أخبار عاجلة

الإسمنت الأخضر: عندما يتحول ثاني أكسيد الكربون من مشكلة إلى مادة للبناء

المهندس أمجد قاسم

 

العلوم.كوم – يبدو الإسمنت مادة عادية نستخدمها يوميًا في تشييد المنازل والطرق والجسور والمنشآت، لكنه في الحقيقة يقف وراء واحدة من أكبر المعضلات البيئية المرتبطة بقطاع البناء. فإنتاج الإسمنت البورتلاندي التقليدي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وينتج عنه إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، أحد أهم غازات الدفيئة.

ومع استمرار التوسع العمراني وازدياد الطلب على مواد البناء، خصوصًا في الدول النامية، لم يعد السؤال هو: كيف ننتج المزيد من الإسمنت؟ بل أصبح: كيف ننتج الإسمنت من دون أن نزيد العبء على المناخ؟

لماذا تعد صناعة الإسمنت مصدرًا كبيرًا للكربون؟

ينتج العالم مليارات الأطنان من الإسمنت البورتلاندي سنويًا، ويُقدّر أن إنتاج طن واحد من الإسمنت قد يرتبط بانبعاث نحو طن من ثاني أكسيد الكربون، مع اختلاف الكمية الفعلية تبعًا للتقنية ومصدر الطاقة وكفاءة المصنع.

وتنشأ الانبعاثات الرئيسية في صناعة الإسمنت من مرحلتين أساسيتين.

الأولى هي عملية التكليس (Calcination)، حيث يُسخّن الحجر الجيري، المكوّن الأساسي للمواد الخام، فتتحلل كربونات الكالسيوم إلى أكسيد الكالسيوم وثاني أكسيد الكربون:

CaCO₃ → CaO + CO₂

وتُعد هذه الانبعاثات جزءًا جوهريًا من كيمياء صناعة الإسمنت نفسها، وليس مجرد نتيجة لحرق الوقود.

أما المصدر الثاني للانبعاثات فيرتبط بالطاقة اللازمة للوصول إلى درجات الحرارة المرتفعة المطلوبة لتكوين المركبات الرئيسية في الإسمنت، ومن أبرزها سيليكات ثلاثي الكالسيوم، التي تتكون عند درجات حرارة تقارب 1500 درجة مئوية.

وبحسب المعلومات الواردة في المادة العلمية، تسهم عملية التكليس بنحو 65% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بصناعة الإسمنت، بينما تأتي النسبة المتبقية، نحو 35%، من الوقود المستخدم في عمليات التسخين.

ماذا لو أعدنا ثاني أكسيد الكربون إلى دورة الإنتاج؟

هنا تظهر فكرة علمية مثيرة: بدل أن يخرج ثاني أكسيد الكربون الناتج من صناعة الإسمنت إلى الغلاف الجوي، يمكن احتجازه وإعادة استخدامه في تصنيع مواد البناء.

وقد أظهرت أبحاث أجريت في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) إمكانية التقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التكليس وإعادة دمجه مع مركبات الكالسيوم لإعادة تكوين الحجر الجيري، وبذلك تصبح العملية أشبه بدورة كيميائية مغلقة.

والأكثر إثارة أن الاختبارات المخبرية أظهرت أن دورة التفاعل يمكن أن تكتمل خلال نحو ثلاث ساعات، مقارنةً بنحو 28 يومًا يحتاجها الإسمنت البورتلاندي التقليدي للوصول إلى مرحلة متقدمة من التصلب عند تفاعله مع الماء.

كما أشارت النتائج إلى إمكانية خفض كمية الحرارة المطلوبة في دورة الإنتاج، وهو أمر مهم لأن تقليل استهلاك الطاقة يعني بدوره خفض الانبعاثات المرتبطة بالوقود.

وتحاكي هذه الفكرة بعض العمليات الطبيعية؛ فالكائنات البحرية مثل المرجان والرخويات تستخدم الكالسيوم وثاني أكسيد الكربون لتكوين كربونات الكالسيوم التي تدخل في بناء هياكلها وأصدافها.

كاليرا: تحويل غازات المداخن إلى إسمنت

من الأفكار اللافتة في هذا المجال التقنية التي طورتها شركة Calera، والتي تعتمد على ما يُعرف باسم التعدين الكربوناتي عبر الترسيب المائي (Carbonate Mineralization by Aqueous Precipitation – CMAP).

تعتمد العملية على تمرير غازات المداخن الغنية بثاني أكسيد الكربون في مياه بحر أو مياه مالحة معدلة القلوية. وبفضل وجود الكالسيوم والمغنيسيوم في الماء، يتحول ثاني أكسيد الكربون إلى كربونات، مثل كربونات الكالسيوم وكربونات المغنيسيوم.

بعد ذلك تُرسب هذه المعادن وتُجفف باستخدام الحرارة الموجودة أصلًا في غازات المداخن، بدل استهلاك وقود إضافي لتجفيفها.

والنتيجة مادة صلبة يمكن استخدامها بوصفها ركامًا أو مادة إسمنتية تدخل في تصنيع الخرسانة.

ووفق المعلومات الواردة في المادة، يمكن لهذه العملية إزالة نحو 70–90% من ثاني أكسيد الكربون الموجود في غازات المداخن، كما يمكنها احتجاز نسبة مرتفعة من ثاني أكسيد الكبريت، إضافة إلى التقاط بعض الملوثات الأخرى.

ومن المزايا المثيرة للاهتمام أن العملية تزيل الكالسيوم والمغنيسيوم من المياه المالحة، ما قد يجعل دمجها مع تقنيات تحلية مياه البحر أمرًا جذابًا من الناحية الهندسية.

Novacem: إسمنت يعتمد على المغنيسيوم

هناك مقاربة مختلفة قدمتها شركة Novacem، إذ ابتعدت عن الاعتماد الأساسي على الحجر الجيري المستخدم في الإسمنت البورتلاندي، واتجهت إلى سيليكات المغنيسيوم.

وتقوم الفكرة على معالجة سيليكات المغنيسيوم بعملية منخفضة الحرارة والانبعاثات لإنتاج أكسيد المغنيسيوم، الذي يمكن استخدامه أساسًا لمادة إسمنتية.

والميزة الأهم أن المادة الإسمنتية المصنوعة بهذه الطريقة يمكنها، أثناء تصلبها، امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتخزينه.

وبحسب ادعاءات الشركة الواردة في المادة، يمكن أن يرتبط استخدام طن من هذا الإسمنت باحتجاز نحو ثلاثة أرباع طن من ثاني أكسيد الكربون.

وهذا يغيّر المعادلة التقليدية جذريًا: فالإسمنت لم يعد مجرد مادة ترتبط بانبعاثات الكربون، بل يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة لاحتجاز الكربون.

هل يمكن أن يصبح الإسمنت مادة سالبة الكربون؟

الهدف النهائي لبعض هذه التقنيات ليس مجرد الوصول إلى إسمنت منخفض الكربون أو محايد للكربون، وإنما إنتاج إسمنت سالب الكربون؛ أي مادة يؤدي تصنيعها واستخدامها إلى تخزين كمية من ثاني أكسيد الكربون أكبر من الكمية المنبعثة أثناء إنتاجها.

لكن الطريق إلى ذلك ليس تقنيًا فقط.

فصناعة البناء من الصناعات المحافظة التي تعتمد على معايير صارمة واختبارات طويلة قبل السماح باستخدام مواد جديدة على نطاق واسع. ولذلك فإن إثبات نجاح المادة في المختبر لا يعني بالضرورة انتقالها سريعًا إلى مواقع البناء.

كما يجب التأكد من أن الإسمنت الجديد يمتلك الخصائص المطلوبة من حيث المقاومة والمتانة والسلامة والاستقرار، وأن يكون قادرًا على منافسة الإسمنت التقليدي اقتصاديًا.

مستقبل أكثر استدامة للبناء

لا تستطيع البشرية بسهولة الاستغناء عن الإسمنت؛ فهو أحد أهم المواد التي قامت عليها البنية التحتية الحديثة. ولذلك فإن الحل الأكثر واقعية قد لا يكون التوقف عن استخدامه، بل إعادة ابتكار طريقة إنتاجه.

وتقدم تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى مواد إسمنتية نموذجًا مثيرًا للاهتمام للاقتصاد الدائري، حيث تتحول مادة كانت تُعد نفاية وانبعاثًا ضارًا إلى مورد يمكن الاستفادة منه في منتج جديد.

وقد يكون مستقبل البناء قائمًا على مصانع لا تطلق الكربون فحسب، بل تلتقطه وتعيد إدخاله في دورة الإنتاج. وإذا تمكن الباحثون والمهندسون من الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والأداء الهندسي والقدرة على خفض الانبعاثات، فقد يتحول الإسمنت من أحد مصادر المشكلة المناخية إلى جزء من الحل.

إن التفكير في مواد البناء التي نستخدمها لا ينبغي أن يقتصر على قوتها وتكلفتها، بل يجب أن يشمل أيضًا مصدر موادها الخام، والطاقة اللازمة لإنتاجها، وما تتركه من أثر في البيئة. فالبناء المستدام يبدأ قبل أن توضع أول لبنة، ويبدأ تحديدًا من الطريقة التي نصنع بها المواد التي نبني بها عالمنا.

المراجع

Sant, G., Bauchy, M., Vance, K., Pignatelli, I., Falzone, G., & Balonis, M. (2016). Carbon dioxide utilization in cement production: A pathway toward carbon-neutral cement. Industrial & Engineering Chemistry Research. https://doi.org/10.1021/acs.iecr.5b02356

Monteiro, P. J. M., Clodic, L., Battocchio, F., MacDowell, A. A., & Ghoufi, A. (2013). Incorporating carbon sequestration materials in civil infrastructure: A micro and nano-structural analysis. Cement and Concrete Composites, 40, 14–20. https://doi.org/10.1016/j.cemconcomp.2013.03.013

Naber, C., Majzlan, J., Moosdorf, N., Neubauer, J., Wagner, D., & Bellmann, F. (2026). Magnesium silicate binder shows potential as a carbon-neutral route for cement manufacture. Communications Sustainability, 1, Article 79. https://doi.org/10.1038/s44458-026-00085-z



عن المهندس أمجد قاسم

كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

شاهد أيضاً

خمس سنوات من التعاون المثمر: المهرجان الدولي للتمور الموريتانية يدخل نسخته الخامسة

أطار، ولاية أدرار، الجمهورية الإسلامية الموريتانية، 15 أغسطس 2026  انطلقت يوم الجمعة فعاليات المهرجان الدولي …

اترك تعليقاً