الإمارات تحظر استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام.. خطوة استراتيجية لحماية البيئة وصحة الإنسان وتحقيق الاستدامة
مقدمة
في ظل التحديات البيئية المتصاعدة التي يواجهها العالم، بات التلوث البلاستيكي أحد أخطر المهددات للأنظمة البيئية وصحة الإنسان على حد سواء.
كتب المهندس أمجد قاسم
إنطلاقًا من مسؤوليتها البيئية والتزامها بالتنمية المستدامة، اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة قرارًا استراتيجيًا بحظر البلاستيك أحادي الاستخدام، حيث بدأت المرحلة الأخيرة من تطبيق القرار في الأول من يناير، على أن يدخل حيّز التنفيذ الكامل مطلع عام 2026.
ويُعد هذا القرار نموذجًا متقدمًا في السياسات البيئية الإقليمية، يهدف إلى حماية البيئة، والحياة البحرية، وصحة الأجيال الحالية والمستقبلية.
أولًا: دوافع حظر البلاستيك أحادي الاستخدام
1. الدوافع البيئية
يُعد البلاستيك من أكثر المواد تلويثًا للبيئة، إذ يحتاج إلى مئات السنين ليتحلل، وخلال هذه الفترة يتفتت إلى جسيمات دقيقة تلوّث التربة والمياه والبحار واليت يطلق عليها اسم الميكروبلاستيك. كما يسهم إنتاجه وحرقه في زيادة انبعاثات غازات الدفيئة والغازات السامة كالديوكسينات، ما يعمّق من أزمة التغير المناخي.
ومن هنا، فإن تقليل الاعتماد على البلاستيك أحادي الاستخدام يشكّل خطوة جوهرية نحو خفض البصمة الكربونية وحماية التنوع الحيوي، خاصة في البيئات البحرية الحساسة.
2. الدوافع الصحية
تشير الدراسات العلمية الحديثة حسب ما ذكره المهندس عماد سعد استشاري الاستدامة والبيئة، رئيس شبكة بيئة ابوظبي، في مقابلة مع تلفزيون سكاي نيوز عربية إلى ارتباط المواد الكيميائية الداخلة في صناعة البلاستيك باضطرابات صحية خطيرة، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات الغدد الصماء، ومشاكل الخصوبة، إضافة إلى زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان.
وقد قُدّر عدد الوفيات المرتبطة بهذه المواد عالميًا بأكثر من 356 ألف حالة سنويًا، ما يجعل من قضية البلاستيك مسألة صحة عامة بامتياز.
3. الدوافع الاقتصادية
لا تقتصر أزمة البلاستيك على أضرارها البيئية والصحية فحسب، بل تمتد إلى كلفة اقتصادية باهظة تُقدّر بنحو 1.5 تريليون دولار سنويًا على مستوى العالم، نتيجة التكاليف الصحية والعلاجية وتراجع الإنتاجية. ومن ثمّ، فإن الاستثمار في بدائل مستدامة يُعد خيارًا اقتصاديًا طويل الأمد أكثر كفاءة.
ثانيًا: مخاطر البلاستيك أحادي الاستخدام من منظور علمي
رؤية المهندس عماد سعد
يوضح المهندس عماد سعد أن جوهر خطورة البلاستيك أحادي الاستخدام يكمن في المفارقة الزمنية بين عمر استخدامه القصير جدًا، الذي لا يتجاوز دقائق، وبقائه في الطبيعة لقرون طويلة. ويؤكد أن هذا النوع من البلاستيك صُمّم للاستهلاك السريع دون مراعاة العواقب البيئية والصحية بعيدة المدى.
ويبين المهندس سعد أن البلاستيك أحادي الاستخدام يتميز بخفة وزنه وصعوبة جمعه وإعادة تدويره، ما يجعله سريع الانتشار في البيئة، لينتهي به المطاف في السلاسل الغذائية للكائنات الحية، بما فيها الإنسان.
الأنواع الأكثر خطورة وفق الأكواد العالمية
بحسب التصنيفات الدولية، تُعد بعض أنواع البلاستيك أكثر سمّية من غيرها:
- الرمز 3 (PVC): يحتوي على مواد كيميائية خطرة مثل الفتالات، المرتبطة باضطرابات هرمونية.
- الرمز 6 (البوليسترين): يتحلل إلى مادة دايوكسين المسرطنة، وينتج عند حرقه غازات شديدة السمية.
- الرمز 7: يُعد من أخطر الأنواع، ويُمنع استخدامه تمامًا مع المواد الغذائية.
النانو بلاستيك: الخطر الخفي
يشير المهندس عماد سعد إلى أن أخطر مراحل التلوث البلاستيكي تتمثل في تكوّن النانو بلاستيك، وهي جسيمات دقيقة جدًا تنتج عن تفكك البلاستيك، ويدخل منها إلى جسم الإنسان شهريًا ما يعادل حجم “بطاقة ائتمان” عبر الطعام والماء، دون أن يشعر بذلك.
ثالثًا: تحديات تطبيق الحظر ومعادلة التغيير السلوكي
رغم أهمية القرار، يواجه تطبيقه تحديات متعددة، منها مقاومة بعض القطاعات الاقتصادية، ونقص البدائل المحلية، وارتفاع كلفة التحول في المراحل الأولى.
ولمعالجة ذلك حسب رأي المهندس سعد، تُطرح معادلة رباعية لتحقيق تغيير سلوكي مستدام، تتطلب أكثر من عقد من الزمن، وتشمل:
- التشريعات والقوانين: مثل قرار الحظر المعتمد في الإمارات.
- حملات التوعية: لرفع الوعي المجتمعي بمخاطر البلاستيك.
- المبادرات التحفيزية: لتشجيع الأفراد والمؤسسات على تبنّي البدائل.
- الوقت: لترسيخ السلوك البيئي كجزء من نمط الحياة اليومي.
رابعًا: دور الفرد والبدائل المستدامة
تنطلق الاستدامة من مبدأ بسيط مفاده أن التغييرات الكبرى تبدأ بخطوات فردية صغيرة. ويمكن للأفراد الإسهام بفاعلية من خلال:
- استخدام الأكياس القماشية أو متعددة الاستخدام، وهي ممارسة أصبحت شائعة في المراكز التجارية بالإمارات.
- استبدال العبوات البلاستيكية ببدائل زجاجية أو معدنية في المنازل وأماكن العمل.
- إدراك أن السلوك الفردي البسيط، إذا تكرر من قِبل مليارات البشر، يترك أثرًا بالغًا على مستقبل الكوكب.
خاتمة
يمثل حظر البلاستيك أحادي الاستخدام في دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا متقدمًا في السياسات البيئية العربية، ويعكس وعيًا استراتيجيًا بأهمية الربط بين البيئة والصحة والاقتصاد.
وبإسهامات الخبراء، ومنهم المهندس عماد سعد، يتعزز الفهم العلمي لمخاطر البلاستيك وضرورة التحول نحو بدائل مستدامة.
وبهذه الخطوة، تنضم دولة الإمارات العربية المتحدة إلى دول رائدة عالميًا في مسار حماية الكوكب وبناء مستقبل أكثر توازنًا واستدامة.
المقابلة الكاملة مع المهندس عماد سعد
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية