يُعدّ غاز ثاني أكسيد الكربون (CO₂) أحد أهم الغازات الدفيئة المسببه لظاهرة الاحتباس الحراري، حيث يسهم بشكل رئيس في التغير المناخي العالمي وما يرتبـط به من ارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد القطبي، وتغيّر النظم البيئية.
وقد تزايدت انبعاثاته خلال العقود الماضية نتيجة النشاطات البشرية وتفاقم بعض الظواهر الطبيعية.
✍️ المهندس أمجد قاسم
يشهد العالم في الوقت الراهن تحديات مناخية غير مسبوقة، حيث تشير الدراسات إلى أن متوسط الانبعاثات السنوية من ثاني أكسيد الكربون بلغ 37.4 مليار طن من الوقود الأحفوري وصناعة الأسمنت في عام 2024، في حين أن إجمالي الانبعاثات مع تغيّر استخدام الأراضي وصل إلى 41.6 مليار طن سنويًا (Global Carbon Project, 2024). هذه الأرقام تُظهر أن التقدم في مجالات الطاقة المتجددة لم يكن كافيًا لوقف نمو الانبعاثات. ومن هنا تبرز أهمية تحليل مصادر انبعاثات هذا الغاز لفهم ديناميكياته وتحديد سُبل الحد منه.
المصادر الطبيعية والبشرية لثاني أكسيد الكربون
1. التحلّل الحيوي للمركبات العضوية
يُعد تحلّل المواد العضوية أحد أهم المصادر الطبيعية لإطلاق CO₂ تقوم الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات بتحليل بقايا الكائنات الحية، سواء في وجود الأكسجين (التحلّل الهوائي) أو في غيابه (التحلّل اللاهوائي). وينتج عن هذه العملية إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون تعود مباشرة إلى الغلاف الجوي. كما أن عمليات التخمير التي تقوم بها الخمائر والطحالب تُسهم أيضًا في إنتاج هذا الغاز.
2. احتراق الوقود الأحفوري
يُعدّ استخدام الفحم والنفط والغاز الطبيعي المصدر الأبرز للانبعاثات البشرية. إذ تعتمد محطات توليد الكهرباء والصناعات الثقيلة على هذه الموارد لتلبية احتياجات الطاقة.
ومع تزايد النمو الصناعي والسكاني خلال القرنين الماضيين، تضاعفت معدلات استهلاك الوقود الأحفوري بشكل غير مسبوق، مما جعل هذا القطاع المسؤول الأكبر عن تراكم CO₂ في الغلاف الجوي. تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA, 2025) إلى أن الانبعاثات المرتبطة بالطاقة بلغت 40.8 مليار طن مكافئ CO₂ في عام 2024، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخيًا.
3. الاستخدامات المنزلية
تمثل الاستخدامات المنزلية للطاقة، مثل الطهي والتدفئة والتبريد وتشغيل الأجهزة الكهربائية، جزءًا مهمًا من استهلاك الطاقة العالمي.
وبما أن معظم الكهرباء تُنتج من الوقود الأحفوري، فإن الطلب المنزلي على الطاقة يؤدي بشكل غير مباشر إلى زيادة الانبعاثات.
فعلى سبيل المثال، يستهلك قطاع الإسكان في منطقة الخليج العربي حوالي نصف إجمالي الكهرباء المنتجة، وهو ما ينعكس في مستويات مرتفعة من انبعاثات CO₂.
4. قطاع النقل
يشكّل قطاع النقل، البري والبحري والجوي، ما نسبته 30% من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون. اذ يعتمد هذا القطاع بشكل شبه كامل على المشتقات النفطية، حيث تمثل نسبة استخدام النفط أكثر من 95% من مجمل وقود النقل.
ففي الدول العربية، تزداد المشكلة تفاقمًا بسبب الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة وضعف أنظمة النقل العام، مما يجعل الانبعاثات الناتجة عن النقل البري الشخصي تتجاوز 90% من الإجمالي في بعض البلدان.
5. التنفس الطبيعي للكائنات الحية
تُسهم عملية التنفس، سواء لدى الإنسان أو الحيوانات، في إطلاق CO₂ إلى الغلاف الجوي. ورغم أن هذه الانبعاثات تُعد جزءًا من الدورة الطبيعية للكربون، إلا أنها تكتسب أهمية عند دمجها مع المصادر الأخرى، إذ تزيد من تراكم الغاز بشكل عام.
6. حرق الغابات
تمثل الغابات الاستوائية، وعلى رأسها غابات الأمازون، “رئة الكوكب” بفضل قدرتها على امتصاص CO₂ لكن عمليات القطع الجائر والحرق لأغراض زراعية وصناعية أدت إلى تقليص مساحاتها بشكل حاد. ويُقدّر أن 20% من إجمالي انبعاثات CO₂ تعود إلى حرق الغابات والحقول الزراعية (World Wide Fund for Nature, 2005). الأخطر أن معظم هذه الحرائق سببها الإنسان وليس العوامل الطبيعية.
7. النشاط البركاني
تُعد البراكين مصدرًا طبيعيًا إضافيًا لانبعاث CO₂. فالماغما المقذوفة تحتوي على نسبة كبيرة من هذا الغاز إلى جانب بخار الماء وكبريتيد الهيدروجين. ورغم أن تأثيرها محدود مقارنة بالأنشطة البشرية، إلا أنها تُسهم في تعزيز تراكيز الغازات الدفيئة خلال الفترات التي تشهد نشاطًا بركانيًا كثيفًا.
8. التدخين
رغم أن التدخين يُعد مصدرًا ثانويًا مقارنة بالمصادر الأخرى، إلا أن انتشاره عالميًا بين مئات الملايين من البشر يجعله مساهمًا غير مهمل في إطلاق CO₂. ويُضاف أثره البيئي إلى أضراره الصحية والاجتماعية.
حجم الانبعاثات حتى عام 2024
وفقًا لبيانات المشروع العالمي للكربون، بلغ إجمالي الانبعاثات من الوقود الأحفوري وصناعة الأسمنت 37.4 مليار طن CO₂ في عام 2024، بزيادة طفيفة قدرها 0.8% عن عام 2023.
ومع إضافة الانبعاثات الناتجة عن تغيّر استخدام الأراضي، يصل المجموع الكلي إلى 41.6 مليار طن سنويًا. أما على مستوى قطاع الطاقة وحده، فقد بلغ 40.8 مليار طن مكافئ CO₂ (Energy Institute et al., 2025).
هذه الأرقام تمثل أعلى مستويات تاريخية للانبعاثات، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ والحد من ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى أقل من 1.5 درجة سيلسيوس.
تتعدد مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بين الطبيعية والبشرية، غير أن الاستخدام المفرط للوقود الأحفوري يبقى العامل الحاسم في تفاقم الأزمة المناخية. إن استمرار ارتفاع الانبعاثات حتى عام 2024 يعكس قصور السياسات المناخية الحالية، ويفرض الحاجة إلى إجراءات عاجلة، تشمل:
- تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة.
- تعزيز أنظمة النقل العام والتقليل من الاعتماد على السيارات الخاصة.
- الحد من إزالة الغابات وتشديد القوانين المتعلقة بحمايتها.
- الاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه.
فمن دون تحرك عالمي شامل، ستبقى الانبعاثات في مسار تصاعدي، مما يعمّق من آثار التغير المناخي على النظم البيئية والإنسانية.
المراجع
- Global Carbon Project. (2024). Global Carbon Budget 2024: CO₂ emissions projections. Retrieved from https://www.carbonbrief.org
- International Energy Agency (IEA). (2025). CO₂ Emissions – Global Energy Review 2025. Retrieved from https://www.iea.org
- Energy Institute, KPMG, & Kearney. (2025). Statistical Review of World Energy 2024: Global carbon dioxide emissions from the energy sector. Retrieved from https://www.reuters.com
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية