الحيتان أضخم الحيوانات على الأرض

الحوت أو القيطس أو البال اسم يطلق على طائفة من الثدييات البحرية تلد وترضع أطفالها . ويعد الحوت من غير جدال أضخم الحيوانات المعروفة على ظهر الأرض اليوم ، والأنواع الكبيرة منه، يزن الواحد منها نحو مائتي طن أي أكثر من عشرة أفيال مجتمعة . ويستخرج من الحوت الكبير نحو مائة وخمسة وأربعين برميلا من الزيت . ويوجد هذا الزيت مختزنة في طبقة تحت الجلد سمكها أكثر من قدم ، كما يستخرج الزيت من الرأس أيضا.

وتنقسم الحيتان تبعا لنوع التغذية قسمين كبيرين : أحدهما يتغذى على اللحوم والأسماك ، ويتميز بوجود الأسنان في فكه ، والآخر يتغذى على الكائنات البحرية الدقيقة التي يرشحها بمصفاة ضخمة في فمه .

وأما ما نراه من نافورة فوارة ، ترتفع فوق رأس الحوت ، فيعزى إلى هواء الزفير الساخن الذي يطرده الحيوان بقوة فيتكثف بخار الماء الموجود فيه نتيجة لبرودة الجو ، ويبدو على هيئة نافورة ماء .

وللحوت مقدرة عجيبة على تحمل اختلافات كبيرة في درجة الحرارة وعلى تحمل الضغط أيضا ، فهو يغوص إلى عمق كبير قد يصل إلى سبعمائه متر تحت سطح الماء ، ثم يصعد مرة أخرى ليتنفس الهواء الجوي، ولا يستطيع كائن آخر أن يجاريه في هذا العمل دون أن يصاب بمكروه . ومن ثم كان الحوت موضع اهتمام العلماء ليتفهموا آلة الغوص تحت الماء .

وتهاجر الحيتان في أفواج كبيرة وبخاصة في موسم تكاثرها وتقطع في سبيل ذلك رحلة طويلة بين البحار الجنوبية والبحار الشمالية عبر خط الاستواء .

وثمة عدة أنواع مشهورة من الحيتان ، وهي التي يجري الصيادون وراءها في البحار . منها الحوت ذو الزعنفة وهو ضخم الجثة يستخرج منه نحو مائة برميل من الزيت، ويتميز بزعنفة فوق ظهره ، ويسير في تجمعات كبيرة.

ومنها الحوت الحقيقي ، ويبلغ طوله نحو خمسة وعشرين متر وهو غني بالزيت ، و بعظام مصفاة الفك التي تستخدم في الصناعة تحت اسم « البالين » لصلابتها و مرونتها.

و منها الحوت الأزرق” وهو أكبر الحيتان حجما ويكثر في المياه الباردة الجنوبية ، وقد يصل طول الحيوان الواحد منه اثنين وثلاثين مترا، ويحتوي على مائة وأربعين برميلا من الزيت .

ومنها الحوت الأحدب وطوله نحو ثمانية عشر مترا، ويستخرج منه نحو ستين برميلا من الزيت ولما كان عدده قليلا” فقد حدد صيده بثلاثة أيام فقط في السنة .

وثمة أنواع من الحيتان أقل أهمية مما ذكر . منها الحوت السفاح الذي لا يتورع عن مهاجمة أي حيوان آخر في البحر لشدة نهمه . وقد وجد في معدة واحد من هذا النوع ذات مرة نحو ثلاثة عشر دلفيا وأربعة عشر حيوانا من نوع سبع البحر ، كما وجد بحلقه سبع بحر واحد !

و تحميل أنثي الحوت جنينها في بطنها لمدة اثني عشر شهرا ، وتلد مولودة واحدة أو اثنين في كل مرة . ووليد الحوت يعد أكبر مولود ينزل من بطن أمه في الوجود ، إذ يبلغ طوله من خمسة أمتار إلى سبعة . وترضع الأم وليدها من أثداء في بطنها ، لمدة ستة شهور ، وهو طفل يلتهم ما مقداره نحو طن من لبن أمه الدسم في كل يوم.

والحوت حيوان معمر قد يبلغ من العمر خمسين سنة أو تزيد . والحيتان تشيب فيبيض لونها شيئا فشيئا ، وبخاصة حول الرأس ، كلما تقدمت بها السن. ومن العجيب أن أنثى الحوت تصل سن البلوغ في عامها الرابع وسن اليأس ، وهي في عنفوان شبابها ، فلا تستطيع الحمل مرة أخرى ، بعد سن العشرين.

ولرب سائل يسأل : « وكيف تسنى للعلماء أن يقدوا سن الحوت ؟ » والجواب أنهم تمكنوا من ذلك بعلامات لا تخطئ : منها فحص الفقرات العظمية للحيوان حيث وجد عليها حلقات نمو تمثل كل حلقة منها سنة من عمره . كما توجد عظیمات صغيرة في أذن الحوت ، عليها هي الأخرى ، حلقات للنمو يمكن عدها وإحصاؤها .

ولا يمكن الجزم بأن الإنسان قد احترف صيد الحوت في العصور القديمة ، وإن كان من المؤكد أنه فطن إلى الزيت في الحيتان التي كانت تضل سبيلها ويلقي بها البحر إلى الشاطئ ثم استخدمه في إضاءة المصابيح.

وقد بدأ احتراف صيد الحوت في القرن الثامن أو التاسع الميلادي على وجه التحقيق. وأفاد العرب من زيته ومن عظامه . وكان صيد الحوت مقتصرا في مبدأ الأمر على الأماكن القريبة من الساحل ، ثم توغل الصيادون وراء الحيتان بعيدا في أعالي البحار ، وبلغ هذا الأمر أشده في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وفي تلك الآونة كانت قوافل المراكب تخرج من مواني أوروبا وأمريكا بأعداد هائلة ، وتغيب شهورا عديدة في البحر ، بحثا عن الحيتان. ومثل هذه الحملات كانت أيضا حافز على كشف أراض ، وجزر جديدة في البحار الحوبة بخاصة . إلا أن تلك المهنة كانت محفوفة بالأخطار ، لا ينخرط في سلكها إلا كل مغامر ، فقد كانت المراكب صغيرة، وأدوات الصيد بدائية، وكثيرا ما كان الحوت يغرق المركب بمن فيه .

وخلال القرن التاسع عشر أصاب الكساد هذه المهنة بعد أن كشف الأمريكيون النفط في بلادهم ، فاضمحلت صناعة الزيت من الحوت ، ثم انتعشت حرفة صيد الحوت مرة أخرى منذ بداية القرن العشرين، وذلك نتيجة للانجازات العلمية الفائقة التي أدخلت على هذه الصناعة وأهمها ابتكار طريقة لتسديد الحرابة إلى جسم الحوت وذلك بإطلاقها من مدفع على سطح المركب يتصل به حبل طويل ، ويمكن التصويب بهذه القذيفة على بعد خمسين مترا من الحوت . كذلك استخدمت طريقة مساعدة تتلخص في نفخ الهواء المضغوط في جسم الحوت فيخف وزنه في الماء ليسهل سحبه .

أما مراكب الصيد فقد طرأ عليها هي الأخرى تجديد كبير، فقد حل البخار فيها محل الشراع ، وصممت تصميما حديثا جعل منها مصانع عائمة تشبه مدينة صغيرة، تزيد حمولتها على خمسين ألف طن وتتسع مخازنها لنحو ثلاثين ألف طن من الزيت، وعليها روافع و مناشير كهربية وجرارات ومراجل بخارية وهي مجهزة بأماكن مريحة لمعيشة البحارة ، بعد أن كان أجدادهم يقضون الشهور الطويلة وسط براميل تنبعث منها روائح كريهة ، ويعانون قسوة الحياة وشظف العيش .

والحوت حيوان نافع” يصنع كل جزء فيه ، فهو يطلب أولا لزيته ، الذي يستخدم في صناعة الصابون والجلسرين وأنواع الطلاء والفراء ، كما يصنع منه السمان .

ويحتوي زيت الحوت على كميات كبيرة من فيتامينات «أ» و «د» التي تعين الأطفال على النمو وترد عنهم غوائل المرض ، كما تستخرج من هذا الزيت أيضا بعض المركبات الطبية .

أما لحم الحوت فيؤكل طازجا أو يجمد ، وما تبقى من أحشائه ونفايته يجفف ويسحق ويصنع منه ما يسمى دقيق السمك ، الذي يستعمل بكثرة علفا للحيوانات والدواجن لتسمينها. هذا بالإضافة إلى عظمة فك الحوت التي تصنع منها أجود أنواع الأمشاط ومقابض المظلات وغيرها.


بيد أن الحوت أضحى – مع الأسف – مهددا بخطر الانقراض لتكالب سفن الصيد على قتله . وفي عام واحد قتلت هذه المراكب نحو ستة وأربعين ألف حوت من مياه المنطقة الجنوبية وحدها . ولهذا السبب نظمت عمليات صيد الحيتان بمعاهدات دولية ، تحدد مواسمها وحجم الحوت المصرح بصيده وغير ذلك .

مصدر الصورة
pixabay.com

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

جائزة خليفة تنظم محاضرة عن ” عزل وتوصيف الجين المسئول عن تحديد الجنس في نخيل التمر”

نَظَّمَت الأمانة العامة لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي مساء الاثنين 13 سبتمبر 2021 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *