التحديات والمعوقات أمام القطاع الزراعي وآفاق التنمية الزراعية المستدامة في العراق والعالم العربي

د. مهدي الكناني- العراق

عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – محافظة ميسان

عضو الاتحاد العالمي للجامعات العربية والأجنبية

تواجه القطاع الزراعي في العراق والوطن العربي جملة من التحديات حالت دون تطور القطاع الزراعي ساهمت بعرقلة التنمية الزراعية المستدامة، ومن هذه التحديات ما يأتي:

 أولا : الموارد المائية

من المعروف ان الوطن العربي و خصوصاً العراق يعتمد  بشكل اساسي على مصادر المياه التقليدية المتمثلة في المياه السطحية لنهري دجلة والفرات وروافدهما وعلى مياه الامطار والمياه الجوفية ، حيث تساهم نهري دجلة والفرات بارواء مساحات واسعة من الاراضي الزراعية في الوسط والجنوب بشكل خاص تقدر ب 22  مليون دونم اي ما يعادل 80 % تقريبا من الاراضي الصالحة للزراعة ، الا ان منابع النهرين المذكوين في اعلاه كما هو معروف في تركيا ، وقد قامت كل من تركيا وسوريا بانشاء سدود ومشاريع ري كبيرة وتشير الارقام الواردة في ، على حساب الحصة المائية المخصصة للعراق بموجب اتفاقية هلسنكي الجدول ( 6) الى مقارنة واضحة للواردات المائية من نهري دجلة والفرات قبل انشاء المشاريع التركية والسورية على النهرين المذكورين وبعدها ، اذ انخفضت المياه الواردة الى العراق الى اقل من النصف بعد انشاء هذه المشاريع والسدود عما كانت عليه قبل انشائها .

 ثانيا : الآفات الزراعية

تعد الاراضي التي تعاني من اضرار الافات الزراعية واحدة من المؤشرات التي على ضعف الاداء الزراعي ، اذ ان الاراضي المريضة لا يمكن لها ان تحقق انتاج وبالتالي لا يمكن التعويل عليا في النهوض بواقع هذا القطاع المهم ، لان تحقيق مستوى علي من الانتاج الزراعي يتطلب استخدام المزيد من المبيدات لمكافحة الآفات والامراض الزراعية التي تقضي على ما نسبته%  20- 40

ثالثا : مشكلة ملوحة التربة – الأراضي الزراعية

إن مشكلة ملوحة الأراضي الزراعية من التحديات الرئيسة التي واجهت القطاع الزراعي في العراق والوطن العربي  ، وأدت الى تدهور وانخفاض الانتاجية فيه ، فمن المعروف ان الزراعة المروية تنتشر في العراق ، وان تشبع التربة بالماء واتباع طرق ارواء تقليدية وغيرمنتظمة مع غياب نظام فعال للصرف ، الأمر الذي أدى الى زيادة ملوحة التربة عند السطح مما قلل من انتاجها ثم تركها ، هذا فضلا عن الطبيعة الجغرافية لمناطق وسط العراق وجنوبه وطبيعة الظروف المناخية المتمثلة بارتفاع شديد في درجات الحرارة وبشكل خاص في موسم الصيف، وكذلك قلة مشاريع الري والبزل حيث بلغت نسبة المساحة المنجزة بمشاريع الري والبزل في جميع المحافظات 35% وهي نسبة قليلة لا تتناسب مع ما يتدهور من اراضي صالحة للزراعة التي تقدرها وزارة الزراعة بنحو 100 الف دونم سنويا بسبب ارتفاع المياه الجوفية والملوحة والتصحر الناتجة عن سوء الادارة واستخدام نمط تقليدي جائر في الري دون اعتماد التكنولوجيا والاساليب الحديثة.

 رابعا : مشكلة التكنولوجيا الزراعية في العراق والوطن العربي

التكنولوجيا الزراعية من العناصر الاساسية والمهمة لاحداث عملية التنمية الزراعية ، وان النقص في استخدام في العراق يعد من التحديات الكبيرة التي يواجهها القطاع الزراعي ، وهنا ليس المقصود بالتكنولوجيا هو الآلات والمعدات فقط ن وانما التكنولوجيا المتعلقة بابتكار الاصناف الجديدة والبذور المحسنة وعمليات التهجين واستخدام الاسمدة والري واستصلاح الأراضي ….الخ ، وفيما يتعلق بالبذور المحسنة على سبيل المثال ، فقد بدأ العمل في هذا المجال في العراق بوقت مبكر ربما من الخمسينات الستينات ورغم التطور الذي حصل في هذا النشاط فلا يزال دون المستوى المطلوب . ونلاحظ ان من 27% من المساحات المزروعة بالقمح والشعير تم تغطيتها بالبذور المحسنة ربما يكون في الوقت الحالي اقل من ذلك  وهذا يعني ان 73 % من المساحة المزروعة قد زرعت ببذور منتجة من قبل الفلاحين انفسهم ، الأمر الذي يؤدي الى انخفاض الانتاجية في القطاع الزراعي ويؤثر سلبا في تحقيق التنمية الزراعية المستدامة .

خامسا : سياسة الاغراق في الاسواق العراقية والوطن العربي

يعد التحول الكبير في الاقتصاد العراقي بعد 2003 والذي اثر على القطاع الزراعي من خلال تطبيق اجراءات السوق عن طريق الغاء اجراءات الحماية وفتح ابواب التجارة الخارجية على مصراعيها من خلال الغاء نظام الحصص والتراخيص والغاء الرسوم الكمركية عن السلع الزراعية المستوردة ، وتحول السوق العراقية من سوق مسيطر عليها الى سوق مفتوحة ، ودخول انواع كثيرة من السلع الى السوق العراقية وباسعار رخيصة ، بحث اصبحت السوق العراقية تعتمد على المنتجات الزراعية المستوردة الامر الذي ادى الى ارتفاع كبير في اسعار المحاصيل الزراعية نتيجة انخفاض المعروض من المحاصيل المنتجة محليا بسبب سياسة الاغراق التي أدت الى ترك الفلاح للزراعة لعدم قدرة محاصيله على منافسة السلع المستوردة ، وادت هذه السياسة الى انخفاض كبير في كمية الانتاج الزراعي في العراق.

سادسا : التربة

سريعًا ما أصبحت تعرية التربة إحدى المشكلات الكبرى على مستوى العالم. ووفقًا للتقديرات، “يتعرض أكثر من ألف مليون طن من التربة في الجزء الجنوبي من إفريقيا للتعرية سنويًا. ويتوقع الخبراء انخفاض غلة المحصول إلى النصف خلال فترة تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين عامًا إذا استمرت التعرية بمعدلاتها الحالية.” ولا تقتصر تعرية التربة على إفريقيا وحدها، وإنما تحدث في جميع أنحاء العالم. ويطلق على هذه الظاهرة ذروة التربة (Peak Soil)، حيث تعرض أساليب الزراعة الصناعية واسعة النطاق الحالية قدرة البشر على زراعة المحاصيل الغذائية للخطر، في الحاضر والمستقبل. وإذا لم يتم بذل مجهودات لتحسين ممارسات إدارة التربة، فسيصبح توفر تربة صالحة للزراعة مشكلة متزايدة الصعوبة.

 سابعا : التربة

إن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للاستدامة مفهومة بشكل جزئي أيضًا. وفيما يتعلق بالزراعة الأقل تركيزًا، فإن أفضل تحليل معروف في هذا المجال هو دراسة نيتنج (Netting) حول أنظمة صغار الملاك عبر التاريخ وتعرف مجموعة أكسفورد المعنية بالاستدامة (Oxford Sustainable Group) الاستدامة في هذا السياق بشكل أوسع، آخذة في الاعتبار التأثير على جميع أصحاب المصالح ومن خلال نهج شامل ومع الأخذ في الاعتبار الموارد الطبيعيةالمحدودة بأي تكلفة محددة وفي أي موقع محدد، فإن الزراعة التي تفتقر إلى الكفاءة أو المضرة بالموارد المطلوبة تستنفد في نهاية المطاف الموارد المتوفرة أو تضعف القدرة على تحمل تكلفتها والحصول عليها. كما أنها قد تُحدث آثارا خارجية سلبية مثل التلوث، فضلاً عن التكاليف المالية والإنتاجية علاوة على ذلك، يجب تفسير طريقة ضمن معادلة الاستدامة. فـالغذاء الذي يتم بيعه محليًا لا يتطلب طاقة إضافية للنقل (بما في ذلك المستهلكون). أما الغذاء الذي يتم بيعه في أماكن بعيدة، سواء في أسواق المزارعين أو في المراكز التجارية فيؤدي إلى تكبد مجموعة أخرى من تكاليف الطاقة مقابل المواد والعمالة والنقل.

ثامنا : طرق الزراعة

ان نوع المحصول ومكان زراعته وكيفية زراعته هي أمور متروكة لحرية الاختيار. ومن بين العديد من الممارسات الممكنة للزراعة المستدامة تطبيق الدورة الزراعية وتعديل التربة وكلاهما مصمم لضمان حصول المحاصيل التي تتم زراعتها على العناصر المغذية الضرورية للنمو الصحي. وتشمل تعديلات التربة استخدام الأسمدة العضوية المتوفرة محليًا من خلال مراكز إعادة التدوير المجتمعية. وتساعد مراكز إعادة التدوير المجتمعية في إنتاج الأسمدة العضوية المطلوبة في الحقول العضوية المحلية لقد كانت كيفية تحقيق الاستدامة في الزراعة محل جدل بين العديد من العلماء والمزارعين والأعمال. فيساعد استخدام إعادة التدوير المجتمعية لفضلات المطبخ والفناء المنزلي في الاستفادة من الموارد المنزلية المتاحة بشكل شائع. وكان يتم الإلقاء بهذه الموارد في الماضي في مواقع كبيرة للتخلص من النفايات، أما الآن فتُستخدم لإنتاج أسمدة عضوية منخفضة التكلفة للزراعة العضوية. وتتضمن الممارسات الأخرى زراعة عدد من المحاصيل المعمرة المختلفة في حقل واحد، بحيث تتم زراعة كل منها في فصل منفصل حتى لا تنافس بعضها البعض على الموارد الطبيعية. ويثمر تطبيق هذا النظام عن زيادة المقاومة للأمراض وتقليل آثار التعرية وفقدان العناصر المغذية بالتربة. على سبيل المثال، فإن تثبيت النيتروجين من خلال البقول، والذي يُستخدم مع النباتات التي تعتمد على النيترات الموجودة في التربة في النمو، يتيح إمكانية إعادة استخدام الأرض سنويًا. حيث تنمو البقول لمدة موسم وتجدد التربة وتمدها بالأمونيوم والنيترات، وفي الموسم التالي يمكن بذر بذور نباتات أخرى لتنمو في الحقل استعدادًا للحصاد الزراعة الأحادية وهي طريقة لزراعة محصول واحد فقط في المرة في حقل معين، من الممارسات واسعة الانتشار، إلا أن هناك بعض الشكوك حول استدامتها، خاصة إذا تمت زراعة نفس المحصول كل عام. والآن أصبح من المعروف أنه للتغلب على هذه المشكلة يمكن للمدن والحقول المحلية العمل معًا لإنتاج السماد العضوي اللازم للمزارعين في الحقول المحيطة. ويؤدي هذا أحيانًا، إلى جانب زراعة محاصيل مختلطة (الزراعة متعددة المحاصيل، إلى خفض معدلات الإصابة بالأمراض ومشكلات الآفات  ولكن نادرًا، إن حدث أصلاً، أن تتم مقارنة الزراعة متعددة المحاصيل بالممارسة الأوسع انتشارًا وهي زراعة محاصيل مختلفة في سنوات متعاقبة (الدورة الزراعية) والتي تحقق نفس التنوع المحصولي بصفة عامة. كما أن أنظمة زراعة المحاصيل التي تتضمن مجموعة متنوعة من المحاصيل (الزراعة متعددة المحاصيل و/أو الدورة الزراعية) قد تجدد النيتروجين (إذا تضمنت البقول) وكذلك فإنها قد تستخدم الموارد مثل أشعة الشمس أو المياه أو العناصر المغذية بفعالية أكبر  إن استبدال نظام بيئي طبيعي بعدد قليل من النباتات المتنوعة المختارة بشكل خاص يؤدي إلى تقليل التنوع الوراثي الموجود في الحياة البرية ويجعل الكائنات الحية عرضة لـ الأمراض المنتشرة. وتعد مجاعة أيرلندا الكبرى 1845-1849 مثالاً شهيرًا على أخطار الزراعة الأحادية. من الناحية العملية، لا يوجد نهج واحد للزراعة المستدامة، حيث أنه يجب تكييف الطرق والأهداف المحددة لتتناسب مع كل حالة فردية. ربما يكون هناك بعض أساليب الزراعة التي تتعارض بطبيعتها مع مفهوم الاستدامة، ولكن هناك سوء فهم منتشر للآثار المترتبة على بعض الممارسات. والآن، يتيح النمو الذي تشهده أسواق المزارعين المحلية الفرصة أمام المزارع الصغيرة لبيع منتجاتها مرة أخرى للمدن التي حصلت منها على السماد العضوي المعاد تدويره. ويساعد استخدام إعادة التدوير المحلية في صرف الأشخاص عن اتباع أساليب القطع والحرق التي تعد سمة مميزة لـ الزراعة المتنقلة وغالبًا ما يُذكر أن لها آثارًا تدميرية بطبيعتها، وتتم ممارسة زراعة القطع والحرق في الأمازون منذ 6000 عام على الأقل ولكن لم تبدأ إزالة الغابات بصورة خطيرة حتى السبعينيات من القرن العشرين، وكان ذلك في الأساس بسبب السياسات والبرامج التي تنفذها الحكومة البرازيلية وتجدر الإشارة إلى أن هذا لم يكن قطعًا وحرقًا بقدر ما كان قطعا وتفحما، والذي إذا ما أضيفت إليه مادة عضوية ينتج تربة سوداء (terra preta) وهي واحدة من أغنى أنواع التربة على كوكب الأرض والتربة الوحيدة التي تجدد نفسها وهناك أيضًا العديد من الطرق لممارسة تربية الحيوانات بطريقة مستدامة. ومن بين أهم الأدوات التي تُستخدم في إدارة المرعى تقسيم مساحة المرعى بأسوار إلى مساحات أصغر تُسمى اصطبلات مما يقلل من كثافة وجود الماشية، وكذلك نقل الماشية بين الاصطبلات بشكل متكرر لقد تم إجراء عدة محاولات لإنتاج لحوم صناعية باستخدام أنسجة منفصلة لإنتاجها في المختبر ويعد عمل جيسون ماثيني في هذا الموضوع من خلال مشروع الحصاد الجديد   (New Harvest) من أكثر الأعمال التي تلقت الكثير من التعليقات

 تاسعا : فعالية استخدام الطاقة 

تحديد أهداف إرشادية على الصعيدين الوطني والإقليمي لتحسين فعالية استخدام الطاقة في جميع قطاعات المجتمع، مصحوبة بسياسات وتدابير فعالية الكلفة لتحقيق هذه الأهداف.

إنشاء أطر تنظيمية تجارية (جديدة) تعترف بدور الطاقة وتحسين فعالية المواد، على الصعيدين الوطني والدولي على حد سواء. إنشاء آليات مهمتها وضع معايير أداء، فيما بين البلدان، لقياس الجهود والنتائج المحققة في مجال سياسات تحسين فعالية استخدام الطاقة، وكذلك فعالية استخدام الطاقة في مختلف القطاعات الاقتصادية. ويمكن استخدام هذا الأمر كأداة لزيادة الوعي وتشجيع القطاعين العام والخاص على تحسين استخدام الطاقة وترشيده. إنشاء هيئة، على المستوى الوطني، تتولى مسؤولية تنفيذ سياسات فعالية استخدام الطاقة أو تكليف إحدى الهيئات بذلك. وينبغي للمؤسسات الدولية أن تدعم تزويد هذه الهيئات بالموظفين على أساس إقليمي. العمل، كجزء من عملية عولمة التجارة على صياغة معايير دنيا للأداء (بتصديق من المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس)، تتم الموافقة عليها دوليا، وذلك فيما يتعلق بالمنتجات ذات الصلة بالطاقة والمستخدمة على نطاق واسع والتي تتراوح بين السيارات والثلاجات.

تعزيز الميزانيات المخصصة للبحث والتطوير والبيان العملي في مجال فعالية استخدام الطاقة. وهذا مجال تتوافر فيه الفرص لتقاسم النفقات والتعاون على نطاق واسع بين القطاعين العام والخاص، وبين البلدان الصناعية والبلدان النامية.تعزيز بناء القدرات، بما في ذلك التعليم والتدريب ونشر المعلومات، في مجالات تتراوح بين تخطيط الطاقة والهندسة التقنية، وتحسين فعالية أداء الطاقة واستخدام المواد، على الصعيدين الوطني والدولي. زيادة تفهم الحواجز التقنية والاجتماعية والسلوكية التي تحد من الانتشار التجاري للتكنولوجيات الجديدة الفعالة في استخدام الطاقة، وتوفير حوافز للتغلب على تلك الحواجز.

من شأن تحديد أسعار تعكس الكلفة الحقيقية للطاقة عن طريق إدماج عوامل من قبيل الكلفة البيئية والاجتماعية، أن يمكن من توفير حوافز كبيرة من أجل تحقيق الفعالية في استخدام الطاقة والمواد. بيد أن من الضروري الترتيب بعناية لإلغاء الإعانات المقدمة لاستهلاك الطاقة غير المستدامة، بحيث لا تؤدي تقلبات الأسعار إلى الإضرار بالفقراء في المجتمع.

عن فريق التحرير

يشرف على موقع آفاق علمية وتربوية فريق من الكتاب والإعلاميين والمثقفين

شاهد أيضاً

التراكم الحيوي للكادميوم وتأثيراته المرضية على أسماك المياه العذبة

د. مهدي الكناني- العراق عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – …

اترك تعليقاً