تشير دراسة علمية حديثة إلى أن وجود أشخاص يسببون التوتر المزمن في حياتنا اليومية قد لا يكون مجرد عبء نفسي، بل قد يترك آثارًا بيولوجية قابلة للقياس، إذ قد يؤدي إلى تسريع وتيرة الشيخوخة على المستوى الخلوي، بما قد يضيف عدة أشهر إلى العمر البيولوجي للإنسان.
الشيخوخة البيولوجية ليست مجرد عدد السنوات
من المهم التمييز بين العمر الزمني (Chronological Age) الذي يمثل عدد السنوات منذ الولادة، والعمر البيولوجي (Biological Age) الذي يعكس الحالة الفسيولوجية الحقيقية للجسم، والتي قد تتأثر بعوامل مثل نمط الحياة، والتوتر، والتغذية، والعلاقات الاجتماعية.
في هذه الدراسة، اعتمد الباحثون على مؤشرات جزيئية تعرف باسم العلامات اللاجينية (Epigenetic markers)، والتي يمكن قياسها من خلال تحليل عينات اللعاب للكشف عن التغيرات في مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)، وهي من الأدوات الحديثة المستخدمة لتقدير سرعة الشيخوخة البيولوجية. (Medical Xpress)
الأشخاص المسببون للتوتر وعلاقتهم بتسريع الشيخوخة
قام الباحثون بتحليل بيانات أكثر من ألفي مشارك، حيث تم تقييم طبيعة علاقاتهم الاجتماعية، وخاصة وجود أشخاص يوصفون بأنهم “مُرهقون” أو “مسببون للمشكلات” في حياتهم اليومية.
وأظهرت النتائج أن:
- كل شخص إضافي مسبب للتوتر في شبكة العلاقات الاجتماعية ارتبط بزيادة سرعة الشيخوخة البيولوجية بنحو 1.5%.
- هذا يعني أن الشخص قد يشيخ بيولوجيًا بمعدل 1.015 سنة مقابل كل سنة زمنية واحدة.
- كما تبين أن الأشخاص الذين لديهم مثل هذه العلاقات كانوا أكبر بيولوجيًا بنحو 9 إلى 10 أشهر مقارنة بأقرانهم من نفس العمر. (Medical Xpress)
كيف يؤدي التوتر الاجتماعي إلى إضعاف الجسم؟
يعتقد العلماء أن السبب الرئيس وراء هذه الظاهرة هو التوتر المزمن (Chronic Stress)، الذي يؤدي إلى تنشيط مستمر لاستجابة الجسم للضغط النفسي، بما في ذلك إفراز هرمون الكورتيزول.
وعند استمرار هذه الحالة لفترات طويلة، قد تحدث مجموعة من التأثيرات البيولوجية مثل:
- زيادة الالتهابات المزمنة
- إضعاف الجهاز المناعي
- زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب
- تسريع التدهور الخلوي
وقد أظهرت دراسات أخرى أن التوتر المزمن يمكن أن يسرّع أيضًا من شيخوخة الجهاز المناعي، ما قد يزيد من خطر الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر. (ScienceDaily)
ليست كل العلاقات السلبية متساوية التأثير
ومن النتائج المثيرة للاهتمام أن تأثير العلاقات المرهقة لم يكن متساويًا بين جميع أنواع العلاقات، إذ أشارت البيانات إلى أن الأصدقاء أو أفراد العائلة الممتدة قد يكون تأثيرهم السلبي أكبر من الأزواج، ربما بسبب وجود عوامل دعم عاطفي تخفف من حدة التوتر في العلاقات الزوجية. (www.ndtv.com)
كما لوحظ أن النساء والأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية أو تجارب طفولة صعبة كانوا أكثر عرضة للتأثر بهذه العلاقات الضاغطة. (New York Post)
هل الحل هو تجنب الناس المسببين للتوتر؟
لا يدعو الباحثون إلى العزلة الاجتماعية، لأن الوحدة بحد ذاتها عامل خطر صحي. بدلاً من ذلك، يقترحون استراتيجيات عملية مثل:
- وضع حدود صحية في العلاقات
- تقليل التعرض للتفاعلات السلبية المتكررة
- تعزيز العلاقات الإيجابية الداعمة
- تعلم تقنيات إدارة التوتر
- اللجوء إلى الدعم النفسي عند الحاجة
ويؤكد العلماء أن العلاقات الاجتماعية الإيجابية تظل من أهم عوامل تعزيز الصحة وطول العمر، ما يعني أن جودة العلاقات قد تكون أهم من عددها.
الخلاصة العلمية
تؤكد هذه الدراسة فكرة متزايدة في علم الشيخوخة مفادها أن الصحة لا تتحدد فقط بالعوامل الجسدية، بل تتأثر أيضًا بالبيئة الاجتماعية والنفسية. فالعلاقات المليئة بالصراعات قد تترك بصمتها داخل الخلايا، تمامًا كما تفعل العوامل البيئية الأخرى.
وبالتالي، فإن إدارة العلاقات الاجتماعية قد تكون، من منظور علمي، جزءًا من استراتيجيات الحفاظ على الصحة وإبطاء الشيخوخة، وليس مجرد مسألة راحة نفسية.
ترجمة م. أمجد قاسم
المصدر sciencealert
مصادر مقترحة
- Medical Xpress
Stressful relationships may accelerate biological aging - ScienceDaily
Stress accelerates immune aging, study finds - NDTV Health
Toxic relationships and their effect on aging - https://www.sciencealert.com sciencealert
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية