بقلم: المهندس أمجد قاسم
العلوم دوت كوم – تخيّل أن هناك مجموعة من الأرقام التي تبدو للوهلة الأولى مجرد قيم رياضية وفيزيائية، لكنها في الحقيقة تحدد شكل الكون وطبيعة المادة، وتسمح للنجوم بأن تولد، والكواكب بأن تتشكل، والذرات بأن ترتبط، وربما للحياة نفسها بأن تظهر.
إنها ما يصفه الفيزيائيون ضمنًا عند الحديث عن الضبط الدقيق للكون (Fine-tuning)، وهي واحدة من أكثر القضايا إثارة للاهتمام في الفيزياء وعلم الكونيات.
لكن قبل أن نبدأ، هناك تصحيح مهم: لا توجد قائمة علمية رسمية متفق عليها تقول إن الكون تحكمه بالضبط 26 رقمًا، وإن تغيير أي واحد منها سيؤدي حتمًا إلى اختفاء الحياة
فالرقم 26 يرتبط في الفيزياء بعدد المعلمات الحرة في النموذج المعياري للجسيمات في بعض طرق العد، بينما توجد معلمات إضافية في علم الكونيات والجاذبية والفيزياء التي تتجاوز النموذج المعياري. وتشير مراجعات علمية إلى أن العدد قد يكون أكبر أو أصغر تبعًا للنظرية التي نعتمدها.
ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية حقيقية ومثيرة: لماذا تمتلك الطبيعة هذه القيم بالذات؟
1- سرعة الضوء: 299,792,458 مترًا في الثانية
سرعة الضوء في الفراغ، ويرمز لها بالرمز c، ليست مجرد سرعة عادية. إنها ثابت أساسي في النسبية الخاصة، وتحدد العلاقة بين المكان والزمان والطاقة والكتلة.
وتبلغ قيمتها في النظام الدولي:
299,792,458 مترًا في الثانية.
واللافت أن قيمة سرعة الضوء أصبحت قيمة محددة تمامًا في النظام الدولي للوحدات، لأنها تدخل في تعريف المتر نفسه.
2- ثابت الجاذبية G
يحدد ثابت الجاذبية قوة التجاذب بين الكتل، وتبلغ قيمته نحو:
6.674 × 10⁻¹¹ م³ كغ⁻¹ ث⁻².
ومن دون الجاذبية بالمقدار المناسب، لن تتجمع المادة بالطريقة التي أدت إلى نشوء النجوم والمجرات والكواكب.
الجاذبية أضعف بكثير من القوى الأخرى على المستوى الذري، لكنها تعمل عبر مسافات هائلة، ولذلك تصبح القوة المسيطرة على المقاييس الكونية.
3- الرقم الشهير 137
ربما يكون أكثر الأرقام إثارة للفضول هو ثابت البنية الدقيقة α.
وتبلغ مقلوبه وفق قيم CODATA لعام 2022:
1/α = 137.035999177 تقريبًا.
أي أن الرقم الشهير «137» ليس القيمة الدقيقة نفسها، وإنما تقريب لمقلوب ثابت البنية الدقيقة. وهذا الثابت بلا وحدة، وهي ميزة مهمة لأنه لا يعتمد على اختيارنا للمتر أو الثانية أو أي وحدة أخرى.
يرتبط α بقوة التفاعل الكهرومغناطيسي، ولذلك يدخل في وصف كيفية تفاعل الضوء مع المادة وفي كثير من خصائص الذرات.
ولهذا كان الفيزيائي الألماني-الأمريكي فولفغانغ باولي مفتونًا بالرقم 137، حتى أصبح أحد أشهر الأرقام الغامضة في تاريخ الفيزياء.
4- كتلة الإلكترون
كتلة الإلكترون تبلغ نحو:
9.109 × 10⁻³¹ كغ.
قد يبدو الرقم صغيرًا بصورة مذهلة، لكنه يؤدي دورًا أساسيًا في تحديد أحجام الذرات ومستويات طاقتها وخصائص الروابط الكيميائية.
ولو تغيرت كتل الجسيمات الأساسية، لتغيرت الكيمياء نفسها، وربما أصبحت الكيمياء المعقدة التي تعتمد عليها الحياة مختلفة جذريًا.
5- نسبة كتلة البروتون إلى الإلكترون
تبلغ نسبة كتلة البروتون إلى كتلة الإلكترون نحو:
1836.15.
وهذه النسبة مهمة في عالم الذرات؛ فالإلكترونات الخفيفة تدور حول نواة أثقل بكثير، وهذه البنية تؤثر في الأطياف الذرية والروابط الكيميائية وخصائص المادة.
6- قوة التفاعل النووي القوي
التفاعل القوي هو القوة التي تربط الكواركات داخل البروتونات والنيوترونات، كما ترتبط آثاره بتماسك نوى الذرات.
تغيير قوته يمكن أن يغير استقرار النوى، وبالتالي يغير العناصر الكيميائية التي يمكن أن تتشكل في الكون.
وهنا تظهر أهمية قيمة أخرى هي كفاءة الاندماج النووي ε، التي تقارب 0.007؛ أي أن نحو 0.7% من الكتلة تتحول إلى طاقة عند اندماج الهيدروجين في سلسلة التفاعلات المؤدية إلى الهيليوم.
هذه القيمة تلعب دورًا في طبيعة النجوم وإنتاج الطاقة والعناصر.
7- التفاعل النووي الضعيف
التفاعل الضعيف مسؤول عن عدد من العمليات النووية المهمة، ومنها بعض أشكال التحلل الإشعاعي والتفاعلات التي تحدث داخل النجوم.
وله دور أساسي في تكوين العناصر وفي التفاعلات التي صاحبت المراحل المبكرة من الكون.
ومن معلماته المهمة ثابت فيرمي للتفاعل الضعيف، الذي تبلغ قيمته في وحدات الطاقة المناسبة نحو:
1.166 × 10⁻⁵ GeV⁻².
8- الكواركات واللبتونات
لا يتكون الكون المادي من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات فقط. فالنموذج المعياري يضم ستة كواركات وستة لبتونات، ولكل منها كتل وخصائص محددة.
وتدخل كتل هذه الجسيمات في تكوين المادة التي نعرفها.
9- عدد الأبعاد: ثلاثة
لدينا ثلاثة أبعاد مكانية كبيرة: طول وعرض وارتفاع.
وقد تبدو هذه حقيقة بديهية، لكنها تحمل نتائج فيزيائية عميقة. فطبيعة القوى والمدارات والاستقرار الذري تعتمد على عدد الأبعاد.
لذلك يُنظر أحيانًا إلى D = 3 باعتباره من الأرقام المهمة عند مناقشة إمكانية وجود بنى معقدة في الكون.
10- كثافة المادة في الكون
يستخدم علماء الكونيات معلمات مثل Ωm لوصف مقدار المادة مقارنة بالكثافة الحرجة.
وتشير قياسات بلانك ضمن نموذج ΛCDM إلى أن المادة تشكل جزءًا مهمًا من محتوى الكون، في حين تشكل الطاقة المظلمة النسبة الأكبر.
وتشير نتائج Planck إلى قيمة تقارب 0.685 لكثافة الطاقة المظلمة في النموذج الأساسي، مع توافق جيد مع كون مسطح مكانيًا تقريبًا.
11- الطاقة المظلمة والثابت الكوني
هنا نصل إلى واحد من أكثر الأرقام إثارة للدهشة.
يبدو أن الكون يحتوي على مكوّن يؤدي إلى تسارع تمدده، ويُسمى عادة الطاقة المظلمة، ويصفه أبسط نموذج بواسطة الثابت الكوني Λ.
المشكلة أن القيمة المرصودة صغيرة بصورة شديدة مقارنة بالتوقعات النظرية المرتبطة بطاقة الفراغ في بعض الحسابات.
وقد وصف ستيفن واينبرغ هذه المسألة منذ عقود بأنها واحدة من أبرز المشكلات في الفيزياء النظرية.
وعند التعبير عن الثابت الكوني بوحدات طبيعية مرتبطة بكتلة بلانك، تظهر قيمة في حدود 10⁻¹²²، وهي قيمة متناهية الصغر.
وهنا يظهر السؤال المذهل: لماذا يمتلك الفراغ هذه القيمة الصغيرة تحديدًا؟
12- تقلبات الكثافة الأولية
بعد الانفجار العظيم لم يكن الكون متجانسًا تمامًا. كانت هناك فروق صغيرة جدًا في الكثافة، يرمز إلى حجمها المميز بالرمز Q، وكانت هذه التقلبات بذورًا لنشوء المجرات والعناقيد المجرية.
ولو كانت هذه التقلبات مختلفة بدرجة كبيرة، فقد يتغير تاريخ تشكل البنية الكونية جذريًا.
13- نسبة المادة إلى المادة المضادة
تشير الأدلة إلى أن الكون المرصود يحتوي على مادة أكثر بكثير من المادة المضادة.
وهذا الاختلال الصغير في الكون المبكر كان حاسمًا؛ فلو تساوت المادة والمادة المضادة تمامًا، لتبادلت معظم الكميات بعضها مع بعض وتحولت إلى إشعاع.
لماذا بقيت المادة؟ هذا السؤال، المعروف باسم مشكلة عدم تماثل المادة والمادة المضادة، لا يزال من الأسئلة الكبرى في الفيزياء.
14- نسبة الباريونات إلى الفوتونات
هناك كمية صغيرة جدًا تصف نسبة المادة الباريونية العادية إلى عدد الفوتونات في الكون.
وعلى الرغم من صغرها، فإنها ترتبط بتاريخ الكون وتكوين العناصر الأولى ونشوء البنية الكونية.
15- معدل تمدد الكون
يصف ثابت هابل H₀ معدل تمدد الكون في الزمن الحالي.
وتوجد حاليًا فروق بين بعض طرق قياسه، وهي ما تعرف باسم توتر هابل، وهي من المشكلات النشطة في علم الكونيات الحديث. وتظهر بيانات Planck توافقًا قويًا مع نموذج ΛCDM، مع وجود توتر مع بعض القياسات المحلية لثابت هابل.
فهل هذه الأرقام «مصممة» للحياة؟
هنا ينبغي التوقف قليلًا.
وجود قيم مناسبة لتشكل النجوم والكواكب والكيمياء المعقدة لا يعني أن العلم أثبت أن الكون «صُمم» للحياة.
فالضبط الدقيق مشكلة علمية وفلسفية مفتوحة، وهناك تفسيرات متعددة لها. ربما توجد نظرية أعمق تجعل هذه القيم ضرورية وليست عشوائية، وربما تكون بعض الثوابت مرتبطة ببعضها بطريقة لم نكتشفها بعد.
وهناك أيضًا فكرة الأكوان المتعددة، التي تفترض وجود عدد هائل من الأكوان ذات القيم المختلفة، بحيث يكون وجودنا في كون يسمح بالحياة نتيجة لما يسمى بالتأثير الانتقائي الأنثروبي.
لكن لا يوجد حتى الآن دليل تجريبي حاسم يثبت أن الأكوان المتعددة هي التفسير الصحيح.
الكون… معادلة أم لغز؟
قد يكون أكثر ما يثير الدهشة في هذه الأرقام أنها لا تعمل منفردة.
الجاذبية تسمح للنجوم بالتشكل، والتفاعل النووي يسمح لها بإنتاج الطاقة، والكهرومغناطيسية تحدد سلوك الذرات، وكتل الجسيمات تحدد خصائص المادة، والتقلبات الكونية الصغيرة تمنح الكون بذور المجرات، والطاقة المظلمة تؤثر في مستقبله.
إنها شبكة هائلة من العلاقات الفيزيائية.
ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط:
«ماذا يحدث لو تغير أحد هذه الأرقام؟»
بل:
«لماذا تأخذ قوانين الطبيعة هذه القيم أصلًا؟»
ربما يكون الجواب موجودًا في نظرية فيزيائية أعمق لم نكتشفها بعد. وربما تكشف لنا الفيزياء المستقبلية أن كثيرًا من هذه الأرقام ليست مستقلة كما نعتقد اليوم.
وفي انتظار ذلك، تبقى هذه القيم واحدة من أجمل الأمثلة على أن الكون، رغم اتساعه الهائل وتعقيده، يمكن وصف جزء كبير من سلوكه بمجموعة صغيرة نسبيًا من القوانين والأرقام.
المراجع
1. Mohr, P. J., Newell, D. B., Taylor, B. N., & Tiesinga, E. (2025). CODATA Recommended Values of the Fundamental Physical Constants: 2022. Reviews of Modern Physics. NIST – CODATA Recommended Values
2. Planck Collaboration. (2020). Planck 2018 results. VI. Cosmological parameters. Astronomy & Astrophysics, 641, A6. Planck 2018 – Cosmological Parameters
3. Weinberg, S. (1989). The Cosmological Constant Problem. Reviews of Modern Physics, 61, 1–23. Physical Review – The Cosmological Constant Problem
4. Padmanabhan, T. (003). Cosmological Constant—The Weight of the Vacuum. Physics Reports, 380, 235–320. NASA/IPAC – Cosmological Constant: The Weight of the Vacuum
5. Barnes, L. A. (2019). The Fine-Tuning of the Universe for Intelligent Life. Publications of the Astronomical Society of Australia / review literature on fine-tuning. Review of Fine-Tuning of the Universe