الملوثات الكيميائية والهيدروكربونية في مياه شط العرب وتأثيرها البيئي

د. مهدي الكناني- العراق

عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – محافظة ميسان

عضو الاتحاد العالمي للجامعات العربية والأجنبية

يعتبر شط العرب المصدر الرئيس للمياه العذبة في جنوب العراق ويتميز باتصاله بعدد كبير من القنوات التي تمر من مركز المدينة والمزارع لتصريف المخلفات البشرية والزراعية فيه فضلا عن إقامة عدد من الصناعات الثقيلة على ضفافه مثل الطاقة الكهربائية ومعمل الورق ومحطات تعبئة الوقود ومنصات تفريغ وتحميل السلع والبضائع ويتحرك فيه عدد كبير من الزوارق وجميعها تضيف أعباء في تلوث مياهه.

ورغم أهمية شط العرب كونه أحد مصادر مياه الشرب لمدينة البصرة وضواحيها واحد أهم مصادر صيد الأسماك النهرية إلا انه يعاني من استقبال الملوثات المختلفة صناعية، زراعية، منزلية ونفطية. تكون الأملاح المغذية في البيئة المائية ضرورية لنمو الهائمات النباتية والطحالب ولكنها تصبح مصدرا لتفاقم درجة التلوث العضوي عند زيادة تركيزها عن الحدود المسموحة أو الطاقة الاستيعابية للوسط المائي وتؤدي إلى حدوث ظاهرة الإثراء الغذائي Eutrophication.

إن أهم مصادر النترات في الأنهار هي الأسمدة النتروجينية من الأراضي الزراعية ومن مياه الصرف الصحي والصناعي إذ انه عند هطول الأمطار على الأراضي الزراعية المسمدة بالأسمدة النتروجينية فان النترات تجد طريقها إلى المسطحات المائية .  يتكون النتريت في المياه بأكسدة مركبات الأمونيوم او باختزال النترات وهو يمثل مرحلة وسطية في دورة النتروجين ويكون غير مستقر ،

واهم مصادر النتريت هي مياه المجاري غير المعالجة المطروحة في الأنهار . ويزداد وجوده مع درجات الحرارة العالية ونقصان تركيز الأوكسجين الذائب.

توجد الفوسفات في الماء بعدة أشكال منها الذائب والعالق والعضوي. ويختلف تركيزه في المياه باختلاف طبيعة الأراضي المحيطة والكثافة السكانية للمنطقة المتاخمة ونوعية الزراعة وصفات الصخور والأتربة فضلا عن تأثير التلوث العضوي.واهم مصادر الفوسفات في مياه الأنهار هي الفضلات المنزلية الحاوية على نسب عالية من الفسفور ومن مياه البزل الزراعي للأراضي المسمدة بأسمــــدة الفوسفات بالإضافة إلى طبيعة الأرض التي تخترقها الأنهـــــار والتي تحتوي عــــــلى نسب عالية من الفوسفات.

الملوثات البيئية

يستقبل شط العرب العديد من الملوثات الناتجة من مصادر مختلفة والتي ينعكس تأثيرها على نوعية المياه وبالتالي على الكائنات الحية التي تعيش فيه ومن أهم مصادر الملوثات هي الفضلات المنزلية .

أن كميات كبيرة من الفضلات والمخلفات المنزلية غير المعالجة تدخل الى مياه شط العرب أما بشكل مباشر او عن طريق القنوات الجانبية المخترقة لمديــنـة البصـرة ومن ثم تنـتـشر في النهــر بفـعل حركــة التيــارات المــائية وقد ازدادت هذه الكميات بشكل كبير وتشتمل ملوثات الفضلات المنزلية على الأملاح المغذية والمواد العضوية ،فالأملاح المغذية تلعب دورا هاما في نمو الهائمات النباتية وان هذه المغذيات تعاني من تغيرات موسمية أسوة بالكلوروفيل -أ-(Chlorophyll a) والتي تعكس ازدهار الدايتومات بكونها المجموعة السائدة من الهائمات النباتية في المنطقة أما من ناحية المواد العضوية فقد اعتمدت عدة مؤشرات للاستدلال على ارتفاع مستوى التلوث العضوي في بعض المواقع من شط العرب وقنواته منها زيادة النسب المئوية للكربون العضوي (TOC) وكذلك القيم المرتفعة للمتطلب الحياتي للأوكسجين (BOD) مع انخفاض ملحوظ لمحتوى الأوكسجين الذائب (DO) خاصة في القنوات.

ومن ناحية الفضلات الصناعية فان شط العرب يعاني من هذه الفضلات .أن العقدين الأخيرين شهدا إنشاء العديد من المعامل فضلا عن مصافي النفط على ضفاف شط العرب والتي ترمي بمخلفاتها إلى النهر مباشرة كذلك تصل بعض المخلفات الصناعية إلى مستويات تعد خطرة على البيئة  وتعد المبيدات مصدر لتلوث المياه وذلك عن طريقين المياه السطحية وما تحمله من تلك المادة السامة والجو بطرق الترسيب الجوي الأولى من نوعها في المنطقة على المبيدات في المياه .

أما المصدر الأخر لتلوث المياه فهو التلوث النفطي حيث يعرف بأنه ظاهرة إدخال مركب معقد من عدة عناصر ومركبات أهمها الهيدروجين والكربون مما يؤدي إلى الإضرار بالبيئة المائية وتغيير خواصها الكيميائية والبيولوجية والإضرار بالأحياء المائية وبالتالي الإضرار بالإنسان بطرق مباشرة أو غير مباشرة. وقد ثبت ان النفط المسفوح إلى البيئة المائية يعاني من عدة تغييرات بسبب العوامل الفيزيائية والكيميائية السائدة ويتغير تركيبه مع الوقت وتدعى هذه العمليات بعمليات التجوية.

تكمن خطورة النفط المنسكب للبيئة في بقاء اغلبه بشكل عالق في الماء رغم حدوث عمليتي التبخر والإذابة كنتيجة لأكسدة المركبات ذات الوزن الجزيئي الواطئ . ويعتبر الترسيب الوسيلة الرئيسة لإزالة النفط العالق في عمود الماء وذلك من خلال ادمصاصه من قبل الرواسب حيث عند ذلك يعاني النفط من انخفاض معدلات الأكسدة والتفكك بشكل كبير مقارنة مع تلك التي تحدث له في عمود الماء  .

الهيدروكربونات النفطية حسب منشأها إلى هيدروكربونات ذات أصول حياتية (Biogenic) وتشتمل كل ما تضيفه الكائنات الحية المختلفة كالنباتات المائية والبكتريا والهائمات والطحالب ، من مركبات هيدروكربونية إلى البيئة والناتجة عن النشاطات البايلوجية.  بالإضافة إلى هيدروكربونات ذات أصول نفطية (Petrogenic) ومن مصادرها النضح الطبيعي من أماكن خاصة في البحار والمحيطات وتحدث مثل هذه الظاهرة في منطقة نهران عمر قرب معمل الورق في محافظة البصرة  .

أما المصدر الأخر فهو المصافي النفطية حيث تقوم بعض مصافي النفط القريبة من الشواطئ برمي مخلفاتها الملوثة بالنفط الخام ومشتقاته إلى البيئة المائية ويقدر ما يدخل إلى البيئة المائية من المركبات النفطية عن طريق المصافي بحدود (0.3) مليون طن / سنة ( مقبل ،NAS, 1975 ;2003) ويشكل هذا المصدر الرئيس لتلوث مياه شط العرب بالنفط حيث تقدر كمية الهيدروكربونات النفطية التي يحملها شط العرب إلى الخليج العربي بحوالي (48) طن / سنة وفي حرب الخليج 1991 قدرت كمية النفط التي تسربت إلى مياه الخليج بين (8-4) مليون برميل .

إن النفط المنسكب إلى البيئة المائية يتعرض إلى عدة عمليات أولى هذه العمليات هي الانتشار حيث تحصل هذه العملية تحت تأثير الجاذبية الأرضية والشد السطحي  وتتأثر عملية انتشار بقعة النفط بعدة عوامل منها الأمواج والتيارات والرياح واثناء هذه العملية يسحب معه كمية من المياه وتعمل اللزوجة بنفس الوقت على تقليل سرعة انتشاره في مساحة أوسع في حين تؤثر حركة المد والجزر في المناطق الساحلية على انتشار بقعة النفط بصورة كبيرة ويعمل الانتشار على زيادة المساحة السطحية المعرضة للهواء والماء مما يساعد على زيادة التحلل البكتيري والأكسدة الضوئية والتبخر  .

العملية الاخرى التي تحدث للنفط هي الذوبان حيث يقتصر ذوبانه في الماء على المركبات القطبية والمركبات الاروماتية. وتختلف مكونات النفط في درجة ذوبانها في الماء اعتمادا على التركيب الكيمياوي لها وبصورة عامة يتناسب ذوبان المركبات الهيدروكربونية في الماء عكسيا مع وزنها الجزيئي  . ورغم ان عملية الذوبان تتزامن مع عملية التبخر للنفط الخام الا ان التبخر له الدور الاهم في ازالة البقعة النفطية فقد وجد ان تبخر المركبات الاروماتية اسرع مائة مرة من ذوبانها في الماء وبسبب الحرارة العالية التي تمتاز بها منطقتنا صيفا وشدة الاشعاعات الشمسية فان عملية التبخر تعتبر من العمليات المهمة والمؤثرة في تقليل تركيز النفط المنسكب الى البيئة المائية اذ بواسطة التبخر يتم التخلص من المركبات ذات الاوزان الجزيئية الواطئة والتي تكون اكثر سمية .

ان(80%) من المركبات الهيدروكاربونية الحاوية على 14 ذرة كاربون  او اقل تفقد خلال الايام  القليلة بعد الانسكاب وذلك بفعل التبخر في حين أن المركبات الهيدروكربونية الحاوية من (18-14) ذرة كاربون يكون تأثرها قليلا بالتبخر وتفقد بعد مرور 12 اسبوعا على الانسكاب خلال فصل الصيف .

أما التشتت والاستحلاب فهما عمليتان متعاكستان حيث التشتت هو انتشار قطرات النفط في الماء بحيث يحيط الماء بقطرات النفط بينما عملية الاستحلاب هو امتزاج الماء بالنفط بحيث ان قطرات الماء الصغيرة تصبح محاطة بالنفط ويمتاز المستحلب بقابلية على البقاء لمدة طويلة تزيد على المائة يوم (GESAMP,1977) وتزداد فرصة حدوث عمليات ادمصاص للنفط  المشتت على سطح الماء على المواد الدقائقية كالطين والرمل والغرين والمخلفات العضوية حيث تترسب بعد ذلك الى القاع.

إن أولى العمليات التي تؤثر على مصير النفط والمسؤولة عن تحطيم مكونات الكتل الزيتية الطافية هي عملية الأكسدة الضوئية أن الطاقة الشمسية والأوكسجين الجوي يساعدان على تحويل الهيدروكربونات  النفطية إلى عدد من المركبات الحاوية على الأوكسجين والتي تكون أذابتها عالية في الماء .

ان عملية الاكسدة الضوئية تتاثر بطول فترة سطوع الشمس وشدتها وحالة البحر وكثافة النفط وتركيبه الكيمياوي وتكون الاكسدة الضوئية اسرع للمركبات الاروماتية منها للمركبات الاليفاتية .

وهناك عامل مهم ايضا يعمل على تحطيم النفط وهو التكسير الحيوي من قبل الاحياء المجهرية اذ يزداد عددها ونموها في المناطق الملوثة بالنفط ويوجد اكثر من (90) نوعا من الاحياء المجهرية التي تقوم بهذه العملية وتستفيد من الكربون كمصدر للطاقة لغرض النمو والتكاثر كالبكتريا والطحالب الخضر المزرقة والفطريات وتتبع الاحياء المجهرية العديد من الاساليب الايضية في عملية تكسيرها  للهيدروكربونات النفطية وبما انها تستخدم هذه المركبات كمصدر للكاربون والطاقة فان المحصلة النهائية للعملية هو تكوين ثنائي اوكسيد الكاربون والماء.

عندما يصبح النفط اكثر لزوجة تتكون كرات القار ( Tarnylumps ) والتي تترسب الى القاع وترتبط بدقائق الراسب لان كثافتها اكثر من كثافة الماء. عملية الترسيب اما ان تكون بصورة مباشرة او بفعل البكتريا اذ يتغير الوزن النوعي للمركبات او بواسطة تغذية الهائمات التي تركز في المرحلة النهائية مستحلبات النفط المنتشرة الى كريات براز صغيرة وهذه العمليات تعتبر الطرق الرئيسة لازالة النفط من الشكل العالق الى الشكل المترسب ، وحالما تترسب الهيدروكربونات النفطية تقل معدلات الاكسدة والتحلل.

الطحالب القاعية والتلوث البيئي

 إن مصطلح الطحالب القاعية (Benthic Algae) يشمل جميع الطحالب المتواجدة على سطح الرواسب في المسطح المائي والطحالب النامية على السطوح المغمورة في المسطح المائي والتي تصل اليها الاضاءة بكمية تكفي للقيام بعملية التركيب الضوئي.

بدأت دراسة الطحالب القاعية منذ فترة ليست بالقصيرة ففي دراسة وضعا طريقة لتقدير عدد الطحالب التي تعيش على الرواسب المغمورة بالماء والتربة ، كما اجريت العديد من الدراسات الحقلية والمختبرية لتحديد العوامل المؤثرة على الطحالب القاعية إن التذبذب الفصلي لطحالب الطين يحدده الضوء كما وجد ان هناك علاقة بين الكتلة الحية والمواد المغذية  في الماء . ثم اتجه اهتمام الباحثين إلى دراسة استخدام الطحالب كدليل للتلوث .

ان الطحالب الخضر المزرقة تؤثر على النفط الخام .ثم تلتها العديد من الدراسات في هذا المجال . هنالك العديد من الدراسات المحلية التي استخدمت الطحالب القاعية كمؤشر للتلوث البيئي حول تاثير التلوث العضوي على انواع الطحالب القاعية غير الدايتومية عن توزيع العناصر الثقيلة في مياه ورواسب قناتي العشار والخندق المرتبطة بشط العرب وبيان تأثيرها على الطحالب القاعية استخدمت الطحالب القاعية كدليل بايلوجي للتلوث العضوي في مياه شط العرب واربعة من قنواته الجانبية .

إن قابلية الطحالب الخضر المزرقة على تكسير بعض مركبات النفط الخام مع دراسة بعض التأثيرات الحاصلة لها بتاثير النفط . فقد تناولت تأثير متدفقات معمل الورق على طحالب الطين في شط العرب .

المراجع

 

 Al-Shamma,A.A.(2006) Diet composition of three catfishes from Al-Hammar marsh, Al-Fuhoud, Iraq. Marsh Bulletin vol.1.no:2:154-159.

Al-Shawi, I. J. M. (2006). Comparative study of some  physico-chemical characteristics for northern Al-Hammar marsh waters before destroyed and after Rehabilitation 2004. Marsh Bulletin (2).127-133.

Alwan, A. R. A. (2006). Past  and present status of the aquatic plants of the Marshlands of Iraq. Marsh Bulletin 2:160-172.

Antoine , S. E.(1983),. Limnological investigation in the polluted Rabat canal and the shatt Al-Arab river. Basrah, Iraq. Nova Hedwigia, 38:497-518.

AOAC,  (1984). Association   of officialanaly  ticalchemists. 14thed., Arlington, Virginia, USA, 1094p.

 APHA,  American Puplic Health Association (1999). Standard method for the examination of water and waste water 20th edition, new york, USA.

عن فريق التحرير

يشرف على موقع آفاق علمية وتربوية فريق من الكتاب والإعلاميين والمثقفين

شاهد أيضاً

البيئة والتلوث في الوطن العربي والعالم – التحديات والمقترحات والحلول

د. مهدي الكناني- العراق عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – …

اترك تعليقاً