لم تعد طاقة الرياح البحرية (Offshore Wind Energy) مجرد تقنية ناشئة ضمن منظومة الطاقة المتجددة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الخيارات المطروحة لتوفير الكهرباء النظيفة على نطاق واسع.
المهندس أمجد قاسم
كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية
يكشف تقرير طاقة الرياح البحرية العالمي 2025 الصادر عن المجلس العالمي لطاقة الرياح (GWEC) أن القطاع يقف عند نقطة تحول مهمة؛ فالإمكانات التقنية والاقتصادية هائلة، لكن تسريع الاستفادة منها يتطلب التغلب على تحديات التمويل والتراخيص والشبكات وسلاسل الإمداد.
نمو عالمي رغم التحديات
أظهر تقرير 2025 أن القدرة العالمية المركبة من الرياح البحرية بلغت نحو 83.2 غيغاواط بنهاية عام 2024، بعد إضافة نحو 8 غيغاواط خلال ذلك العام.
وعلى الرغم من أن هذه الزيادة كانت أقل من العام السابق، فإنها جعلت 2024 رابع أعلى عام في تاريخ القطاع من حيث الإضافات الجديدة.
كما سجلت الحكومات رقمًا قياسيًا في مزادات طاقة الرياح البحرية، بلغ نحو 56 غيغاواط، بينما كانت هناك مشروعات بقدرة تقارب 48 غيغاواط قيد الإنشاء عالميًا. (Global Wind Energy Council [GWEC], 2025)
وتبرز الصين باعتبارها القوة الأكبر في هذا القطاع، إذ استحوذت على نحو نصف القدرة العالمية المركبة، بينما واصلت أوروبا، وبخاصة المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا، لعب دور رئيس في تطوير السوق.
لكن التقرير حذر في الوقت نفسه من أن النمو لا يسير بالسرعة التي تسمح بتحقيق الإمكانات الكاملة للرياح البحرية.
فقد أدت التضخمات وارتفاع أسعار الفائدة واضطرابات سلاسل الإمداد وعدم الاستقرار في السياسات وفشل بعض المزادات إلى زيادة تكاليف المشروعات وتأخير قرارات الاستثمار.
ماذا تغير في 2026؟
تقدم البيانات الأحدث صورة أكثر وضوحًا لمسار القطاع. فبحسب تقرير الرياح البحرية العالمي 2026، تمت إضافة 9.3 غيغاواط من مشروعات الرياح البحرية إلى الشبكات الكهربائية خلال عام 2025، بزيادة 16% عن العام السابق، لتصل القدرة العالمية التراكمية إلى 92.5 غيغاواط بنهاية 2025. وبذلك أصبح العالم على مسافة قصيرة من تجاوز حاجز 100 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية.
وكانت الصين مسؤولة عن 6.6 غيغاواط من الإضافات الجديدة في 2025، لتصل قدرتها البحرية التراكمية إلى نحو 48.4 غيغاواط. وفي أوروبا أضيف ما يقارب 2 غيغاواط، توزعت بصورة رئيسية بين المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا. كما بلغ متوسط قدرة التوربينات الجديدة المركبة في 2025 نحو 10.3 ميغاواط للتوربين الواحد، متجاوزًا للمرة الأولى حاجز 10 ميغاواط.
وتشير توقعات GWEC لعام 2026 إلى إمكانية إضافة نحو 327 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية خلال العقد المقبل، مع توقع تسارع كبير في معدل التركيبات السنوية. إلا أن تحقيق هذه الأرقام سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومات والصناعة على إزالة العقبات أمام تنفيذ المشروعات.
أوروبا.. بين الطموح وارتفاع التكاليف
تظل أوروبا إحدى أهم ساحات تطوير الرياح البحرية. ووفق WindEurope، تمتلك القارة نحو 39 غيغاواط من القدرة المركبة لطاقة الرياح البحرية، منها 21.5 غيغاواط في دول الاتحاد الأوروبي، بعد إضافة نحو 2 غيغاواط جديدة في 2025. وتتوقع المنظمة استمرار نمو طاقة الرياح الأوروبية خلال الفترة 2026–2030، إلا أن مشروعات الرياح البحرية تواجه تحديات مرتبطة بتكاليف التمويل وسلاسل الإمداد وربط المشروعات بالشبكات.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن طاقة الرياح البحرية يمكن أن تشهد توسعًا كبيرًا حتى عام 2030، لكنها خفضت توقعاتها السابقة بسبب ارتفاع التكاليف وتأخر مشروعات الشبكات وصعوبات بعض المزادات. وتتوقع الوكالة إضافة نحو 140 غيغاواط من الرياح البحرية عالميًا خلال الفترة 2025–2030، مع تجاوز السوق السنوية 37 غيغاواط بحلول 2030.
لماذا تعد الرياح البحرية مهمة؟
تكمن أهمية الرياح البحرية في إمكانية إنشاء توربينات ضخمة في مناطق بحرية تتميز برياح أقوى وأكثر انتظامًا من كثير من المواقع البرية. وهذا يسمح بإنتاج كميات كبيرة من الكهرباء النظيفة بالقرب من المراكز الساحلية والصناعية.
كما يمكن أن تصبح الرياح البحرية عنصرًا مهمًا في إزالة الكربون من الصناعة، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتشغيل أنظمة تحلية المياه، ودعم كهربة قطاعات النقل والصناعة. وفي هذا السياق، يرى GWEC أن الرياح البحرية يمكن أن تصبح جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للاقتصاد الكهربائي المستقبلي، وليس مجرد مصدر إضافي للطاقة المتجددة.
التحدي الحقيقي: من التخطيط إلى التنفيذ
تكشف تجربة السنوات الأخيرة أن المشكلة لم تعد في توفر التكنولوجيا، وإنما في القدرة على تحويل المشروعات المخطط لها إلى مشروعات منتجة للكهرباء. ولذلك يركز تقرير GWEC على ضرورة تسريع إجراءات الترخيص، وتحسين تصميم المزادات، وتوفير التمويل، وتطوير شبكات الكهرباء والموانئ، وتنويع سلاسل الإمداد.
وتشير بيانات 2026 إلى وجود نحو 25 غيغاواط من مشروعات الرياح البحرية خارج الصين حصلت على الموافقات اللازمة لكنها لا تزال تنتظر قرارات الاستثمار النهائي، أو ترتيبات الربط بالشبكة أو آليات الدعم المناسبة. وهذا يعكس الفجوة بين الإمكانات المتاحة والقدرة الفعلية على التنفيذ.
نحو عصر جديد للطاقة البحرية
تؤكد الأرقام أن الرياح البحرية تدخل عام 2026 بقاعدة صناعية أقوى من أي وقت مضى، لكنها تواجه في الوقت نفسه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بالاقتصاد والتمويل والسياسات. وإذا نجحت الدول في معالجة هذه العقبات، فقد تتحول البحار إلى واحدة من أهم مصادر الكهرباء النظيفة خلال العقود المقبلة.
وبالتالي، فإن الرسالة الأساسية لتقرير 2025 والبيانات الجديدة لعام 2026 واضحة: مستقبل الرياح البحرية لا يعتمد فقط على قوة الرياح فوق البحار، بل على قدرة البشر على بناء المنظومات الاقتصادية والصناعية والشبكية اللازمة لتحويل تلك الرياح إلى طاقة موثوقة ونظيفة وبأسعار تنافسية.
المراجع
- Global Wind Energy Council. (2025). Global offshore wind report 2025. GWEC. net
- Global Wind Energy Council. (2026). Global offshore wind report 2026. GWEC. net
- International Energy Agency. (2026). Global energy review 2026: Technology—Solar PV and wind. IEA. IEA
- International Renewable Energy Agency. (2026). Renewable capacity statistics 2026. IRENA. IRENA
- (2026). Wind energy in Europe: 2025 statistics and the outlook for 2026–2030. WindEurope. WindEurope
العلوم دوت كوم آفاق علمية وتربوية سابقا / منصة عربية للعلوم والتكنولوجيا