د. مهدي الكناني- العراق
عضو الهيئة الاستشارية العراقية للأعمار والتطوير – لندن- المملكة المتحدة – محافظة ميسان
عضو الاتحاد العالمي للجامعات العربية والأجنبية
وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة “لانسيت بلانيتري هيلث” (Lancet Planetary Health) يُعتبر التلوث مسؤولاً عن وفاة واحدة من كل ست وفيات حول العالم .
وقد أشارت الدراسة إلى أن التلوث يشمل العديد من العوامل مثل تلوث الهواء، وتلوث الماء، والملوثات الكيميائية، حيث تتسبب هذه الملوثات في حدوث الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والرئة .
كما أفادت الدراسة بأن التلوث الجوي وحده يتسبب في وفاة أكثر من 6.5 مليون شخص سنوياً، في حين يتسبب التلوث الناجم عن الرصاص والمواد الكيميائية الأخرى في وفاة 1.8 مليون شخص وتعتبر الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط الأكثر تضرراً من هذه الكارثة الصحية، حيث أن أكثر من 90% من الوفيات المرتبطة بالتلوث تحدث في هذه الدول .
كما يساهم غياب السياسات البيئية الفعالة على الصعيدين الوطني والدولي في تفاقم الأزمة، حيث تعاني العديد من الدول من نقص في الموارد والإرادة السياسية لمواجهة هذه المشكلة بشكل جدي في جنوب آسيا وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا.
وتزداد نسبة الوفيات المرتبطة بالتلوث بشكل ملحوظ، بينما في إفريقيا، لا يزال تلوث الماء والهواء المنزلي من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى الأمراض والوفيات الحاجة إلى حلول عاجلة رغم أن العديد من الدول ذات الدخل المرتفع قد نجحت في السيطرة على أشكال التلوث الأكثر خطورة، فإن القليل فقط من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط قد اتخذت خطوات جادة لمكافحة التلوث ويشدد الباحثون في الدراسة على أن العالم بحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من آثار التلوث. ومع ذلك، فإن معظم الدول لم تقم بعد بتنفيذ سياسات فعّالة لحماية السكان من هذا التهديد البيئي.
دور الحكومات والمجتمعات في مكافحة التلوث لحماية البيئة
يُعَدّ التلوث البيئي أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه العالم في الوقت الحالي، إذ يتسبب في وفاة أكثر من 9 ملايين شخص سنوياً حول العالم .
وللحد من تأثير التلوث، يجب على الحكومات تبني استراتيجيات فعالة تشمل تقليل انبعاثات المصانع، وتحسين جودة الهواء والماء، وتطوير سياسات بيئية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويجب أيضاً توعية المجتمعات حول تأثير التلوث على الصحة، وتشجيع الأفراد على اتباع ممارسات تقلل من مساهمتهم في تلوث البيئة إن التلوث البيئي ليس مشكلة محلية، بل هو أزمة عالمية تتطلب جهوداً مشتركة من جميع دول العالم ولا يمكن التغلب على هذه الأزمة إلا من خلال تبني سياسات بيئية مستدامة على الصعيدين الوطني والدولي، وتوعية المجتمعات بأهمية الحفاظ على البيئة من أجل الأجيال القادمة يُعد التلوث البيئي من أكبر التحديات التي تهدد صحة الإنسان والحياة على كوكب الأرض
ومع تزايد الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء والماء والمواد الكيميائية، فإن التحرك العاجل لمواجهة هذه المشكلة أصبح ضرورة قصوى كما يجب على الحكومات والمجتمعات العمل معاً لوضع حلول مستدامة تحد من انتشار التلوث وتحافظ على صحة الإنسان والبيئة.
تحديات وعقبات
تختلف المشكلات البيئية والتحديات التي تواجه المدن العربية وكذلك جهود حماية البيئة من دولة إلى أخرى وذلك استناد إلى ظروفها الطبيعية وحجم وتنوع الموارد المتاحة وكثافة السكان وتنوع التنمية الاقتصادية ونظمها الاجتماعية.
ولقد زاد من تفاقم المشكلات وتنوعها في مدن الوطن العربي , أن معظم الدول العربية اعتمدت على أساليب التنمية السريعة والتي بدورها تعتمد على الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية وباستخدام تقنيات الانتاج الحديثة التي في كثير من الأحيان لا تلائم الظروف البيئية .
كما أن سياسات توفير الخدمات يتم بصور لا تتكافأ مع المجتمعات الحضرية والريفية ومعطياتها, مما يؤدي إلى زيادة معدل التدهور البيئي والمشكلات البيئة.
النمو السكاني والبيئة والتلوث
في أواخر القرن الثامن عشر، نشر العالم البريطاني روبرت مالثوس كتابه الشهير “مبدأ تكاثر السكان”، حيث توقع أن يتجاوز عدد سكان الأرض قدرة الكوكب على توفير الغذاء ويبدو أننا نعيش اليوم تحقيقًا لنبوءة مالثوس في عام 1800، كان عدد سكان الأرض لا يتجاوز المليار نسمة وبحلول عام 1930، تضاعف العدد إلى ملياري نسمة، ثم وصل إلى أربعة مليارات في عام 1975واليوم، يقترب عدد السكان من 8 مليارات نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى 9.7 مليارات بحلول عام 2050
توزيع غير متكافئ للنمو السكاني لا ينمو عدد السكان بنفس الوتيرة في جميع أنحاء العالم، بل يتزايد بشكل أكبر في الدول الفقيرة والأقل دخلًا أصبحت المدن الكبرى في هذه الدول مثل القاهرة ومانيلا تعاني من الاكتظاظ وسوء الأحوال المعيشية.
ومما يثير قلق الخبراء بشأن قدرة هذه المدن على التعامل مع هذا النمو السريع تلوث البيئة وتأثيراته مع تزايد عدد السكان، تزايدت أيضًا نسبة التلوث البيئي في البر والبحر والجوفي أوروبا، تتخلص مناجم الفحم والمعادن من نفاياتها الكيماوية السامة في مناطق فقيرة وفي الصين وهونغ كونغ، تُلقى كميات هائلة من النفايات البلاستيكية في البحر يوميًا.
الاحتباس الحراري
وقد شهدت العقود الأخيرة تسجيلًا لأعلى درجات الحرارة منذ بدء القياسات المنهجية في القرن التاسع عشر ومن المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.5 إلى 2 درجة مئوية بحلول منتصف القرن الحالي، مما سيؤدي إلى ذوبان الجليد في القطبين وارتفاع مستويات البحار، مما يهدد المدن الساحلية والجزر المنخفضة بالغرق. الأضرار البيئية والصحية يساهم التلوث البيئي في تدمير طبقة الأوزون، مما يزيد من خطر الإصابة بسرطان الجلد ويؤثر على النظام البيئي والحيوانات والنباتات كما يؤثر التلوث على صحة الإنسان، مسببًا أمراضًا تنفسية خطيرة في جميع أنحاء العالم
تدمير الغابات وأثره البيئي
تؤدي عمليات قطع وحرق الغابات في البرازيل وإندونيسيا إلى فقدان التنوع البيولوجي وزيادة حرارة الطقس وتراجع الأمطار هذا التدمير المستمر للغابات يؤثر على التوازن البيئي ويهدد العديد من أنواع النباتات والحيوانات بالانقراض. المسؤولية الأخلاقية والبيئية يجب على الإنسان أن يدرك مسؤوليته الأخلاقية في حماية كوكب الأرض واتخاذ قرارات سياسية حازمة تجاه المشروعات الاقتصادية التي تضر بالبيئة.
أثر دور النظريات السلوكية للبشرية البيئة والتلوث في الوطن العربي والعالم
نظرية الحاجات الإنسانية
إن حاجات الإنسان تنتظم في هرم تشغل فيه الحاجات الفسيولوجية قاعدة الهرم , يعلوها الحاجة للأمن , ثم الحاجة للحب و الانتماء , ثم الحاجة للاحترام و التقدير , ثم في قمة الهرم الحاجة لتأكيد الذات وطبقا ً لهذه النظرية و في ظل الثقافة الريفية التقليدية و سيادة نمط الزراعة التقليدية قد ينظر الأفراد إلى الحاجات الفسيولوجية كقاعدة الهرم و قمته و لذا ينظر لبعض أنماط السلوك التي تلوث البيئة كمصدر للحصول على الطعام و المال و مثال على ذلك الاستخدام المضر للمبيدات فهو يضر بالبيئة و أيضا طريقة لزيادة المحصول كما انه في الطبقات الغنية أو المتوسطة التي تتمتع بقدر من الثقافة أو الاطلاع فإن احترام و عدم تلويث البيئة واستخدام الأطعمة العضوية الغير ملوثة للبيئة يدخل في الحاجة للشعور بتقدير الجماعات المرجعية لهؤلاء الأفراد و الشعور بالاحترام و التقدير ناهيك عن إشباع الحاجات الفسيولوجية أولا ً.
نظرية الدور الاجتماعي
ترى نظرية الدور الاجتماعي أن جانبا كبيرا من سلوك الناس يتسق و يأخذ شكلا معينا ً ليقابل التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالمراكز و المكانة الاجتماعية التي يشغلها الأفراد في البنيان الاجتماعي حيث تمارس هذه التوقعات ضغطا على سلوك الأفراد يدفعهم لان يسلكوا السلوك الذي يتوقعه منهم المجتمع لذا فالأفراد الذين يشغلون مراكز اجتماعية عالية يتوقع منهم أن يتصرفوا بشيء من المسؤولية البيئية و يكونون أكثر وعيا ً بمشكلة التلوث و آثارها السلبية الممتدة زمنيا ً و جغرافيا ً و من المتوقع منهم أن يكونوا قدوة لغيرهم , أما الأفراد الذين ينتمون للطبقة الوسطى فيسعون عادة لتحسين أوضاعهم للحاق بالطبقة الأعلى منهم مما لا يتيح لهم مزيدا ًمن الوقت لأجل الاهتمام بالبيئة كما أن الأهم فألاهم فالهم الاقتصادي من الحياة يشغل معظم تفكيرهم و لا يترك مكان لأي هم آخر أو اهتمام آخر أما من يعيشون على مستوى الفقر أو تحته أو فوقه بقليل فان البيئة كما نعرفها نحن لا تعني لهم شيئا و هم لا يملكون بدائل عن أسلوب معيشتهم الذي يعتبر مضر بالبيئة فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسأل شخص لا يملك حمام لماذا يستخدم الترعة ليقضي حاجته و لا توجد عليه أي نوع من الضغوط التي تدفعه لان يفكر قبل أن يقضي حاجته في الترعة أو يستخدمها كمرمى لفضلاته ما ضرر ذلك على البيئة المحيطة به فذلك يعتبر سلوك لا يختلف عن سلوك أقرانه من نفس الطبقة الاجتماعية عكس الطبقة العليا أو المتوسطة حيث يعتبر سلوك مثل هذا شذوذ عن الواقع لا يقبل به هذا النوع من الطبقات الاجتماعية.
نظرية المقايضة الاجتماعية
تقوم هذه النظرية على مبدأ المقايضة حيث أن الأفراد يدخلون بصفة مستمرة في عمليات تبادل المنافع مع النظم الاجتماعية التي يعيشون فيها , حيث يعطون و يأخذون في المقابل أشياء ذات قيمة بالنسبة لهم , و في ضوء هذه النظرية نستطيع القول أن الذين يحصلون على كل احتياجاتهم من البيئة التي يعيشون بها من المفترض أنهم يفكرون أكثر عندما يقابلون مواقف قد تنعكس على بيئتهم بالسوء فيأخذون الحيطة و الحذر لأنهم يعلمون أن أي سوء يضر بالبيئة سينعكس سلبا ً عليهم و بالتالي يحافظون على مصالحهم محافظهم على البيئة التي تعتمد عليها مصالحهم , و بالعكس نجد انه كلما قلت المنفعة قل الاهتمام حتى نصل للطبقة الفقيرة التي لا تأخذ من البيئة ما يسد جوعها بل و أحيانا ً ما يسد بعضا ً من احتياجاتها يرتبط بتلويث البيئة كالحاجة للإحساس بالنظافة التي لا يتم إشباعها إلا بتلويث البيئة المائية للمجتمع.
نظرية الفعل الاجتماعي الإرادي
تفترض هذه النظرية ان الأفراد يسعون لتحقيقي أهداف شخصية في ظل مواقف و أوضاع معينة يتوفر فيها وسائل بديلة لتحقيق ذات الأهداف و لكنهم في سعيهم لتحقيق أهدافهم يكونون محدودين بعديد من الظروف الموقفية. كما أكدت هذه النظرية على أهمية المعايير من قيم و معتقدات في التأثير على السلوك البشري مثل ارتباط بعض التصرفات بقيم دينية مثل الوضوء في المجاري المائية التي ذاتها تستخدم لقضاء الحاجة و التبرير أنها مياه جارية و أي مياه جارية هي طاهرة و يجوز استخدامها للوضوء و هو ما يخالف نتائج الأبحاث العلمية حيث أنها تحتفظ بقدر من الملوثات بها لمدة من الزمن , أو أن إنشاء المصانع في الريف سيقوم بتشغيل أيد ٍ عاملة كثيرة و لو جاء احدهم لمجرد قياس حجم التدمير الذي يلحق بالبيئة بسبب هذا المصنع لأتهم بأنه يحارب الناس و هو ضد التقدم و الرخاء و النمو لأفراد المنطقة المتضررة بيئيا.
علاقة المتغيرات المستقلة بالمتغير التابع ( التلوث في الريف سلوك الناس
اتفقت كل الدراسات على وجود علاقة موجبة بين سلوك الناس و التلوث البيئي ووجدت الدراسات أن الإنسان هو الملوث الرئيسي و الوحيد للبيئة المحيطة به.
عوامل طبيعية
هناك عديد من العوامل الطبيعية التي تؤدي للتلوث مثل الأعاصير أو الأمواج العاتية مثل تسونامي ووجدت علاقة موجبة بين التلوث و العوامل الطبيعية و لكن ليست بذات القوة و التأثير لما يسببه الإنسان من تلوث للبيئة.
الإهمال
إهمال الصرف الصحي أو إهمال الصيانة لأي مورد توريد طاقة قد يؤدي لنواتج كارثية و اكبر مثال على ذلك التسرب النووي لمفاعل تشيرنوبل و ما أحدثه من تلوث انتشرت آثاره إلى ابعد الحدود المكانية و الزمنية .لذا فالعلاقة موجبة بين هذا العامل و التلوث كمتغير تابع.
الجهل
هناك علاقة موجبة بين السلوك المضر بالبيئة و التلوث و السلوك المضر بالبيئة في معظم الأحوال يكون ناجم عن جهل .و من هنا كانت علاقة الجهل الموجبة بالتلوث.
الإعلام
الإعلام كموجه و قائد لأسلوب الناس في الحياة و تعاملهم مع مختلف الأشياء يؤثر في تلوث البيئة و السلوك البيئي بشكل ليس بقليل الفساد
هناك علاقة بنسبة ما بين الفساد و التلوث فلولا الفساد لما استطاع عدد من الفلاحين أن يقيموا بيوتهم على الأراضي الزراعية مسببين بذلك تلوث مرئي و إهدار لأراض زراعية لزمها دهرا ً لتصبح على ما هي عليه من الخصوبة. كما هناك علاقة بين ما يدخل البلاد من مبيدات ملوثة للبيئة و بين الفساد الإداري و المالي و الأخلاقي.
التقدم الصناعي
هناك علاقة موجبة قوية بين التقدم الصناعي في منطقة ما ونسبة التلوث الجوي بها.
التنمية
ربما هي الضريبة التي يجب على كل مجتمع صناعي متقدم أن يدفعها التنمية تعني الزيادة في المستوى في كل المجالات في التعليم و الصحة و الدخل و غيرها من مجالات الحياة وربما هذه الزيادة ارتبطت بزيادة في عمليات التصنيع و بالتالي زيادة نسبة التلوث خاصة الهوائي و المائي و ربما التنمية المستدامة التي تأخذ بعين الاعتبار حق الأجيال القادمة في هواء نظيف تسعى لجعل التصنيع عملية اقل تكليفا للطاقة و أكثر حفاظا ً على البيئة . لذا فالعلاقة موجبة و لكن قيمة تلك العلاقة محدودة.
المبيدات الكيميائية
علاقة موجبة و قيمتها كبيرة فهي أكثر الملوثات شهرة و لا ينتهي أثرها بانتفاء الغرض من استعمالها أو انتهاءها بل يظل أثرها لفترات من الزمن و قد ينتقل من مكان لآخر عبر مياه الري و خطرها أنها تلوث المنتجات الزراعية و البيئة التي ستزرع فيها الأجيال القادمة من تلك المنتجات.
المصادر :
1. Landrigan PJ, Fuller R, Acosta NJR, et al. The Lancet Commission on pollution and health. The Lancet. 2017.
2. World Health Organization. Air pollution. Available at: https://www.who.int/airpollution/en/
3. Brauer M, Freedman G, Frostad J, et al. Ambient air pollution exposure estimation for the Global Burden of Disease 2013. Environ Sci Technol. 2016.
آفاق علمية وتربوية موقع متخصص بالثقافة العلمية والتربوية