نعيش في عالم سريع التغير مما يستلزم على المخطط التربوي استشراف المستقبل/pexels

أهمية التخطيط التربوي الكيفي والنوعي

قبل أن نخوض في الحديث عن التخطيط التربوي وأنواعه، يجدر بنا اولا أن نقف على معناه.

يعرف العالم و ترسون، التخطيط بانه : « محاولة واعية منظمة مستمرة لاختبار انسب الوسائل المتوافرة لتحقيق أهداف معينة . وبطبيعة الحال، يمكن تطبيق هذا التعريف على التخطيط التربوي في المجال الكمي .

ونحن نستطيع أن نتصور أن من يقوم بهذا التخطيط هو انسان خبير يبذل كل ما في استطاعته لخدمة البيئة التربوية ، ويساعد في ايجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها ، ويعمل جاهدا لتحقيق الأهداف التربوية التي يرغب المجتمع في تحقيقها. والمخطط التربوي في صورته الحالية غالبا ما يكون بعيدا عما يدور في المدارس، فهو منهمك في تحليل الارقام ، ووضع الخطط التربوية القريبة المدى والبعيدة المدى مرتكزا في تصميمها على الظواهر الكمية وحسب .

ان معظم المخططين التربويين يعلمون علم اليقين ، بان الاتجاهات التربوية الحاضرة لا يمكن أن تستمر ، فنحن نعيش في عالم سريع التغير ، فما يصلح لليوم لا يصلح للغد . وعلى ذلك فمن الواجب أن يغير المخطط التربوي الدور الذي يضطلع به من (رجل الارقام و التخطيط الكمي) إلى الرجل الذي يفكر في وضع مجالات اختیار واحتمالات مستقبله ( التخطيط النوعي )

عند ذلك يصبح دوره في غاية الأهمية : فهو الذي يوضح القی والأهداف التي تكمن وراء كل مجال من مجالات الاختيار. انه يضع الخطط التربوية المحتملة ويبلور الأهداف والقيم والاتجاهات التي يرغب المجتمع في تحقيقها لدى ناشئته .

أن المخطط التربوي يصرف جل جهده في الوقت الحاضر في المستوى العياني الملموس، فهو ينظر باستمرار الى زيادة عدد الطلاب وانعكاسات تلك الزيادة على المؤسسات التربوية ، ولكنه لا يلقي الا نظرة عابرة على التغيرات التي تطرأ على القوى الاجتماعية، والاقتصادية ، والسياسية .

نحن نتحدث عن التغييرات في التربية، والذي يهمنا من قولنا هذا هو كيف تخطط التربية في عالم سريع التغير .

وقد يسألنا سائل : وما هي هذه التغييرات ؟ وما دمتم تقولون بان كل شيء متغير ، فكيف تخططون ؟ وما الدور الذي تريدون من المخطط أن يلعبه؟ وهل يستطيع توجيه عملية التغير نحو اهداف تربوية مرغوبة ؟

ونحن نستميح السائل عذرا ونقول له : رفقا بنا ، وصبرا علينا ، فنحن نحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة الوجيهة بما تيسر لنا من معلومات هي حصيلة تجارب قامت بها الأمم الاخرى في هذا الموضوع علما بأنها تجارب حديثة ، علها توحي لنا بعض الافكار النافعة في مسيرتنا التربوية .

لقد اظهرت محاولات توجيه التغيير في التربية بالمصطلح الكيفي ، بانها محاولات ليست بالسهلة ، فهي تحتاج اول ما تحتاج الى الصبر والاناة والزمن الطويل . فقد استغرق تغيير المناهج وتطويرها في بعض البلاد الى عشرات السنين ، كما استغرق تغيير البنية التربوية من مدارس اكاديمية عادية إلى مدارس شاملة ، الى زمن اطول. اما اذا اردنا تحسين العلاقة بين الطالب والمعلم مثلا ، فقد يتطلب منا ذلك جهدا متواصلا وزمنا طويلا.

وكما ألمحنا سابقا ، فنحن نعيش في زمن سريع التطور والتغير ، لذلك ينبغي لنا أن نضع ايدينا على اساليب جديدة تساعدنا في معالجة مختلف او جه التغير ، وبخاصة في مؤسسات معقدة كالمؤسسات التربوية .

التغييرات في التربية :

ويندرج تحت هذا العنوان : الفحوى ( المناهج ) ، وطرق التدريس ، و التقويم .

التغيير في المناهج :

اما تطور المناهج وتغييرها فيخطط له بعدة طرق. ففي البلدان الاسكندنافية مثلا ، يخطط لتطوير المناهج على المستوى المركزي، والقاعدة المعتمدة للتطوير هناك هي الخطط التعليمية التي تضعها لجنة من الخبراء ، ودوائر البحث التربوي ، ومراجعة ملاحظات المدرسين على المناهج التي تزود بها بصورة مستمرة. وفي هذه الحالة ، لا بد من وجود مجموعة من الخبراء المختصين في تطوير المناهج .

اما التغير في أساليب التدريس، فيتم نتيجة للأبحاث التربوية ، وما يجده المدرسون من خلال خبرتهم العملية . وفي أقطار اخرى ، توضع خطط التدريس في اطار واسع ، بحيث يترك المجال للمدرس لاختيار ما يلائم منها ظروفه الخاصة .

فالموقف في الدانمرك مثلا آخذ بالتطور نحو اعطاء المدرس والمدرسة مزيدا من الاستقلال الذاتي ، سواء في ذلك وضع مواد التدريس المناسبة ، او تنفيذها، فالأمر متروك لامكانات كل مدرسة ، ونوعية طلابها ، وفي بريطانيا يقع العبء الأكبر في تخطيط المناهج وتنفيذها و تقويمها على كاهل مدير المدرسة ومدرسيه ، وينسحب ذلك على بقية النشاطات المدرسية .

يلاحظ بان التخطيط للتغيير في المناهج ، سواء أكان ذلك على شكل إعادة نظر كلية ، أم احداث بعض التغييرات الجزئية ، انما يتم على عدة مستويات . ويعتمد ذلك بالطبع على نوعية الجهاز الإداري الذي يهيمن على التربية ، وعلى من يتخذ القرارات ويضع السياسة التربوية ، أهو الوزير ، ام مجالس التربية المحلية ، ام مدير المدرسة ؟

التغيير في اتخاذ القرارات:

ويعني ذلك قلب ميزان القوى والمسؤوليات في المؤسسات التربوية . وقد يعني قلب النظام الاداري من مركزي الى لامرکزي ، وقد يعني المشاركة في المسؤولية في بعض النشاطات المدرسية بين المدرسين و الطلاب ، وقد يعني كذلك اشتراك المعلمين والطلاب في التخطيط للمناهج الدراسية . وقد أظهرت التجارب انه نتيجة لهذه المشاركة نتج تخطيط تربوي واقعي جيد.

التخطيط القريب المدى ، والتخطيط البعيد المدى :

يظهر بأن التطور في التربية يتخذ اتجاهين رئيسيين : الاتجاه القريب المدى كتطوير المناهج والكتب المدرسية ، والاتجاه البعيد المدى الذي يستهدف وضع عدة مجالات الاختيار وتحليل ما يحتويه كل مجال من قيم وأهداف حتى تصبح العملية التربوية ذات معنى .

عملية التخطيط :

نوهنا بأنه من الأفضل ، وحيثما أمكن ذلك، أن يشترك في عملية التخطيط المدرسون، والطلاب ومديرو المدارس ، والموجهون التربويون ، والمركز . والقول بأننا كلنا مخططون ينطبق تماما في حقل التربية والتعليم، ذلك لأن التخطيط هو من مستلزمات التغير . فبدون تخطيط لا يمكن أن نتغير او نتطور . ومن الواضح بأن هنالك حاجة ماسة إلى وجود وحدات للتخطيط على عدة مستويات في المؤسسة التربوية ، اذا أردنا أحداث أي نوع من انواع التغير المرغوب . وهذا يعني ضرورة تعليم الطلاب أساليب التخطيط ، ومساعدة مديري المدارس في تخطيطهم بوساطة مركز محلي للتطوير والتخطيط . ويعني كذلك تخطيط الأنظمة الرئيسية للعملية التربوية على المستوى المركزي او الوزارة .

ماذا يبقى للمخطط التربوي ؟

اذا سار الحال على هذا المنوال ، فما الذي يبقى للمخطط التربوي ؟ أجل ، يبقى له دور كبير : يبقى له وضع الاحتمالات المتعددة للتطور في المؤسسة التربوية وبلورة قيمها وأهدافها ، و جعل هذه المؤسسة مؤسسة متطورة متجددة .

صحيح أن المخطط التربوي هو خبير في التعامل مع الأرقام، ولكننا نريد منه أن يكون أخبر في التعامل مع الناس ، فالناس والأهداف التربوية ، حتى و العملية التربوية نفسها كلها أمور متطورة ، وكلها أمور متغيرة ، ومن الصعب أن نحصر تطورها وتغيرها كميا .

انه يتعامل مع أبعاد ديناميكية ، فمن واجبه أن يكون في صميم العملية التربوية ، لا جزء منها فقط . عند ذلك يستطيع رسم إطار لمجالات الاختيار ، ويمكنه أن يتصور النتائج بالنسبة إلى المستخدمين والموارد ، والزمن

كل هذه الأمور يتم انجازها حاليا في المؤسسات التربوية ، ولكن بشكل غير مرض .


إن مفهوم التخطيط « النوعي » يؤكد على ضرورة توزيع النشاطات التخطيطية ، وعلى اعطاء المدارس حرية أكثر لتفهم مشكلاتهم المتغيرة . وليست أساليب التخطيط من حق الوزارات فقط ، وانما يجب ان تلم بها بقية الأجهزة التعليمية ، حتى اذا دعت الحاجة الى اشراكها في اتخاذ القرارات او تنفيذ ومتابعة التغييرات التربوية ، كانت مستعدة للقيام بدورها على اكمل وجه .

أن التخطيط التربية متغيرة متجددة يغدو ذا معنى اذا كان انعكاسا لحاجات المتعلم ومتطلبات مجتمعه ، واذا تبادل فيه المخطط والمنفذ و المنتفع الخبرات التعليمية ، عند ذلك ، وعند ذلك فقط نستطيع أن نقول بأن مؤسساتنا التربوية تقوم بالواجب الملقى على عاتقها على خير وجه .

ترجمة و تلخیص : جميل ابو میزر

عن فريق التحرير

يشرف على موقع آفاق علمية وتربوية فريق من الكتاب والإعلاميين والمثقفين

شاهد أيضاً

لماذا نحتاج الثقافة العلمية؟

ما موقع الثقافة العلمية والتكنولوجية في عصر العلم والتكنولوجيا والعولمة وثورة المعرفة والمواصلات والاتصالات؟ وما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *