
تزخر قارة إفريقيا، وتحديداً الصحراء الكبرى، بالعديد من الظواهر الطبيعية المعقدة التي طالما أثارت اهتمام العلماء والباحثين، وتعد “بنية الريشات” أو ما يُعرف بـ “عين الصحراء” و”عين إفريقيا” واحدة من أبرز هذه المعالم.
كتب المهندس أمجد قاسم
X@amjad
يقع تكوين بنية الريشات الجيولوجي الدائري الهائل في دولة موريتانيا، وتحديداً في منطقة آدرار الصحراوية بالقرب من مدينتي وادان وشنقيط. ويمتد قطر هذا التكوين الضخم ليتراوح ما بين 40 إلى 50 كيلومتراً، ما يجعله معلماً بارزاً يسهل على رواد الفضاء تمييزه بوضوح من المدار الأرضي.
وتبدو بنية الريشات من الفضاء الخارجي على شكل دوائر متداخلة متراكزة تشبه إلى حد كبير عيناً عملاقة تطل على سطح الأرض، وهو ما جعلها محط أنظار وكالات الفضاء مثل “ناسا” ومحطة الفضاء الدولية.
التشكيل الجيولوجي: نفي فرضية النيزك وإثبات القوى الطبيعية
في البداية، ساد اعتقاد علمي بأن بنية الريشات عبارة عن فوهة ضخمة ناتجة عن اصطدام نيزك كوني بسطح الأرض.
غير أن الدراسات الجيولوجية الحديثة والتحليلات الميدانية نفت هذه الفرضية تماماً، حيث أكد الباحثون غياب أي مؤشرات أو أدلة نموذجية تدعم حدوث اصطدام نيزكي، مثل آثار “التحول الصدمي” في الصخور.
وبدلاً من ذلك، أثبتت البيانات أن هذا التكوين الفريد هو نتاج عمليات جيولوجية طبيعية معقدة استمرت لملايين السنين. وتشير التقديرات إلى أن هذه القبة بدأت بالظهور والارتفاع من تحت الأرض كقبة بركانية قبل حوالي 100 مليون سنة، تزامناً مع مرحلة تفكك القارات القديمة.
نتجت البنية عن قبة أرضية تعرضت للارتفاع بفعل القوى التكتونية والعمليات الماغماتية الداخلية، لتتعرض بعدها لعمليات تعرية طويلة الأمد بواسطة الرياح، والرمال، والمياه.
هذا التآكل الطبيعي أدى إلى إزالة الطبقات السطحية وكشف الطبقات الداخلية المطوية على شكل حلقات دائرية مميزة.
التركيب الطبقي المتنوع
تتميز عين الصحراء بتركيب جيولوجي متعدد الطبقات، مما يجعلها مختبراً طبيعياً بالغ الأهمية لدراسة تطور القشرة الأرضية عبر مئات الملايين من السنين.
وتتكون هذه الحلقات المتداخلة من سلسلة من الطبقات الصخرية ذات الأعمار والتركيبات المتباينة. وتشمل هذه المكونات صخوراً رسوبية تعود إلى حقبة ما قبل الكامبري (Proterozoic)، وصخوراً نارية من نوعي الريوليت والغابرو والتي نتجت عن نشاط ماغماتي قديم.
كما تحتوي البنية على بريشيا سيليسية تشكلت بفعل عمليات حرارية مائية، بالإضافة إلى طبقات من صخور الكوارتزيت شديدة المقاومة للتعرية.
ويؤكد العلماء أن التناوب بين الطبقات الصلبة كالكوارتزيت والطبقات الأضعف مثل الطين والصخور الرسوبية والبركانية هو العامل الأساسي الذي أدى إلى تشكيل الحلقات المتراكزة التي نراها اليوم.
المثير للاهتمام أن المنطقة المحيطة بالدوائر الصخرية والرملية تحتوي أيضاً على أملاح، وأصداف، وأحافير بحرية، مما يدل على وجود بيئة مائية في فترات سابقة.
أهمية الرصد الفضائي
نظراً لحجمها الهائل الذي يصل إلى 50 كيلومتراً، لعبت محطة الفضاء الدولية دوراً محورياً في دراسة هذه البنية وتسليط الضوء عليها.
وتتيح الصور عالية الدقة الملتقطة من الفضاء دراسة تفاصيل جيولوجية وهندسية قد يصعب رصدها بوضوح من سطح الأرض. وإلى جانب قيمتها العلمية البحتة، تُستخدم عين الصحراء كنقطة مرجعية هامة لمعايرة أجهزة الاستشعار الفضائية.
كما يُمكّن الرصد الفضائي المستمر العلماء من متابعة التغيرات البيئية والمناخية في المنطقة، ولا سيما حركة الكثبان الرملية وتأثيرات التغير المناخي على مر الزمن.
الارتباط بأسطورة أتلانتس المفقودة
من الجوانب المثيرة للجدل حول “بنية الريشات” هو ربطها بأسطورة مدينة “أتلانتس” المفقودة التي وصفها الفيلسوف اليوناني أفلاطون.
فقد دفع الشكل الدائري المتعدد الطبقات لعين إفريقيا بعض المنظّرين والمستكشفين لادعاء أنها تمثل موقع المدينة الأسطورية.
اذ يستند هذا الربط إلى تطابق ملحوظ في الأوصاف؛ حيث وصف أفلاطون أتلانتس بأنها مدينة تتكون من حلقات دائرية متداخلة من اليابسة والماء (حلقتان من اليابسة وثلاث حلقات من المياه)، بقطر يقارب 127 ملعباً يونانياً (أي ما يعادل حوالي 23.5 كيلومتراً)، وتتوسطها تلة مركزية.
إضافة إلى ذلك، تتوافق السمات الجغرافية للمنطقة مع الوصف التاريخي لأتلانتس، حيث تقع بنية الريشات جنوب جبال الأطلس، وإلى الشرق من المحيط الأطلسي.
وتطرح بعض النظريات ارتباطات لغوية تعزز هذه الفرضية؛ فكلمة “أطلس” (Atlas) قد تكون تحريفاً يونانياً للكلمة الأمازيغية “أدرار” (Adrar) التي تعني الجبل، كما أن عبارة “أيت تالا” (Ait tala) الأمازيغية التي تعني “أبناء نبع الماء” قد تكون الأصل اللغوي لاسم أتلانتس.
ووفقاً للتحليلات التاريخية، فإن الفترة الزمنية التي حددها أفلاطون لسقوط أتلانتس (حوالي 9600 قبل الميلاد) تتزامن مع فترة التبريد المعروفة بـ “درياس الأصغر” (Younger Dryas) وعصر الصحراء الكبرى الخضراء، حيث كانت المنطقة تعج بالأنهار والبحيرات المحيطة ببنية الريشات.
وعلى الرغم من هذه التقاطعات الجغرافية والتاريخية التي جعلت البعض يرى أن وصف أفلاطون ليس مجرد صدفة محضة، يؤكد العلماء المتخصصون أن “بنية الريشات” هي نتاج طبيعي لبيئتها ولعمليات التعرية المتراكمة، وليست هندسة معمارية مصممة بشرياً. وبالتالي، فإن الادعاء بأنها مدينة أتلانتس المفقودة يبقى مجرد نظرية لا تستند إلى أي دليل علمي قاطع.
خاتمة
تظل “عين الصحراء” أو “بنية الريشات” واحدة من أكثر التكوينات الجيولوجية دراسة وتميزاً في القارة الإفريقية والعالم.
وسواء نظرنا إليها كأعجوبة طبيعية تشكلت بفعل قوى الأرض الباطنية والتعرية السطحية، أو كمصدر إلهام لأساطير الحضارات القديمة، فإنها تبرز قدرة الطبيعة الفائقة على إبداع أشكال هندسية مذهلة دون أي تدخل بشري.
وهي تقف اليوم كدليل حي على أن كوكب الأرض لا يزال يحتفظ بالكثير من الأسرار والظواهر التي تستدعي المزيد من البحث والاستكشاف العلمي المتواصل.
المصادر
- NASA Earth Observatory: https://earthobservatory.nasa.gov/images/148303/richat-structure
- ScienceAlert: https://www.sciencealert.com/the-eye-of-the-sahara-is-so-huge-it-s-used-as-a-landmark-by-astronauts
- Medium: https://medium.com/@leemcqueen3/yes-the-richat-structure-was-the-central-city-of-atlantis-91022a15e600
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية