالها عبر السلسلة الغذائية. ويعد عنصر الكادميوم من أبرز هذه العناصر السامة لما له من خصائص كيميائية تجعله شديد الثبات وقابلاً للتراكم في أنسجة الكائنات الحية، ولا سيما الأحياء المائية. وقد أسهم التوسع الصناعي والتعدين واستخدام الأسمدة الفوسفاتية والبطاريات والدهانات في زيادة تركيز الكادميوم في المياه العذبة والرسوبيات، الأمر الذي انعكس سلباً على صحة النظم البيئية المائية.
تكتسب دراسة الكادميوم في البيئات المائية أهمية خاصة بسبب قدرته على الدخول إلى أجسام الأسماك عبر الغلاصم أو الغذاء، ثم التراكم في الأنسجة الحيوية مثل الكبد والكلية والعضلات، مما يؤدي إلى اضطرابات فسيولوجية ونسيجية قد تؤثر في النمو والتكاثر ومعدلات البقاء. كما أن التعرض للتراكيز تحت القاتلة من الكادميوم لا يسبب نفوقاً مباشراً فحسب، بل يحدث تغيرات مرضية دقيقة يمكن أن تنعكس على بنية الأنسجة ووظائفها، وتعد مؤشراً مبكراً على تدهور جودة البيئة المائية.
من هنا تبرز أهمية دراسة التراكم الحيوي للكادميوم وتأثيراته المرضية في أسماك المياه العذبة بوصفها كائنات دالة على حالة النظام البيئي المائي، إذ تسهم هذه الدراسات في فهم آليات انتقال الملوثات وتحديد مخاطرها البيئية والصحية، فضلاً عن دعم جهود المراقبة البيئية ووضع استراتيجيات للحد من التلوث بالعناصر الثقيلة وحماية الموارد المائية والأحياء المرتبطة بها.
التلوث بالكادميوم و كيميائيته في المياه الطبيعية:
يعد الكادميوم من العناصر الثقيلة النادرة في الطبيعة ويتواجد عادة بشكل غير نقي في خامات المعادن وخاصةً خامات الخارصين، ويتم الحصول عليه كناتج عرضي من تنقية الخارصين والنحاس. ويستخدم الكادميوم كمثبت ومادة ملونة في صناعة البلاستك والدهانات الكهربائية ويستخدم أيضاً في سبائك اللحام وفي صناعة البطاريات وصناعة المخصبات الزراعية .يتواجد الكادميوم في معظم المياه الطبيعية بشكل آيون موجب ثنائي الشحنة(Cd+2) وتكون قابلية ذوبانه في الماء واطئة، لذا فهو يدمص على الدقائق العالقة أو الرواسب القاعية وبهذا يكون تركيزه في الدقائق العالقة والرواسب القاعية أعلى من تركيزه في عمود الماء. ويكوّن الكادميوم معقدات مع مركبات عضوية كالأحماض الأمينية والسكريات المتعددة، كما يتحد مع المواد اللاعضوية ليكوّن معقدات مختلفة إذ يعتبر الكلور الآيون اللاعضوي الأكثر إتحاداً مع الكادميوم ليكوّن معقدين هما (CdCl , CdCl2) كذلك يتحد مع الهيدروكسيد (OH) ليكوّن معقدين هما ( CdOH ، Cd (OH)2 ) (1985 , A.P.I.).
يسبب عنصر الكادميوم أضراراً بيئية وفسيولوجية عديدة، إذ أنه مادة سامة وخطرة لجميع الأحياء بسبب تشابه مواقع إرتباطه في الخلايا مع مواقع ارتباط عنصر الخارصين، فهو يثبط فعالية الأنزيمات بسبب ارتباطه بمجاميع (SH) في الحامض الأميني Cystine الذي يدخل في تركيب العديد من الأنزيمات. كما وجد أن عنصر الكادميوم يعمل على تغيير نفاذية غشاء الخلية مما يؤدي إلى حدوث إختلال في التوازن الآيوني، وكذلك يعمل علــى تثبيــط عملية إنتاج ثانــي أوكسيــد الكربـون (CO2) وذلك بإزاحتـه للآيونات الموجبــة التي تعمـل كعوامل مساعــدة فــــي عمليات الأيض الحيوي.
أما مختبرياً فقد وجد أن الكادميوم يسبب اختزالاً في نمو الأحياء المعرضة وإحداث فشل كلوي وتغييرات نسيجية وضرر كيميائي في مختلف أنسجة الجسم، كما يؤثر في النظام المناعي للجسم ويسبب تلف في معادن العظام.
التراكم الحيوي للكادميوم:
يكمن خطر العناصر الثقيلة في قدرتها على التراكم في أنسجة الأحياء، إذ يدخل الكادميوم إلى أجسام الأسماك عن طريق الغلاصم أو الأمعاء ويصل إلى الدم ويرتبط مع البروتينات المعدنية ذات الوزن الجزيئي الواطيء، ثم ينتقل عن طريق الدم إلى بقية أنسجة الجسم كالكبد والكلية والعضلات ويتراكم فيها .ويعتمد التراكــم الحيوي للعناصر الثقيلـة على تداخل عــدة عـوامل مع بعضها مثل تركيز العنصر ومــدة التعريض والعمر والحالــة الفســلجية للكائن الحي ونوع النسيج . أن الكادميوم يدخل بدون تنظيم إلى جسم السمكة كونه من العناصر غير الضرورية ومن ثم يأخذ وقتاً أطـول للتراكم بالمقارنة مع العناصر الأخرى الضرورية للفعاليات الفسلجية في الكائن الحي والتي تدخل بتنظيم إلى جسم السمكة مثل النحاس والزنك وذلك حين قام بتعريض أسماك Oncorhynchus mykiss لتراكيز تحت قاتلة من الكادميوم والنحاس والزنك لمدة 100 يوم عبر الماء . كما لوحظ الإنخفاض في تركيز الكادميوم مع الزيادة في وزن الأسماك ، فضلاً عن حالة الفقد البطيء للكادميوم من كبد الأسماك عند نقلها للماء النظيف بسبب ارتباطه مع البروتينات المعدنية في الكبد بقياس التراكم الحيوي للكادميوم وإمكانية الاسترداد في كبد أسماك Perca fluviatilis .أن الكادميوم يتراكم في مختلف أنسجة الجسم وذلك عندما قام بقياس التراكم الحيوي للكادميوم في أسماك الكارب الإعتيادي Cyprinus carpio أن الكادميوم يتراكم بصورة رئيسية في الغلاصم> الكبد> الكلية وذلك عند تعريض صغار أسماك O. mykiss لتراكيز تحت قاتلة من الكادميوم وحده لمدة (40) يوم، وعند إضافة الكالسيوم مع الغذاء لوحظ انخفاض نسبة الوفيات من (%35) إلى (%21) إذ قلت فرصة أخــذ الكادميـوم بسبب التنافـــس بين العنصرين على مواقع الأخذ فــي الغلاصم. فيما أشــار (2004),. Cicik et.al إلى أن تسلسل الأعضاء الخازنة للكادميوم كان كبد> غلاصم> كلية > طحال > عضلات في أسماك Oreochromis niloticus المعرضة لتركيز (0.25) جـــزء بالمليون من عنصر الكادمـيوم لمدة (15) يوم. كما بين (2001), Hui et.al. أن تراكم الكادميوم في كبد أسماك Tilapia nilotica المعرضة لتركيز (0.3) جزء بالمليون لمدة ثمانية ايام قد ارتبط بقوة مع مدة التعريض.
التأثيرات النسيجية المرضية الناتجة من التعرض للكادميوم:
يعد التعرض للتراكيز تحت القاتلة من الملوثات أكثر خطورة من التعرض الحاد, كونه لا يؤدي إلى القتل المباشر للكائن الحي وإنما يؤدي إلى إحداث تغيرات سلوكية وفسلجية تؤثر بشكل واضح على عمليات النمو والتكاثر ومقاومة الأمراض، ومن ثم على وجود الكائن الحي. كما أن التغيرات التركيبية في نسيج العضو تعكس التغيرات المرضية الفسلجية والكيميوحيوية لهذا النسيج.
وتفيد التحليلات النسيجية في معرفة الأعضاء المستهدفة للملوثات، وفي إعطاء وصف للتأثير كونه قصير أو طويل الأمد. كما وتعد التغيرات النسيجية دلائل حساسة بالغة الدقة وحاسمة في تقدير التغييرات التي تحدث في خلايا النسيج المستهدف كالغلاصم والكبد والمناسل، فهــي تبرهن على نتيجة المـادة السامـة وتفيـد في تقـريـر الحالة الصحية للمجتمعات السمكيـة، ومن ثـم الحالـة الصحية للنظام المائي ككل.
من المعروف أن الغلاصم والكبد من الأعضاء النشطة في أيض الأسماك والمستهدفة من قبل معظم الملوثات، فالجهاز التنفسي للأسماك يوفر سطح بيني يكون في تماس مع الماء، إذ تلعب الغلاصم دوراً مهماً في عملية التنظيم الأوزموزي والتي يتم من خلالها المحافظة على توازن مناسب بين الماء والآيونات في جسم السمكة بما يتلائم والمحيط الخارجي، لذا فالغلاصم تعتبر الأكثر تأثراً بالملوثات الموجودة في البيئة المائية. فقـد سجلت العديد من التغيرات النسيجية المرضية في غلاصم الأسماك المعرضة للكادميوم كحالات التضخم Hypertrophy وفرط التنسج Hyperplasia وظهور الشكل البصلي Clubbing واندماج الصفائح الغلصمية الثانوية Fusion of secondary lamella وتكاثر خلايا المخاط وخلايا الكلورايد والنخر Necrosis.
أما الكبد فيعتبر العضو الرئيسي للإستقرار الكيميائي الحيوي Biochemical homeostasis في الجســـم إذ يلعب دوراً أساسيـاً في العديد من الفعاليات الأيضية، فهـو يستـلـم معظـم الغـذاء الممتـص عـبر الـوريد البابـي Portal Vein ويجري علـيه عــدداً من الفعاليات الأيضيــة قبــل وصولـه إلى الدورة الدمويـة. وتشمـل هـذه الفعاليات أيض الكربـوهــيدرات وأيــض الشحـوم وتصنيـع البروتيـن والخـزن والإفــراز وإزالـة السـم. هذه القابلية – إزالـة السم – تثبـط بارتفاع مستـويات المـركبات السـامـة ممـا يـؤدي إلى تضـرر الكبد ومن ثم توقف لبعض أو كل الوظائـف المذكورة أعلاه .أن الكادميوم يلعب دوراً فسيولوجياً يؤثر في تكاثرالخلايا Cell proliferation وموت الخلايا Celldeath مسبباً للإلتهابات والتسرطن. دراسة التغيرات النسيجية في كبد وكلية ومناسل الأسماك الذهبية Carrasius auratus المعرضة لجرعات متعددة من الكادميوم، إذ لوحظ وجود بعض الأورام في مناطق ضيقة من الكبد وحدوث حالة تأخر في مراحل نمو البيضة. حدوث تغيرات نسيجية مرضية في غلاصم أسماك الكارب الإعتيادي المعرضة لتركيز (2.5) جزء بالمليون من الكادميوم، وشملت هذه التغيرات ظهور فرط التنسج واندماج الصفائح الغلصمية الثانوية ونخر في الطبقة الطلائية للصفائح الغلصمية الثانوية. حدوث العديد من التغيرات النسيجية المرضية في غلاصم وأكباد الأسماك الإستوائية Hyphesobrycon sovichthyes المعرضة لتراكيز تحت قاتلة من الكادميوم لمدة (30) يوم، وقد ازدادت شدة الأعراض مع زيادة مدة التعرض. حدوث اندماج في الصفائح الغلصمية الثانوية واحتقان الأوعية الدموية وتنكس ونخر الخلايا الكبدية وذلك عند تعريض صغار أسماك الكارب الإعتيادي لتراكيز حادة من الزنك والنحاس والكادميوم لمدة (24) ساعة.
الدراسات المحلية:
أجريت العديد من الدراسات المحلية حول تأثير العناصر الثقيلة على الأحياء المائية منها دراسة التي تضمنت قياس التراكم الحيوي للكادميوم والنحاس والمنغنيز والرصاص والزنك في أنسجة أسماك Barbus grupus المصطاد من نهر ديالى. تقدير مستويات بعض العناصر الثقيلة في ماء ورواسب وأعضاء سمكة البياح الأخضر Liza subviridis في مصب شط العرب، فقد كان ترتيب الأنسجة الخازنة كالتالي معدة > كبد > غلاصم > كلية > مناسل > عضلات. تأثير التراكيز تحت القاتلة للكادميوم على نسب البقاء ومكونات الدم لصغار أسماك الكارب الإعتيادي Cyprinus carpio لغرض تحديد تأثير التراكيز الحادة للنحاس والرصاص على نسب بقاء صغار أسماك الكارب الإعتيادي خلال موسمي الشتاء والصيف. تأثير التراكيز الحادة للزنك على نسيج الغلاصم لأسماك الكارب الإعتيادي، فقد تناولت تأثير التراكيز تحت القاتلة لبعض العناصر الثقيلة على غلاصم صغار أسماك كارب الكرسين Carassius carassius .
عينة الدراسة:
كارب الكرسين يعود لعائلة الشبوطيات Cyprinidae ويشبه الكارب الاعتيادي بشكل كبير وأهم صفة تميزه عنه هي غياب اللوامس ، بصورة عامة يكون الرأس صغير وقصير نسبياً مع غطاء غلصمي خشن، فضلاً عن تغير شكل الجسم حسب البيئة الموجود فيها. يستوطن كارب الكرسين المياه بطيئة الحركة ويفضل المناطق الضحلة ولا يحتاج إلى كميات كبيرة من الأوكسجين، كما يستطيع العيش في المياه العكرة والأهوار. ويعتبر زائراً غير مرغوب في برك الكارب الإعتيادي، إذ ينافس بنجاح الأنواع الإقتصادية المهمة وممكن أن يتهاجن بسهولة مع الكارب الإعتيادي مما ينتج أسماك تنمو بسرعة كبيرة أكثر من الكارب الإعتيادي.يعتبر كارب الكرسين من الأسماك مختلطة التغذية ، إذ يتألف غذائه من الأحياء المائية الصغيرة وبالأخص الهائمات الحيوانية ويرقات الحشرات المائية فضلاً عن النباتات والطحالب.
أما سن البلوغ لهذه السمكة في مياه شط العرب فهو عند معدل طول 10.43سم وتبلغ سنتها الأولى بمعدل طول 11.38سم، وتكاثرها يكون في منتصف شهر شباط .
التوصيات:
الحد من طرح الملوثات للبيئة المائية لأنها تؤثر على النظام المائي ككل ومن ثم على الإنسان، مع المراقبة المستمرة ووضع الضوابط البيئية على جميع المصانع والمعامل المستخدمة مواد أولية صناعية والتي قد تولد مخلفات بيئية صناعية خطرة.
ربط دراسة التأثيرات النسيجية المرضية مع دراسة تحليلية للعضو المحدد لمعرفة درجة تراكم الملوثات وحساسية العضو بالمقارنة مع أعضاء أخرى.
أجراء المزيد من الدراسات لفهم الملوثات المسؤولة عن التغيرات النسيجية بتركيزيها العالي والواطئ وتحديد فترات التعرض لفهم تأثير الملوثات بالكامل عن طريق التحليل.
أجراء أبحاث نسيجية وتحليليه أخرى تتعلق بالتعرض للكادميوم على أعضاء أخرى لنفس الأسماك مما يساعد في تحديد قاعدة بيانات لهذا النوع من الأسماك.
معرفة تأثير التراكيز تحت القاتلة للكادميوم على نسب البقاء والتراكم الحيوي وإمكانية الاسترداد لهذا العنصر في يافعات وناضجات أسماك كارب الكرسين C. carassius المتواجد بنسب عالية في مياه شط العرب، فضلاً عن أهم التغييرات النسيجية الحاصلة من جراء استخدام هذا العنصر وذلك بأخذ الغلاصم والكبد كأنسجة بحثية.
المراجع
- Araujo, F. G., Williams, W. P., & Bailey, R. G. (2000). Fish assemblages as indicators of water quality in the middle Thames estuary, England (1980–1989). Estuaries, 23(3), 305–317.
- Aubry, A., & Elliott, M. (2006). The use of environmental integrative indicators to assess seabed disturbance in estuaries and coasts: Application to the Humber estuary, UK. Marine Pollution Bulletin, 53(1–4), 175–185.
- Bozzetti, M., & Schulz, U. H. (2004). An index of biotic integrity based on fish assemblages for subtropical streams in southern Brazil. Hydrobiologia, 529, 133–144.
- Davies, S. P., & Jackson, S. K. (2006). The biological condition gradient: A descriptive model for interpreting change in aquatic ecosystems. Ecological Applications, 16(4), 1251–1266.
- Mohamed, A. R. M., & Barak, N. A. (1982). Growth and condition of Barbus sharpeyi (Günther) in Al-Hammar Marsh, Basrah, Iraq. Basrah Journal of Agricultural Science, 2, 56–63.
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية