سوزان سيمار : بروفيسورة كندية لعلم البيئة الغابوي بجامعة كولومبيا-البريطانية و مؤلفة كتاب البحث عن الشجرة الأم Finding the Mother Tree ، الصادر في العام 2021، وهي رائدة الأبحاث حول الذكاء والتواصل النباتي بواسطة الشبكات الفُطرية تحت الأرضية.

شَعْب الأشجار .. عالم من التضامن والتعاون والمنافع المشتركة


ترجمة مصطفى شقيب / المغرب
مقابلة مع سوزان سيمار

غالبا ما يكون الكل أكبر من مجموع الأجزاء، والغابة لا تشذّ عن هذه القاعدة: إنّها أكبر بكثير من جمع النباتات والفُطريات التي تُكَونها.

إنها مجتمع حقيقي، تؤكّد عالمة الإيكولوجيا الكنديّة سوزان سيمار، قائم على التضامن، والتعاون والتّبادل المشترك النافع؛ وحدة نباتية تنمو تحت رعاية الأشجار-الأمهات”، قد يكون من الأجدى للبشر الاستلهام منها.

الغابة مثل سمفونية، تكتبين…

في الأوركسترا، هناك موسيقيون يعزفون مختلف الآلات الموسيقية، الخشبية، والنحاسية، والايقاعية والوترية. وهي جميعا، تخلق سمفونية. وهذا التوافق، نجده في الغابة. شانها شأن الموسيقيين، تتعايش النباتات، والأشجار، والفُطريات، والحيوانات وتشكّل تنوعا بيولوجيا متأقلما. فمن خلال جَرَيَان الماء، والآزوت أو ثاني أكسيد الكربون، تتوافق هذه الكائنات الحية معا منشئةً سمفونية حقيقيّة.

هل هناك قائد أوركسترا؟

الأشجار الامهات، هذه الأشجار ذات النضج الكبير، وخصوصا ذات الطول الفارع، تُعتبر مثل النواة الخلويّة للغابة. يتنقّل الكربون والمغذيات، بل والطاقة ايضا، التي تلتقطها الأشجار، عبر الشجرة الأم وصولا إلى أصغر الأشجار. فهذه الأشجار ترشد الفرقة الموسيقيّة، غير أنّها لا تقودها. إنها تعمل على تسهيل انسجامها، من خلال ضخ المزيد من العناصر الحيويّة في النظام البيئيّ. كما تُعتبر أيضا مراكز لتناقل المعلومات، وتربط هذه الأشجار الكبرى الغابة فيما بينها. فقد تكون على علاقة مع 80% من المجموعة النباتية الغابوية، وثلث طاقتها يتم إرساله إلى المجتمع الغابوي.

ما هو دور الفُطريات في هذه النظم، هذه الشبكات الغابوية؟

الفُطريات، أدغال حقيقية للفتائل، وللمشابك والعقد، إحدى الروابط الأساسية التي بواسطتها تتواصل الأشجار والنباتات وتتبادل المعلومات. هناك عدد كبير من الفُطريات؛ حيث نجد هناك المحلِّلات، والمُمرضات، والمتراميات والجذور الفطرية، إلخ. وكل واحدة تلعب دورا خاصّا. أنا من جهتي اهتممت بشكل خاصّ بالجذور الفُطرية التي يبلغ عددها حوالي العَشَرة آلاف صنفا، ضمن مئات من آلاف أنواع الفطريات. وهذه الأخيرة تقيم رابطا تعاضديا مع النباتات. ومن دون هذا الرابط، لا الفُطر ولا النبات يمكنه البقاء على قيد الحياة. فهذه المجموعة الخاصّة من الفُطريات تستعيد الماء والعناصر المغذية في التربة، مقابل السكريات المنتَجة بالتخليق الضوئيّ التي تنتجها نباتاتها الشريكات. وعلى غرار شبكة الخلايا العصبية، تنتج شبكة الجذور الفُطرية أيضا الإشارات وتبثّ المعلومات.

هل تختار الأشجار الأمهات مع من تتواصل ؟ هل تفضّل، مثلا، قريباتها؟

إنها تتعرف على سلالتها وتحدد أيضا أعضاء العائلات الأخرى أو التي تنتمي إلى نوع آخر. لكن هل تختار؟ الأشجار تتخذ صراحة قراراتها، وتتعاون وتتذكر. ومن خلال التجارب، اتّضح لنا أنّ الأشجار الأمهات ترسل المغذيات إلى أعضاء أسرها بكمية أكبر من النباتات الأخرى. فهي تنقل حكمتها وتعتني عناية كبيرة بنسلها. أستنتج أنّ هناك قرارا متّخذا، وإن كان علينا الاحتياط من مماثلة نشاطها لطريقة وصفنا لأفعال النباتات.

إن كان التعاون يطبع عالم الغابة، فهذه الأخيرة تعرف أيضا التنافس!

نعم، بالطبع! عندما بدأت دراساتي في علم الغابات، كان النموذج المهيمن يتمثل في القول أنّ الأشجار هي اساسا متنافسة، وأنها في تنافس دائم قصد الوصول إلى الضوء، والماء والمغذيات الأخرى، مثل الفسفور، أو البوتاسيوم أو الكبريت. وهذا صحيح في جزء منه. غير أنّ التنافس لا يمنعها من التعاون! وهذا ما نفعله، نحن بنو البشر، أيضا فبالرغم من أني أتنافس مع زملائي، إلا أننا نتعاون بين المختبرات من أجل التقدّم في أبحاثنا. وهذا التعاون، أكثر من التنافس، هو مفتاح البقاء. حتى والمستقبل غامض، تستمرّ الأشجار من أنواع مختلفة في تبادل، ومشاركة وتلقي المعلومات من الأخريات. مثال: تعمل شجرة البتولا على الحفاظ على حياة البكتريات التي تمنع انتشار الاصابات، فيما يعمل صنوبر الدوغلاس على تحويل الآزوت باستعمال الكربون الناتج عن التعرق من طرف شبكة الجذور الفطرية. فهذا الصنوبر لا يستطيع العيش من دون البتولا، بسبب معدل إصاباته العالي. والبتولا لا يمكنها البقاء على قيد الحياة من دون الدوغلاس، لأنّ كثرة الآزوت قد تتراكم في الأرض: وتحميض التربة سيتسبّب في ضياعها. وهكذا فمنافع التعاون ضمن الجماعة أكبر من المتطلبات الفردية. فذكاؤها، ولكن أيضا روحانيتها، يمكن مقارنتهما بذكاء وروحانية الكائنات البشرية.

“تتخذ الأشجار صراحة قراراتها، وتتعاون وتتذكر”

هل كلما كان هذا التعاون غنيّا يمكنه الاعتماد على تنوّع كبير؟

عندما كنت طالبة، كان النموذج السائد يتمثل في القول أنّ النظام البيئيّ مثل كعك: موارده محدّدة، والسؤال الحقيقي يبقى طريقة تقسيم هذا الكعك حسب أعضاء النظام البيئيّ. وهذه فرضية خاطئة. فالأنواع، وهي تعمل معا، تزيد في حجم العكك! فأشجار جار الماء، مثلا، تساهم في زيادة الآزوت المتوفّر. فيما تستخرج أخريات الماء من أماكن غير متاحة الوصول. فيكبر الكعك. يزيد التنوع إذن في إنتاجية النظام البيئيّ، من خلال مضاعفة القدرات. مثال آخر : في بعض الغابات الاستوائيّة، تأوي أخاديد قشرة الأشجار الأشنة والرغوة التي، خلال فصل الأمطار، تمتلأ بالماء، وتطلق الرطوبة خلال الفترة الجافة، ممّا يعود بالنفع على نباتات أخرى. ولا يستطيع نوع وحده أن يبقى على قيد الحياة. فالتأقلم وليد التنوع.

تتحدّثين عن الأشجار كما لو كان الأمر يتعلّق بالأشخاص…

لقد نشأتُ في الغابة، داخل أسرة كانت تعتني بالطبيعة وتستشعر المسؤولية اتجاهها. عشت، إجمالا، دائما في علاقة تبادل مع الغابة. إني أعتبر ّ، بهذا المعنى، أنّ كلّ كائنات العالم تحظى بنفس الأهمية. فالإنسان يعتبر نفسه عموما كائنا أعلى. غير أنّ الأنواع غير الإنسانية، بما في ذلك النباتية، لديها، هي أيضا، القدرة على الفعل وتغيير المعطى. لذلك ينبغي علينا إيلاؤها أيضا نفس الاحترام الذي نوليه لأنفسنا. فمن يُكوّن شعب الأشجار هم أفراد.


هل يا ترى يمكن لتنظيم الغابات أن يلهم طريقة تصوّرنا لمجتمعاتنا نحن البشر؟

مجتمعاتنا الحديثة قائمة على مبدأ الاختلاف الجذري بين الأشجار وبينا نحن. غير أننا، مثل الأشجار، نحن أيضا مخلوقات اجتماعيّة. نحن مترابطون، نعتمد على بعضنا البعض، هذه بداهة. فما من طفل نشأ بمفرده، أليس كذلك؟ ونحن ننسى ذلك دون شكّ أحيانا في مجتمعاتنا المطبوعة بالاستغلال، والفردانية بدرجة عالية، المؤسَّسة على منطق المنافسة. فيما تقدّم الغابات على العكس صورة مجتمع تجديدي يمكننا تعلّم الكثير منه ؛ مجتمع يتجنّب تبعات فساد الرأسماليّة كما الشيوعيّة: الاستيلاء على الثروات دون الأخذ بالاعتبار التكاليف الاجتماعيّة، وتناسي إلزام الإسهام في المشترك – الأرض، الهواء، الماء. لا تهدف بحوثي إلى تعليم “كيف ننقذ الأشجار؟”، ولكن إلى فهم “كيف يمكن للأشجار إنقاذنا؟”.

مترجم عن مجلة فلسفة- Philosophie magazine. Hors-série.N°53. Printemps 2022. صفحات .49-46

عن مصطفى شقيب

كاتب ومترجم علمي وأدبي. ترجم العديد من المقالات والكتب والقصص. مهتم بمستجدات العلوم التجريبية والانسانية. chaqib@yahoo.fr

شاهد أيضاً

الوشق حيوان مفترس مهدد بالانقراض

يعرف الوشق الذي هو من انواع القطط بعدة اسماء منها وشق الصحراء أو عناق الارض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.