المهندس أمجد قاسم *
في عالم يسعى فيه الإنسان إلى تقليل استهلاك السكر دون التخلي عن الطعم الحلو، ظهر الأسبارتام بوصفه أحد أشهر المحليات الصناعية في العالم.
وهذا المركب يوجد في آلاف المنتجات الغذائية مثل المشروبات الغازية “الدايت”، وحلويات منتجات الحمية الغذائية والعلكة الخالية من السكر، وبعض الأدوية.
ومع انتشار استخدامه منذ عقود، لم يتوقف الجدل العلمي والطبي حول فوائده المحتملة ومخاطره الصحية على المدى القصير والطويل.
ما هو الأسبارتام؟
الأسبارتام (Aspartame) هو مُحلٍ صناعي منخفض السعرات الحرارية، يتكون كيميائياً من حمضين أمينيين هما حمض الأسبارتيك والفينيل ألانين مرتبطين بجزيء ميثانول.
ويتميز بأنه أحلى من السكر العادي (السكروز) بنحو 180–200 مرة، لذلك تُستخدم منه كميات صغيرة جداً للحصول على نفس درجة الحلاوة. وعند هضمه في الجسم يتحلل إلى مكوناته الأساسية التي توجد أصلاً في العديد من الأطعمة الطبيعية.
قصة الاكتشاف
تم اكتشاف الأسبارتام بالصدفة عام 1965 على يد الكيميائي الأمريكي جيمس شلاتر أثناء عمله في شركة G.D. Searle للأدوية. كان شلاتر يجري أبحاثاً لتطوير دواء لقرحة المعدة، ولاحظ الطعم الحلو للمركب عندما لامس إصبعه شفتيه. لاحقاً خضع المركب لدراسات طويلة قبل أن توافق هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على استخدامه في بعض المنتجات في سبعينيات القرن الماضي، ثم توسع استخدامه عالمياً في الثمانينيات والتسعينيات.
لماذا يُستخدم الأسبارتام؟
ظهرت الحاجة إلى المحليات الصناعية لأسباب صحية واقتصادية. فالاستهلاك المرتفع للسكر يرتبط بالسمنة وتسوس الأسنان وارتفاع خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. لذلك لجأت شركات الأغذية إلى بدائل توفر الطعم الحلو مع سعرات أقل.
فبالنسبة لكثير من الناس، خصوصاً مرضى السكري أو من يحاولون إنقاص الوزن، يوفر الأسبارتام خياراً يساعدهم على تقليل السكر دون التخلي عن المذاق الذي اعتادوا عليه.
كذلك يمتاز الأسبارتام بأنه قريب في طعمه من السكر مقارنة ببعض المحليات الأخرى، ولا يترك مذاقاً معدنياً واضحاً، ما جعله واسع الاستخدام في المشروبات الغازية منخفضة السعرات ومنتجات الحمية الغذائية.
الفوائد المحتملة
تشير بعض الدراسات إلى أن استخدام المحليات منخفضة السعرات، ومنها الأسبارتام، قد يساعد في تقليل استهلاك الطاقة اليومية عندما يُستخدم بدلاً من السكر، وهو ما قد يساهم في انقاص الوزن. كما أنه لا يسبب تسوس الأسنان لأنه لا يتخمر بواسطة بكتيريا الفم مثل السكريات.
وتشير مراجعات علمية عديدة إلى أن استهلاك الأسبارتام ضمن الحدود المسموح بها يعتبر آمناً لغالبية الناس. فقد حددت الهيئات التنظيمية مثل الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) وFDA كمية الاستهلاك اليومية المقبولة (ADI) بنحو 40–50 ملغم لكل كيلوجرام من وزن الجسم يومياً، وهي كمية يصعب الوصول إليها عبر الاستهلاك الغذائي المعتاد.
المخاوف والآثار الصحية المحتملة
رغم هذه الموافقات التنظيمية، ظل الأسبارتام موضوعاً للنقاش العلمي والشعبي. بعض الدراسات أشارت إلى ارتباطات محتملة بين استهلاكه وأعراض مثل الصداع أو الدوخة لدى بعض الأفراد الحساسين. كما أثيرت تساؤلات حول تأثيراته المحتملة على الدماغ أو الجهاز العصبي بسبب احتوائه على الفينيل ألانين.
هناك فئة محددة يجب أن تتجنب الأسبارتام تماماً، وهي المصابون بمرض بيلة الفينيل كيتون (Phenylketonuria)، وهو اضطراب وراثي يمنع الجسم من استقلاب الفينيل ألانين بشكل طبيعي.
لذلك تُلزم القوانين الغذائية في كثير من الدول بوضع تحذير واضح على المنتجات التي تحتوي على الأسبارتام.
أما فيما يتعلق بالآثار طويلة المدى مثل السرطان، فقد كانت النتائج العلمية متباينة عبر العقود. بعض الدراسات على الحيوانات أثارت مخاوف في الماضي، لكن مراجعات واسعة النطاق من هيئات صحية عالمية لم تجد دليلاً قاطعاً على أن الأسبارتام يسبب السرطان ضمن حدود الاستهلاك المسموح بها.
ومع ذلك، صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) في عام 2023 الأسبارتام على أنه “قد يكون مسرطناً للبشر” (فئة 2B، وهو تصنيف يشير إلى احتمال محدود يحتاج إلى مزيد من البحث وليس دليلاً مؤكداً.
بين العلم والقلق الشعبي
تكشف قصة الأسبارتام عن العلاقة المعقدة بين العلم وثقة المجتمع. فالكثير من الناس ينظرون بحذر إلى أي مادة “صناعية”، بينما تشير معظم التقييمات العلمية الحالية إلى أن استهلاكه المعتدل آمن.
ومع ذلك، يبقى من الحكمة تنويع مصادر الغذاء وتقليل الاعتماد المفرط على الأطعمة المصنعة عموماً، سواء احتوت على سكر أو محليات بديلة.
في النهاية، لا يكمن التحدي في مادة واحدة فقط، بل في نمط حياتنا الغذائي ككل. فالحلاوة قد تمنح لحظة من المتعة، لكنها تذكرنا دائماً بأهمية الاعتدال والوعي بما نضعه في أجسادنا.
* كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية
المراجع
- Magnuson, B. A., et al. (2007). Aspartame: A Safety Evaluation Based on Current Use Levels. Critical Reviews in Toxicology.
- European Food Safety Authority (EFSA). (2013). Scientific Opinion on the Safety of Aspartame.
- S. Food and Drug Administration (FDA). Aspartame Information for Consumers.
- World Health Organization & IARC (2023). Evaluation of the carcinogenicity of aspartame.
- Sylvetsky, A. C., & Rother, K. I. (2018). Nonnutritive Sweeteners in Weight Management and Chronic Disease. Endocrine Reviews.
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية