انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » دراسة حول نظم التعليم العام في دول مجلس التعاون الخليجي

دراسة حول نظم التعليم العام في دول مجلس التعاون الخليجي

الدكتور محمد يوسف المسيليم

الأستاذ المشارك في قسم الإدارة و التخطيط التربوي

كلية التربية ـ جامعة الكويت

الملخص

من الملاحظ أن هناك العديد من الدراسات و التقارير الجادة التي حاولت أن تقدم  تشخيصا  لواقع نظم التعليم في دول الخليج من حيث قدرة هذه النظم على أن تكون أداة التغيير المنشود لغرض وضع هذه الدول على خريطة المنافسة في عالم يشهد تطورات سريعة و متلاحقة. إذا ليس الغرض من التطوير إدخال التحسينات على المناهج و إعداد المعلم و كذلك إصلاح البني التحتية فحسب و لكن الغرض الأسمى هو خلق نظم تعليمية ذات كفاءة نوعية عالية تعمل على تحسين القدرات البشرية لتواكب احتياجات التنمية و تعمل على إحداث التحول في اقتصاديات دول الخليج من الاعتماد على مصدر الدخل الوحيد تقريبا وهو النفط إلى تعدد البدائل أو المصادر. لكن السؤال الذي تحاول هذه الدراسة طرحة هو ما الإشكالات الحقيقة والموضوعية التي تقف حائلا دون قدرة نظم التعليم في دول الخليج على التطور الفاعل ؟

تحاول هذه الدراسة أن تجيب عن الأسئلة التالية: السؤال  ما الأطر العامة لنظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي؟ السؤال الثاني: ما  ضرورة تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي؟ السؤال الثالث: ما الإشكالات الموضوعية التي تقف في وجه تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي؟

إن ما استعرضناه من نتائج دراسات سابقة حول الإشكالات أو المعوقات التي تواجهها نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى ما توفر لدينا من معلومات و بيانات ذات صلة مباشرة بمدخلات وبنواتج هذه النظم نستطيع أن نحدد مجموعة من الإشكالات الموضوعية التي تقف حائلا دون تحقيق الأهداف  المتوخاة: كون التعليم العام النظامي في دول المجلس منغلقا، الاعتماد المتزايد على المعلمين الوافدين، الإنفاق غير المتوازن على التعليم، بيروقراطية الأجهزة الإدارية، تقليدية المناهج و فقر البيئة التعليمية التعلمية.

تقديم

عنوان الدراسة ( نظم التعليم العام في دول مجلس التعاون الخليجي الأطر العامة و إشكالات التطوير )

أصبح نقد وتقويم النظم التعليمية حاجة من الحاجات المتزايدة للمسئولين و المهتمين بتطوير نظم التعليم ، ذلك أنه لا يمكن تحقيق أي خطوات تطويرية حقيقية دون التعرف على مكامن القوة و الضعف في النظام التعليمي القائم ، ثم الانطلاق نحو التطوير بتعديل المسارات الخاطئة و تعزيز المسارات الصحيحة . و القيام بالنقد و التقويم قد يتطلب تشكيل اللجان المتخصصة أو تكليف البيوت الاستشارية أو المنظمات ذات الخبرات الميدانية و النظرية ، و عادة ما يكون التقويم المحايد هو الأجدى و الأقدر على إعطاء نتائج تقويمية دقيقة و ذات موضوعية عالية . و قد تختلف النظم التعليمية في استشعارها لضرورة التقويم كأن مثلا يأتي التقويم نتيجة لرغبة نظام التعليم في تطبيق استراتيجيات جديدة ، أو نتيجة لوضوح الاختلالات مما يستدعي الحاجة لإحداث تغييرات منهجية على مستويات عدة ، فعلى سبيل المثال يشير التقرير الختامي لتقويم النظام التربوي في دولة الكويت و الذي يعتبر من أوائل التقويمات في منطقة الخليج ، يشير إلى دواعي التقويم كما يلي :

“  التوسع الكمي في النظام التربوي بالكويت الذي لم يصاحبه تطور كاف في الجوانب الكيفية بالإضافة إلى أن هذا التوسع الكمي أدى إلى زيادة حجم الكلفة الخاصة بالخدمات التعليمية سواء في مجال الأجور أو الأجهزة و المباني و التجهيزات الأمر الذي يستدعي ترشيد الإنفاق و خفض الكلفة مع الحفاظ على جودة العملية  التربوية  “   ” إدخال بعض استحداثات جديدة في بنية النظام التربوي و بيئته و مناهجه و تقنياته بهدف تحديث عناصره و رفع كفاءته لم يتح التحقق من كفايتها و صلاحيتها “  1987 : 3

من جانب آخر قد تتعدد الأسباب وراء تقويمات نظم التعليم وفقا لزاوية الرؤية التي تنطلق منها الحاجة للتقويم    التعليم في مملكة بوتان أكد على أن  ” غالبا ما يتم التفكير في   حول تجربة Powdel فمثلا في دراسة قام التعليم الرسمي من منطلق المنافع و الامتيازات التي يضفيها على الأفراد . ومهما يكن من أمر فإن الحكومات التي تستثمر في التعليم تهتم أكثر ما تهتم بقيمة التعليم للدولة ككل ، ثم يكون هناك حاجة إلى تقييم مدى قوة نظام التعليم للتعرف على كيف يعمل عند نقطة معينة من الزمن  “  وينقل  قولهما “  فإن تقييم التعليم على المستوى القومي Greeney & Kallaghan    عن   Powdyle   يوفر المعلومات حول محصلات الإنجاز التي تفرز مقاييس موضوعية لحالة و نوعية ، و أداء نظام التعليم . و المعلومات التي تتاح على هذا النحو يمكن أن تستخدم لأعراض مختلفة مثل : إبلاغ السياسة و معايير الرقابة و العمل بالمعايير الواقعية و تحديد معاملات الإنجاز و توجيه جهود المدرسين و الارتفاع بمستوى إنجازات الطلبة و تعزيز المساءلة و المحاسبة و زيادة الوعي العام و تشجيع المناقشات الجادة و دعم صنع القرار  الجاد  “   2005: 67ـ  68

وفي دراسة مشابهة قام بها عبد الجليل عكاري حول الإصلاح التعليمي في تونس، تبين تحقق تحسنا عاما في مستوى التعليم في تونس ، هذا على الرغم من أن هذا التحسن لم يتضح في انخفاض معدلات الأمية بين الإناث التي ظلت مرتفعة خاصة في المناطق الريفية . و بينت الدراسة أن تونس حققت نتائج كمية بفضل الاهتمام المزدوج بالسياسة التعليمية التونسية التي تتحكم في عدد الطلاب و توفر دعما ماليا للتعليم ، و قد أدى التحكم في عدد الطلاب إلى سيطرة تونس على الإنفاق التعليمي ، و قد أدت إلى أهمية التعليم العام و ضعف إسهام القطاع العام و الخاص ، إذ أن القطاع الخاص لا يقبل سوى عدد محدود جدا من الطلاب و عدم توفر تمويل عام للتعليم الخاص .  2005 : 72

وقد ينحي النقد الموجه لنظم التعليم منحا مبالغا فيه إلى الدرجة التي لا يصبح هناك أي جوانب إيجابية يمكن رصدها أو أخذها في الاعتبار مما يخرج التقويم أو النقد عن مقاصده التي يجب أن توجه إلى الإصلاح والتحسين. وقد نجد في الاستشهاد التالي مثال على ذلك.



يعتقدان أن قادة المدارس ينحنون احتراما عندما يتم طرح قضية إصلاح المدارس، إلا Harvey &Paul أن التغيير في اتجاه الإصلاح لم يؤخذ مأخذ الجد . فالمدارس من منظور ما ظل ينظر إليها كمؤسسات حكومية رسمية يعمل بها موظفون تابعون توفر لهم احتياجاتهم التعليمية من خلال مؤسسات حكومية أيضا ، و عليه فإن الديناميات السياسية  في المجتمع تميل نحو قبول الهيكلة الحالية لأوضاع التعليم و تعدها أمرا طبيعيا . إن الإصلاح في هذا الفهم أمرا مرحبا به ما دام لا يمس مصالح البعض الكبار . و يضيفان في تحليلهما  “  أنه من المؤلم و ذلك بعد عقدين من محاولات الإصلاح في نظم التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية يصبح ليس من المقدور إحداث تغييرا مأمولا حتى و إن كان ذلك استجابة للاحتياجات الواقعية أو استجابة لنتائج الدراسات المسحية الموثقة و الرصينة . و يضيفان أيضا  “   إن نظم التعليم في الولايات المتحدة مثل الجسد المريض الذي يرفض العلاج الذي يمكن أن ينقذه من الموت المحقق . إن القادة على مستوى الولايات   في    Conspiracy of silence العام والخاص مسئولون عن هذه المؤامرة الصامتة   في القطاعين في اتجاه المثابرة على الفشل  “  2004 : 4

يحدد ملامح   Creating the future school   في  دراسته القيمة    Hedly Beare

الأزمة في التعليم الحالي فيقول ” إن العقدين الأخيرين من القرن الماضي شهدا تغييرات كبيرة ، فهناك من يعتقد أن  أهداف التعليم أخذت تشكل نزاعات بين الجماعات المختلفة و إن المستفيدين من التعليم بدءوا ينظرون إليه أنه يشكل عبأ عليهم ، إضافة إلى أن هناك شكوك في جدوى إدارة التعليم ثم في نوع الأفراد الذين   عن الأهمية الاقتصادية للتعليم الحالي و أثر التعليم على   Hadly تنجهم نظم التعليم . من جانب آخر يتساءل زيادة طموحات الأفراد و نوع القيم التي يعمل التعليم على تأكيدها من خلال العمل المدرسي . ثم أخيرا يتساءل عن كون نواتج التعليم ذات واقعية ملموسة أم لا ؟ و أن للتعليم أثر واضح على أسواق العمل ، و أن نظم التعليم ذات قدرة على إحداث الرفاهية الاجتماعية المطلوبة  . “  2001: 6

فقد أشارا  في   Who s teaching your children في دراستهما الموسومة   Tren &Boles أما        Nation in riskالتقرير الهام الذي عرف باسم    تحليلهما إلى    هذا التقرير الذي صدر في عام 1983 و الذي يعد على مستوى العالم كأحد التقارير الأكثر نقدا لنظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية . حيث يشير التقرير إلى : أن نظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية قد تآكل و أنه يكشف عن عدم العدالة في توزيع الخدمات التعليمية على مستحقيها في كافة المستويات . وأن هناك أكثر من 13% ممن هم في سن السابعة عشر يعتبرون أميون وظيفيا . على مستوى اختبارات الإنجاز العالمية لم يحقق الطلبة الأمريكان أية مستويات متقدمة و ذلك بالمقارنة مع الدول الصناعية .  كذلك كشف التقرير عن بعض الإخفاقات المتشعبة من مثل : تدني كفاءة المناهج الدراسية ، تدني في توزيع اليوم و العام الدراسي ، و تدني في الاستخدام الأمثل للوقت على كافة الأصعدة ، و كذلك تدني واضح في مستوى الإنجاز الطلابي و تدني في مستوى تدريب المعلمين و توفير بيئة عمل صالحة و مناسبة لهم .  2003: 19

و نلاحظ هنا أن التقارير النقدية أو التقويمية لنظم التعليم لا تحمل فقط ” نكشا ” أو ” تعرية ” للعيوب أو للاختلالات بقدر ما تحمل طرح بدائل للإصلاح و قد نجد مثالا على ذلك في تقرير برنامج الرئيس الأمريكي جورج بوش لإصلاح التعليم العام في أمريكا الذي صدر في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي تحت عنوان يعرض التقرير في البداية لبعض الملاحظات الصارخة على نظام التعليم No Child Left Behind في الولايات المتحدة الأمريكية و منها  “  في الوقت الذي تدخل فيه أمريكا القرن الحادي و العشرين و هي ممتلئة بالطموحات و الآمال ، نجد العديد من أطفالنا المعوزين يتخلفون عن ركب التعليم . فاليوم حوالي 70% من تلاميذ الصف الرابع في قلب المدن الأمريكية لا يحسنون القراءة في امتحانات القراءة القومية و على المستوى الأساسي . كذلك نجد طلابنا في المدارس الثانوي يأتون بعد كل من قبرص و جنوب أفريقيا في امتحانات الرياضيات الدولية . و أيضا فإن ثلث طلابنا الجامعيين تقريبا في السنة الجامعية الأولى يضطرون لأخذ دروس تقوية قبل أن يتمكنوا من الانخراط في المقررات الجامعية المعتادة . “  ويضيف التقرير  ” هذه النتائج المخيبة للآمال أحدثت ردة فعل و أستقر رأي البعض بوجوب عدم تدخل الحكومية الفدرالية في التعليم . و اقترح آخرون إضافة برامج جديدة للنظام القديم . وبالتأكيد لا بد أن هناك طريق آخر ـ طريق يتيح لدور فيدرالي أكثر فاعلية . “    وقد انبثق عن هذا التقرير عدة توصيات وضعت في مخطط ذوو سبعة بنود   كما يلي  :

ـ  تحسين الأداء الأكاديمي للطلبة الذين لا تتوفر لهم كافة الامتيازات الاجتماعية .

ـ رفع مستوى كفاءة المعلمين .

ـ الارتقاء إلى مستوى الإتقان في اللغة الإنجليزية بالطلبة الذين يعانون من ضعف فيها .

ـ تشجيع البرامج الخلاقة و إعطاء فرص الاختيار للأولياء الأمور .

ـ السعي إلى إيجاد مدارس في القرن الحادي و العشرين تتوفر فيها السلامة .

ـ دعم الإدارات المحلية ماليا لمواجهة متطلبات الحكومة الفيدرالية .

ـ التشجيع على الحرية و ترسيخ قواعد و إجراءات محاسبة العاملين . 1991 :  1 ـ 4

مما تقدم يمكن أن نسجل بعض الملاحظات على أهمية نقد و تقويم نظم التعليم و ذلك كما يلي :

1)  أنه لا يوجد نظام تعليمي مثالي يمكن تقليده و أن نظم التعليم هي انعكاس للحالة المجتمعية وتعبير عن المرحلة التنموية ، و لذلك كل نظم التعليم يجب أن تكون عرضة للتقويم و النقد البناء بحالة مستمرة يكون الغرض منها المراجعة و التخلص من الإخفاقات و الشوائب .

2)  أن هناك أهمية قصوى للحيادية عند نقد و تقويم نظم التعليم و ذلك لضمان أن تأتي النتائج والمقترحات في الاتجاه المرجو و لكي تساعد على تلمس مكامن الخلل بموضوعية كافية . و من هنا تحرص بعض الدول على أن توكل مسألة التقويم التربوي إلى هيئات مستقلة مثل : المركز الوطني للإحصاءات التربوية في الولايات المتحدة الأمريكية ، و هيئة التقويم التربوي الشامل في دولة قطر .

3) قد تجنح بعض التقويمات أو الانتقادات إلى المبالغة في تصوير الاختلالات لاسيما تلك التي تقوم بها             Harvy and Paul  بعض الدراسات البحثية كما لاحظنا ذلك عند

عندما وصفا نظم التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها صممت كاستجابة لاحتياجات المستفيدين الكبار أو أنها كالجسد المريض الذي لا يستجيب للعلاج . و على الرغم من ذلك إلا أن مثل هذه الدراسات قد تكون ذات فائدة من حيث أنها تعلق الجرس أو تنبه لما يمكن أن يحدث من مساوئ أكبر قبل وقوعها .

4) تحرص بعض نظم التعليم على إجراء تقويمات دورية لبرامجها و أنشطتها و مخرجاتها و ذلك لقناعة هذه النظم أن التقويم و النقد البناء يرشد القرار التعليمي و يساهم في اختيار البدائل الناجعة و يختصر الزمن و يوفر الكثير من الإنفاقات و يحقق درجة من الرضا عند المتعاملين مع مؤسسات التعليم و المستفيدين من نواتجها .

مدخل الدراسة و مشكلتها

أصبح التعليم من منظور عالمي مسئولية كبرى تساهم فيها بقوة كل من الحكومات والقطاعات الاقتصادية على تنوعها و السبب في ذلك يعود إلى إدراك المجتمعات المعاصرة لضرورة بناء و تكوين القوى البشرية ضمانا  لتبوأها  مسئولية البناء الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي في مجتمعاتها .  لقد أدركت دول الخليج العربي مبكرا بل أصبح من جل أولوياتها الأساسية  الاهتمام  بنظمها التعليمية و ذلك مباشرة عقب استكمال استقلالها و تسلم مسئوليتها الوطنية و سيادتها على أراضيها و مقدراتها و مواردها . لقد تبلور الاهتمام  بالتعليم من خلال التزايد المطرد في إنفاق الحكومات الخليجية على الاحتياجات التعليمية من مثل بناء المدارس وتعيين المعلمين و الصرف على الكثير من المستلزمات التعليمية كإعداد المعلمين و تعيينهم وتوفير المناهج و الكتب الدراسية و غير ذلك من مستلزمات و خدمات أخرى .

إلا أن دول الخليج العربي أدركت مبكرا أن نظمها التعليمية و على الرغم مما حظيت به من اهتمام على جميع الأصعدة إلا أنها تواجه معضلات حقيقة تحد من قدرتها على القيام بالأدوار المتوقعة منها في ظل ما يواجهه العالم من تغيرات سريعة و تحديات كبيرة ليست دول المجموعة الخليجية بمنأى عنها .

و في هذا الصدد تشير وثيقة لجنة خبراء إعداد الخطة المستقبلية للتعليم في دول الخليج العربية و التي صدرت في الرياض في العام 1993 إلى :  ” إن البنية الأساسية للتعليم في دول الخليج أخذت مكانها الطبيعي مع أفضلية سابقة على مستوى العالم الثالث سواء ذلك من حيث النظم الإدارية ، المناهج ، المعلم و غير ذلك مما يدخل في العملية التعليمية ، إلا أن من الملاحظ أن نظمنا التعليمية لم تحظ بنصيب كبير من المتابعة و التطور و أكتفت ببعض التعديلات و التحسينات على عملية المنهج و إعداد المعلم ، كما أن نظم الامتحانات و التقييم و توظيف المعلمين و التقسيمات الأكاديمية علمي /أدبي لم يجر عليها تغيير كبير بحيث تلبي طموحات المستقبل ، مع العلم أن نظم التعليم في دول الخليج مقارنة ببعض نظم العالم الثالث تتمتع بسمعة جيدة و لكن عصر التكنولوجيا المتطور و السريع و وقوع بعض دول الخليج ضمن الدول التي تتمتع بخصوصية جغرافية ـاقتصادية ـ سياسية و اجتماعية يحتم عليها إعادة النظر في نظمها التربوية إذا ما أرادت اللحاق بركب التطور العلمي و الاعتماد على الذات ” ( مكتب التربية العربي لدول الخليج : 1994: 4ـ7 )

و تعود وثيقة أخرى لمكتب التربية العربي لتأكيد نفس المنحى وذلك في العام 2000  حيث تحدد جوانب القصور في نظم التعليم في دول المجموعة الخليجية على النحو التالي :   “  … فعلى الرغم من الجهود المتواصلة التي تبذلها الدول الأعضاء لنشر التعليم و تحسين مدخلاته إلا أن العائد منه لازال دون المستوى المنشود , كما يستدل على ذلك من خلال مستويات  مخرجات التعليم و أداء المؤسسات التعليمية ، إذ تشير الدراسات إلى واقع التعليم في الدول الأعضاء يغلب عليه الجانب النظري و الاستمرار في تصميم المناهج و إعداد الكتب و المواد التعليمية بألاساليب التقليدية التي تكرس حفظ المعلومات و استرجاعها في عمليتي التعليم و التقويم ، مما يقلل الاهتمام بالمهارات التعليمية العليا ، و تعويد الطلبة حل المشكلات و مواجهة المواقف المستجدة ، و تشجيعهم على المبادرة و تحمل المسئولية ، و ما ينتج عن ذلك من ضعف في كفاءة النظام التعليمي و ارتفاع ونسبة الهدر فيه ” ( مكتب التربية العربي لدول الخليج :2000 : 41ـ42 )

و هذا تشخيص ثالث  لواقع نظم التعليم في دول الخليج حيث يشير علي القرني إلى المشكل التعليمي كما يلي :  ” إن موقفنا باختصار لا يحتاج إلى كثير عناء في التفكير و البحث بقدر ما يحتاج إلى مصارحة في التشخيص و العمل الميداني الدءوب المتمثل في ترجمة حاجتنا للتطوير إلى أن نعيد طرح الوظيفة الأساسية في المدرسة و نركز العمل في إصلاحها بصفتها المؤسسة الأخيرة التي تنفذ فيها العملية التعليمية ” و يضيف على القرني  ” إن مهنة التعليم لدينا تخضع لنظام ينظر إلى المعلمين كما ينظر إلى عمال خطوط الإنتاج في المصانع (مهارات محدودة  منخفضة القيمة و بدون حوافز للتميز و فرص نادرة للتطور يقودهم مديرون غي رسميين لا يملكون الصلاحية و يفتقدون الرؤية الصائبة في إدارة مدارسهم )  “  القرني : 2007 : 36

ومن الملاحظ أن هناك العديد من الدراسات و التقارير الجادة التي حاولت أن تقدم  تشخيصا  لواقع نظم التعليم في دول الخليج من حيث قدرة هذه النظم على أن تكون أداة التغيير المنشود لغرض وضع هذه الدول على خريطة المنافسة في عالم يشهد تطورات سريعة ومتلاحقة. إذا ليس الغرض من التطوير إدخال التحسينات على المناهج و إعداد المعلم و كذلك إصلاح البني التحتية فحسب و لكن الغرض الأسمى هو خلق نظم تعليمية

ذات كفاءة نوعية عالية تعمل على تحسين القدرات البشرية لتواكب احتياجات التنمية و تعمل على إحداث التحول في اقتصاديات دول الخليج من الاعتماد على مصدر الدخل الوحيد تقريبا و هو النفط إلى تعدد البدائل أو المصادر  .  لكن السؤال الذي تحاول هذه الدراسة طرحة هو ما الإشكالات الحقيقة و الموضوعية التي تقف حائلا دون قدرة نظم التعليم في دول الخليج على التطور الفاعل ؟ هذا إذا سلمنا من أن توقعاتنا من نواتج التعليم لا تقف عند حدودها التقليدية إنما تتجاوز ذلك إلى جعل المدارس شريك حقيقي في عملية إعداد القوى البشرية الوطنية متسلحة بالمهارات الوظيفية التي تحتاجها أسواق العمل الخليجية على تنوعها .

و يجدر بهذه الدراسة أن تطرح سؤالا كهذا منطلقين من الفجوة الكبيرة بين ما تنفقه دول مجلس التعاون الخليجي من أموال على تحسين خدماتها التعليمية و بين عوائد هذه الخدمات .

أسئلة الدراسة :

تحاول هذه الدراسة أن تجيب عن الأسئلة التالية :

السؤال الأول  :  ما الأطر العامة لنظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي ؟

السؤال الثاني :  ما  ضرورة تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي؟

السؤال الثالث :  ما الإشكالات الموضوعية التي تقف في وجه تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي ؟

أهمية الدراسة :

تعتبر هذه الدراسة ذات أهمية  حيث أنها تنطلق من بحث الأطر العامة التي تميز نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي تلك الأطر التي تجعلها متشابهة يمكن النظر إليها كحزمة نظم تعليمية واحدة . ثم تتناول الدراسة أيضا و بعمق تحليلي الإشكالات التي تواجه هذه النظم و التي تحد من نموها و تطورها ، و عليه يمكن تحديد أهميتها على النحو التالي :

1)  أنها سوف تساهم في بحث الأسباب و النتائج فيما يتعلق بإشكالات تطوير التعليم في دول المجلس مما يعد  مساهمة في إثراء هذا الجانب الهام .

2)  أنها سوف تلقي الضوء على ما يحكم هذا النظم من تقارب تمليها الظروف الاجتماعية و الاقتصادية لهذه  الدول .

3)  أنها سوف تطرح مقترحات و توصيات لمعالجة بعض الاختلالات في نظم التعليم في دول المجلس حيث  يمكن أن يستفيد منها المسئولون و أصحاب القرار .

4) أنها سوف تسد فراغا فيما يتعلق بهذا النوع من البحوث حيث يمكن أن يستفيد بها الباحثون في المجال .

منهج الدراسة :

سوف تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي أي وصف الظاهرة و محاولة تحليلها معتمدين على ما يتم توفيره من دراسات و تقارير و معلومات و بيانات تتعلق بموضوع الدراسة ، و هي لن تخرج عن حدود الإجابة عن أسئلتها الثلاثة المبينة .

مصطلحات الدراسة

1)  دول مجلس التعاون الخليجي :   و هي دولة الكويت و المملكة العربية السعودية و دولة البحرين و دولة قطر و سلطنة عمان و دولة الإمارات العربية المتحدة . وهذه الدول الست تشكل مجلس التعاون الخليج و الذي أنشأ في العام 1982

2)   التطوير التربوي :  يقصد بالتطوير التربوي الانتقال من الحالة القائمة للأحسن و الأكمل و الأحدث ، و يتم ذلك من خلال رصد الواقع و رسم معالم المستقبل و البناء التدريجي خلالهما وفق خطة مدروسة   و متجددة . و تهتم المؤسسات الحديثة بالتطوير التنظيمي و الذي يعني ، مجموعة وسائل التدخل للتغيير و المهارات و النشاطات و الأساليب المستخدمة لمساعدة العنصر البشري والمؤسسة لتكون أكثر كفاءة .

أو هو  عملية التخطيط و الإدارة العلمية التي تستهدف تغيير ثقافة المنظمة و سلوكها و نظامها من أجل تحسين فعالية المنظمة في حل مشاكلها و تحقيق أهدافها .

3)  إشكالات التطوير : هي مجموع الصعوبات و المعوقات التي تقف حائلا دون التقدم نحو الأمام و التي تحد من الاستخدام الفاعل للإمكانات البشرية و المادية المتاحة .

4)  المعوقات : يقصد بالمعوقات في هذه الدراسة كل الصعوبات المادية و البشرية و التنظيمية التي تقف حائلا دون تحقيق مؤسسات التعليم العام لأهدافها المحددة .

5) البدائل :  كل ما يمكن طرحه من حلول موضوعية للتغلب على الصعوبات الآنية و المستقبلية و التي يمكن أن تواجه مؤسسات التعليم العام و تخص في هذه الدراسة دول مجلس التعاون الخليجي .

6)   الإصلاح التعليمي  : يقصد بالإصلاح التعليمي في هذه الدراسة هو العمل على تبني سياسات و استراتيجيات و خطط عمل تقود إلى إحداث تغييرات جذرية في نظم التعليم بأنواعه ،  و يتطلب ذلك إعادة  النظر في الرؤى و الأهداف و الإمكانات البشرية و المادية

مناقشة وتحليل أسئلة الدراسة

السؤال الأول : ما الأطر العامة لنظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي ؟

و يتفرع عن هذا السؤال الرئيسي ما يلي :

1)  ما أثر التشابه بين نظم التعليم في دول المجلس على التعاون المشترك بينها لتطوير التعليم ؟

2)  هل كان التشابه بين نظم التعليم في دول المجلس ميسرا للتطوير المشترك أم معسرا له ؟

تتشابه أنظمة التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي في كونها نتاج لمسئولية الدولة التي آلت على نفسها  أن توفر لمواطنيها أغلب الخدمات المعيشية و منها التعليم . و تتعدد هنا مسئولية الدولة فهي التي توفر البنى التحتية للتعليم من مباني مدرسية و تجهيزات مادية متنوعة كالصفوف و المختبرات و المكتبات و أماكن الصلوات , إضافة إلى الملاعب و المراسم و غيرها . و تمتد مسئولية الدولة عن التعليم إلى تعيين المعلمين و دفع مرتباتهم و تدريبهم أثناء الخدمة ، و العمل على إعداد المناهج و توفير الكتب المدرسية لكافة مراحل التعليم و حسب المجالات الدراسية . وكذلك الإشراف الكامل على تعيين القيادات التعليمية مثل القياديين في الوزارات و المناطق التعليمية و كذلك مديرو المدارس و المشرفون الفنيون و الموجهون و سواهم .

والجدير بالذكر أن دول مجلس التعاون الخليجي تقدم كافة خدماتها التعليمية لكافة مواطنيها بالمجان و في كافة مراحل التعليم من الرياض حتي المرحلة الجامعية أو بعد ذلك كالحصول على الدرجات العلمية العليا .

من جانب ثان تتشابه نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي في التشريعات و القوانين التي تنظم التعليم ، فمن حيث مجانية التعليم هناك اتفاق على أن التعليم حق لكافة الموطنين ، و الحق هنا يعني أن الدولة ملزمة بتوفير كافة الخدمات التعليمية دون أن تطالب مواطنيها بدفع أية رسوم أو ضرائب . و نجد هذا المعنى في قوانين التعليم أو في دساتير هذه الدول فعل سبيل المثال ينص دستور دولة الكويت في المادة رقم (13) على أن  ” التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع تكفله الدولة و ترعاه ” (دستور دولة الكويت : 1962 )

وينص دستور دولة قطر في المادة رقم (26) على أن  ” التعليم دعامة أساسية من دعائم تقدم المجتمع ، تكفله الدولة و تسعى لنشره و تعميمه ” (دستور دولة قطر : 2001 )

ونجد أن دستور سلطنة عمان ينحى إلى نفس التوجه عندما ينص في مادته رقم 13 على  ” التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع ترعاه الدولة و تسعى لنشره و تعميمه “  و كذلك  ” توفر الدولة التعليم العام و تعمل على مكافحة الأمية و تشجع على إنشاء المدارس و المعاهد الخاصة بإشراف من الدولة و وفقا لأحكام   القانون “  (دستور سلطنة عمان 1996 )

و على الرغم من أن التوجه نحو المجانية المطلقة لتقديم الخدمات التعليمية في جميع دول الخليج يعد إيجابيا  من منظور ما إلا أن ذلك قد يكون ممكنا على المدى القريب و المدى المتوسط لكنه في تقديرنا لن يبدو كذلك على المدى البعيد خاصة عند الوضع في الاعتبار بعض المتغيرات المستجدة و منها تزايد الطلب على التعليم نتيجة لتزايد معدلات النمو السكاني حيث تشير الإحصاءات السكانية إلى أن عدد الطلبة الملتحقين بمراحل التعليم الثلاث في الدول الأعضاء سوف يستمر في الازدياد ، حتى يتضاعف  بحلول عام  2015  (وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي : 2000 : 40 )  إضافة لارتفاع معدلات الإنفاق الحكومي في دول المجلس مع ما يمكن أن تشهده أسعار النفط من تذبذبات في أسعارها .

من جانب ثالث تتشابه نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث هيكلتها الإدارية حيث  تهيمن على تقديم الخدمات التعليمية وزارات التربية و التعليم التي تتبع في الأغلب نظاما مركزيا في إدارتها لشئون التعليم فجميع القرارات المرتبطة بالسياسات و الخطط العامة و قرارات الميزانيات و التمويل و المناهج يتم اتخاذها مركزيا . إضافة إلى أن الجهاز المركزي في الوزارات هو الذي يختار و يعين القيادات العليا و الوسطى ، و يختار و يعين مديرو المدارس و الموجهين و المشرفين الفنيين و يحدد لهم طرق عملهم القيادي أو الإشرافي . كذلك تهيمن وزارات التربية و التعليم على إعداد المناهج و تأليف الكتب المدرسية و هي التي تراقب المستويات الدراسية و ما يقدم للتلاميذ من أنشطة تعليمية و فعاليات أخرى .

وتتشابه نظم التعليم في دول المجلس من حيث أساليب التقويم و نظم امتحانات الشهادات العامة فيتم وضع الامتحانات وفق توجيهات مركزية و تتولى أجهزة التواجيه العامة للمواد الدراسية هذا الدور . و تتدخل الأجهزة المركزية في وزارات التربية و التعليم في التفاصيل اليومية للعمل المدرسي من حيث تحديد طول العام المدرسي ، و طول اليوم المدرسي ، و عدد الحصص الأسبوعية ، و زمن كل حصة ، من خلال قرارات مركزية تنفذها المدارس بالتزام شديد.   في هذا الصدد تشير دراسة حول أثر المركزية على أنماط الإدارة المدرسية كما يلي :  ” تحدد وزارة التربية و ترسم لناظر المدرسة كل الأعمال و المهمات المطلوبة منذ اليوم الأول للعام الدراسي و حتى تسليم درجات امتحانات آخر العام و ذلك عن طريق الكم الكبير من التعليمات التي تصل إلى المدارس . إن التدخل الشديد بعمل الناظر أو الناظرة خلق نمطا من النظار وهم الغالبية يعتمد على المركزية التنفيذية في تصريف أمور مدرسته فهو يتعامل مع مدرسيه و طلابه بالطريقة التي تعامله بها الوزارة فكل الخيوط بيده و كل الأختام على مكتبه و كل الأوراق تمر من تحت سيطرته  ” المسيليم : الإدارة المدرسية في الكويت الواقع و المشكلات : 1994 :94 و على الرغم من هذا التوجه الشديد نحو المركزية الإدارية لنظم التعليم  إلا أنه قد حدثت محاولات للتوجه نحو اللامركزية من خلال إنشاء المناطق التعليمية أو المحلية و التي أنيط بها في الأغلب تصريف الشئون التنفيذية للمدارس التي تقع في محيط كل منطقة منها . و نلاحظ هنا أن المبدأ الذي تقوم عليه فكرة إنشاء المناطق التعليمية  في دول الخليج هو مركزية التخطيط و لا مركزية التنفيذ إلا أن هذا المبدأ لم يحض بالاهتمام المطلوب ليتحول من مجرد شعار إلى واقع يساهم في تطوير العمل المدرسي تطويرا حقيقيا .

جانب رابع من تشابه الخطوط العامة لنظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي هو منظومة المناهج ، حيث أن وزارات التربية و التعليم ممثلة بالإدارات المركزية للمناهج تقوم بجميع الإجراءات المتعلقة ببناء المناهج و إعداد الكتب المدرسية من تحديد المجالات الدراسية و وضع الأهداف الخاصة للمواد الدراسية إلى وضع وثائق المنهج إلى تشكيل لجان التأليف و الإشراف المباشر على أعمالها إلى طباعة الكتب ، ثم القيام بتجريبها و تشكيل لجان تقويمها و تعديلها أو إعادة تأليفها .  إن هذا التقارب الشديد في بنية المناهج بين دول الخليج بلا شك شجع المسئولين عن المناهج في وزارات التربية و التعليم الخليجية على تبني خطة مشتركة لتطوير المناهج تحت إشراف مكتب التربية العربي لدول الخليج .

إضافة إلى ذلك ، هناك  تقسيمات المناهج من حيث المجالات المعرفية بفرعيها الأدبي و الذي يحتوي على التربية الإسلامية و القرآن الكريم و اللغة العربية و اللغة الإنجليزية و الاجتماعيات ، و الفرع العلمي الذي يحتوي على العلوم العامة و الرياضيات و العلوم التجارية و الحاسوب . إضافة إلى بعض المجالات الأخرى مثل التربية الفنية و التربية الرياضية و التربية الموسيقية و الاقتصاد المنزلي و مهارات الحياة و بعض المقررات العملية الأخرى . و قد تكون خطط المناهج في دول مجلس التعاون متشابهة إلى حد كبير حيث تلعب اللقاءات الخليجية على مستوى القمة أو على مستوى المسئولين التربويين من خلال الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي أو مكتب التربية العربي لدول الخليج دورا مهما في تقريب سياسات التطوير و الاستفادة من تجارب كل دولة من دول  المجلس . و من الملاحظ على حركة تطوير المناهج في دول المجلس أنها ولفترة زمنية طويلة نسبيا تأثرت بجمود المناهج في الأقطار العربية الأخرى لاسيما جمهورية مصر العربية و سوريا و العراق التي اعتمدت دول المجلس على استيراد مناهجها لفترة زمنية طويلة ، بل أنه حتى عندما بدأت دول المجلس في مطلع السبعينيات من القرن الماضي تنتج مناهجها الخاصة أوكلت هذه المهمة في الغالب لخبراء المناهج العرب .

جانب أخير من تشابه الخطوط العامة لنظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي هو تأثر هذه النظم بنظم التعليم العربية بوجه عام و كما لاحظنا في إشارتنا عن المناهج ، فمن المنظور التاريخي نجد أن الولادات الأولى لنظم التعليم الخليجية من حيث الهيكلة و الأهداف و البرامج  لم تكن يوما محلية الطابع بالقدر الكاف مما يعتبر أحد إشكالات تطويرها بل كانت منسوخة من نظم التعليم العربية في كل من مصر و سوريا و العراق ، و أصبحت هذه النظم قوية  فقد أخذناها دون وعي و فرضناها على أنفسنا دون تدقيق أو تمحيص بكل ما فيها من إيجابيات و سلبيات . و ظلت هذه النظم التعليمية العربية المستوردة تؤثر في نظمنا التعليمية فأفقدتها محليتها و خصوصيتها و أصبحنا نواجه صعوبات جمة في التخلص منها بابتداع نظمنا التعليمية الخاصة ذات الصبغة الخليجية المتوافقة مع تطلعاتنا و تحدياتنا التي هي بالضرورة تختلف عما يواجهه   غيرنا .

ما أثر التشابه في نظم التعليم بين دول مجلس التعاون الخليجي على حركة تطوير التعليم ؟

يعتبر من الأهمية بمكان طرح مثل هذا السؤال و نحن نبحث في إشكالات تطوير التعليم في دول المجلس خاصة للتعرف على كون التشابه في نظم التعليم جاء لصالح التطوير و هل استفادة منه دول الخليج أم أن هذا التشابه لم يكن ذا جدوى فيما يتعلق بحركة تطوير نظم التعليم ؟

في تقديرنا أن دول مجلس التعاون الخليجي أدركت مبكرا في سبعينيات القرن الماضي أن تعاونها في مجالات عديدة ومنها التعليم سوف يضمن تقاربها أكثر خاصة مع توفر الكثير من شروط هذا التقارب جغرافيا و سكانيا و دينيا و ثقافيا .

لقد كان مجال التعليم من أكثر المجالات سعيا وراء التقارب الخليجي من خلال آليات عمل واضحة و محددة كإنشاء مكتب التربية العربي لدول الخليج في العام 1975 و مركز البحوث التربوية لدول الخليج فيما بعد و جامعة الخليج العربي في البحرين و غيرها من المراكز المتخصصة . إن إنشاء هذه المؤسسات التعليمية و  المراكز المتخصصة ، لم تكن  فقط لغرض التعاون بين هذه الدول و لكن لإدراك المسئولين للتشابه الكبير بين نظم التعليم بحيث يسهل تعميم المشاريع التطويرية و خاصة إذا جاءت برغبة جماعية و كعمل جماعي   .

لقد شجع هذا التشابه بين نظم التعليم المسئولين على تبني مشاريع مشتركة كثيرة لعل أبرزها المناهج المشتركة في الرياضيات و العلوم  و التي تم إنجازها  و تعميمها على دول المجلس . و قد اختلفت دول المجلس في اللإتزام باستخدام المناهج المشتركة فمنها من تراجع عنها مباشرة و منها من التزم بتطبيقها لسنوات عديدة و في هذا الصدد كلا له أسبابه  . ظلت الرغبة في التعاون بين دول المجلس في مجالات تطوير التعليم قائمة فقد أشارت وثيقة التطوير الشامل للتعليم الصادرة عن مكتب التربية العربي في العام 2002 لما يلي : .. و قد أقرت الدورة 20 للمجلس الأعلى الخطة المشتركة لتطوير مناهج التعليم حيث تضمنت 20 برنامجا شملت تطوير الأهداف العامة للتعليم بحيث تتضمن إبراز الروابط المشتركة بين دول المجلس . كذلك شملت الخطة دراسة الوزن المناسب تخصيصه لمختلف المواد الدراسية من حيث الحجم و الوقت المخصص لكل منها و تكامل المواد الدراسية المتقاربة . و شملت الخطة المشتركة تنفيذ برامج لتحديد الكفايات العلمية و المهنية للمعلمين في كل مرحلة دراسية .  ” مكتب التربية العربي : 2002 : 34ـ35

إلا أن تنفيذ هذه المشاريع لم يتحقق بالصورة المرجوة على الرغم من النوايا الجادة للمسئولين في وزارات التربية و التعليم الخليجية و قد يعود ذلك لأسباب عديدة  و لهذا الغرض قمنا بمراجعة العديد من الوثائق الصادرة عن مكتب التربية العربي لدول الخليج   ولم نجد أي وثيقة ترصد ما نفذ من مشاريع تطويرية مشتركة منذ تأليف مناهج الرياضيات و العلوم التي أشرنا إليها سابقا في سبعينيات القرن المنصرم . إن عدم تنفيذ مشاريع تطوير التعليم المشتركة قد يعود في تقديرنا للأسباب التالية :

(1)  أن كل دولة منفردة لها مشاريعها التطويرية الخاصة بها مما يجعل تنفيذها للمشاريع المشتركة يتعارض مع ذلك .

(2)  ما تواجهه مشاريع التطوير المشتركة  من بطء في إقرارها على مستوى الدول الأعضاء نتيجة لبطء آليات العمل من حين بزوغ فكرة المشروع إلى إحالته للجان المختصة لدراسة جدواه إلى اعتماده بصيغته النهائية .

(3)  الضغوط السياسية على التعليم مما يجعل بعض وزارات التربية تتنازل عن بعض المشاريع التطويرية إرضاء لهذه الضغوط و خاصة تلك المتعلقة بالتعاون المشترك (دولة الكويت مثال على ذلك )

(4) عدم توفر التمويل اللازم أو المناسب لمشاريع التطوير المشتركة و خاصة أن هذه المشاريع على الأغلب  لا يحسب حسابها عند وضع الميزانيات العامة لوزارات التربية و التعليم  في كل دولة على حده .

إذن و مما نلاحظه من تحليلنا السابق أن التشابه في نظم التعليم بين دول مجلس التعاون الخليجي لم يساهم في تطوير التعليم من خلال المشاريع المشتركة على الرغم من توفر الرغبة لدى المسئولين عن التعليم وقد يكون عامل التشابه هذا مشجعا و ليس محفزا بالدرجة الكافية لكي تستفيد منه هذه الدول لدعم العمل التعليمي المشترك و الذي كان يمكن أن يوفر أرضية خصبة للتطوير .

السؤال الثاني :  ما  ضرورة تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي ؟

يتفق كثير من المسئولين التربويين و المتخصصين الأكاديميين و المهتمين بشئون التعليم عامة على أن دول مجلس التعاون الخليجي كمنظومة لديها فرصة ذهبية للنهوض بنظمها التعليمية لتنافس دولا أخرى كان لها السبق في هذا المجال التنموي الهام . إلا أن من يرى ذلك يتساءل عن الأسباب الحقيقية  و الجوهرية التي تقف عقبة أمام تحقيق ما تصبو إلية دول مجلس التعاون الخليجي . و يبدو أن المعطيات التي بين أيدينا و التي تجعلنا نطلق على  نظمنا التعليمية أوصافا “تشاؤمية” أقلها أنها بعيدة عن الطموحات المتوقعة مقابل تكلفتها الباهظة أو أنها غارقة في تقليديتها في الوقت الذي شهدت فيه كثير من نظم التعليم ، تحولات كبيرة في اتجاه ضبط مدخلاتها و عملياتها و مخرجاتها . و تشير في هذا الصدد وثيقة صادرة عن مكتب التربية العربي لدول الخليج  2007: 30 إلى ضرورة العمل المشترك لتطوير التعليم كما يلي :  ” و على الرغم من كل المشروعات و البرامج يظل التعليم ميدانا رحبا للتطوير و التحديث ، و التطوير هو مجالا للجدل و النقاش في المجتمعات التي تستهدف التطوير و لعل لنا في اليابان و الولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا و فرنسا و دول العالم المتقدم علميا أنموذجا في ذلك ، فإذا كان بعضهم قد وصف نفسه بأنه في خطر أو أمة معرضة للخطر و بعضهم يعيد النظر في أنظمته و مناهجه التعليمية كلما وجد عجزا في ميزانه التجاري و آخرون يفتشون بين الحين و الآخر عن التعليم بحثا عن نقص أو وقوفا على سلبياته في التحديث و التطوير .. فما بالنا نحن و ماذا يمكن أن نقول أو نفعل بعد أن صار البون شاسعا بيننا و بين ما ننشده منذ عقود من تنمية و تطور و تحديث “

إن مسألة تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي لم تعد مجرد خيار تنموي كتلك الخيارات التي يجب أن تطال الخدمات المعيشية لإنسان الخليج عامة بل هو خيار استراتيجي نهائي لا يحتمل التردد أو التبطء أو التسويف ، و يعود السبب المنطقي لهذا التوجه إلى كون بناء القوة البشرية دعامة التنمية و أساسها لا يمكن لها أن تتحقق دون ضمان تكوينها تكوينا حقيقيا يستند على نظم تعليمية و تدريبية عالية الجودة تشمل التعليم العام و التعليم العالي بأنواعه و تفرعاته .

إن العلاقة المتنامية بين التعليم و التنمية لا شك أنها مثار جدل واسع بدء و لن ينتهي فكلاهما قائم على الآخر و معتمد عليه و كلاهما في حاجة إلى الآخر و مستند عليه ، فكيف لتنمية اقتصادية و سياسية و إدارية و علمية و تعليمية أن تقوم في مجتمع تكون نظمه التعليمية الأولية قاصرة ؟ و كيف لنظم تعليمية فاعلة أن تقوم في ظل تخلف تنموي قائم ؟ و لذلك ليس لدول مجلس التعاون الخليجي من خيار إلا أن تطلق العنان لخيار التنمية المدعم برأس المال البشري الكفؤ الذي يرتكز على القدرات البشرية للإنسان الخليجي .

دعونا ننظر لرأي أحد الباحثين في الشئون التربوية في منطقة الخليج و رؤيته في دور التعليم و التربية في بناء المستقبل و ذلك عند البدايات الأولى للنهوض و التغيير في المنطقة :  ” الحديث عن العلاقة بين التربية و احتمالات التطور المستقبلية في الخليج قضية صعبة . و مصدر الصعوبة هنا هو أن الذين يتصدرون لسبر غور هذه العلاقة أو استكشافها يتوجب عليهم أن يتبينوا ضوابط الحاضر التربوي و حواكمه لأن المستقبل لن يكون ألا بناء فوقيا لحاضر اليوم . فهل نحن نملك سيطرة ـمن أية درجة كانت ـ على حاضر التعليم في الخليج العربي حتى نتأذن لأنفسنا بالمغامرة بالحديث عن مستقبله ؟ و إنسان الخليج .. هذا الذي نريد استقراء مستقبله و ما يستطيع التعليم أن يفعله له أو أن يفعله فيه .. هل سيظل هو ذاته بعد عشر سنين من  الآن ؟ “  رضا : 1975 :14

باحث آخر كان شاهدا على تلك المرحلة أيضا و هو يحدد رؤيته لضرورة و أهمية التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي : ” .. بعد استخراج البترول و تسويقه ، اتجهت دول الخليج النفطية إلى قطاع التعليم ، تنفق عليه بسخاء فكان أكبر قطاع نال التشجيع و الاهتمام ، و أخذ يتوسع بنسب مضاعفة في أكثر المجتمعات ، و حتى تلك المجتمعات التي لم يتوفر لها فائض مالي كبير وجهت جزء لا بأس به من ميزانياتها للإنفاق على التعليم . هذا الاهتمام دافعه في الحقيقة ليس كدافع الاهتمام بقطاعات أخرى كالتصنيع أو الدفاع ـ جاء طارئا مع النفط ـ إنما هو أعمق من ذلك بكثير ، فقد كان التعليم أو المتعلم أو الإنسان الذي يعرف الكتابة و القراءة ، إنسانا عزيزا على مجتمع الخليج ينظر إليه باحترام .. و يكن لرأيه التقدير . ” الرميحي : 1975 :85

إن مبادرة تطوير التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي كان لها السبق كما لاحظنا من آراء لبعض الباحثين في الشأن الخليجي ، و إن هذا السبق كان وليد الثقافة الخاصة لدى جيل ما قبل النفط في نظرته الإيجابية للفرد المتعلم من جانب ، و هو من جانب آخر أي تطوير التعليم يعتبر ضرورة أوجبها الحراك المجتمعي الجديد التي كانت له تبعاته ومن أولوياتها المعلنة إعداد جيل ما بعد اكتشاف النفط ليتولى عملية إدارة التنمية و احتياجاتها المتعددة .

لا أحد يستطيع أن يقلل من جهود حكومات دول المجلس في اتجاه دعم التعليم فموازنات التعليم تضاعفت لأكثر من عشر أضعاف في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين ، بل أنه في السنوات الأخيرة تجاوز ما تنفقه دول المجلس على التعليم في المتوسط 6% من  الدخل القومي السنوي و هذا يزيد عن المعدل العالمي الذي حددته منظمة اليونسكو ب 4%  .

و تشير البيانات  الحديثة إلى أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربي قد وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي نتيجة لعائدات النفط العالية و لالتزام دول المنطقة بتطوير نظمها التعليمية . و تشير أيضا إلى أن الإنفاق على التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي سيتجاوز 35 مليار دولار أمريكي عام 2008 ، و تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا المجال حيث زادت نسبة إنفاقها على قطاع التعليم إلى ما نسبته 17% من مجمل الإنفاق الحكومي في العام 2006 ، (1) كذلك ارتفع معدل الإنفاق على التعليم في دولة الكويت من حوالي 700 مليون دينار عام 2007 إلى حوالي مليار دينار في موازنة 2009/2010 ، أما في مملكة البحرين فقد شهدت ميزانية الدولة المخصصة للتعليم ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الخمس الماضية ، إذ ارتفعت من 93 مليون دينار في العام 2001 إلى 157 مليون في العام 2006 ، ووفقا لبعض البيانات المنشورة فإن ميزانية التعليم في المملكة العربية السعودية شهدت زيادة كبيرة خلال السنوات الأخيرة حيث بلغت في العام 2004 /2005 مبلغ 209 آلاف مليون ريال .  (2)

و وفقا لبعض التقارير استمرت حكومات دول مجلس التعاون الخليج في الإغداق على الخدمات التعليمية و دفع عجلة النمو فيها من خلال مزيد من الاستثمارات في البنى التحتية و تدريب الطاقات البشرية .

لقد كان نتيجة هذا الدعم من قبل الحكومات أن ارتفعت معدلات الطلب على التعليم من الجنسين و سنت قوانين لإلزامية التعليم (قانون رقم 11 لعام 1965 في دولة الكويت) و (قانون رقم 25 في دولة قطر ) و بذلك قفز عدد المسجلين في مراحل التعليم العام الثلاث في الدول الست من حوالي 765 ألف طالب و طالبة  عام 1970 إلى أكثر من 5 ،4 مليون طالب و طالبة عام  1994 (مشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في دول الخليج العربية: 22)  و تحسنت  البنى التحتية للتعليم كإنشاء  المباني المدرسية و تجهيزها و أنشئت كليات و معاهد إعداد المعلمين، و بدء إنتاج مناهج وطنية و بذلك تم الاستغناء عن المناهج المستوردة من الدول العربية . إن هذا يعني أن حركة تطوير التعليم في بداياتها في دول المجلس أخذت بعدا كميا و هو الأمر المتوقع بل من المنطقي أن تتوجه الجهود في المرحلة الأولى هذا الاتجاه كما هو الحال في كثير من دول العالم فليس ثمة اعتراض أن تكون مرحلة التطوير هذه مرحلة كمية إن جاز التعبير . لكن المشكلة في تقديرنا أن يتوقف فهمنا للتطوير عند الجانب الكمي فتصبح ” ثقافة التطوير”  تعني لنا مجرد إنشاء المدارس القريبة و النائية و تعيين المعلمين و ضمان تسجيل التلاميذ و استيعابهم ثم نجاحهم في امتحانات الشهادات ثم انتقالهم إلى التعليم العالي أو سوق العمل الذي في الأغلب دوائر الحكومات .

(1) مركز دراسات الاقتصاد الرقمي “مدار ،

(2) وزارة التربية ، دولة الكويت ،   وزارة التربية و التعليم ، مملكة البحرين ،وزارة التربية و التعليم ،المملكة العربية السعودية

إن هذا الاهتمام البين في إشاعة و نشر التعليم العام و العمل على تطويره على المستوى الحكومي لاشك  أنه يعكس مسألة ضرورة تطوير التعليم على مستوى دول المجلس  فليس القصد التعليم من أجل التعليم و لكنه الوعي الآخذ في التنامي بأن الاستثمار الحقيقي هوا لاستثمار في العنصر البشري دعامة التطوير و التقدم .  لكن تحقيق هذه الضرورة ليس بالأمر السهل خاصة إذا كان المنظور هو العمل المشترك الذي تحاول دول المجلس أن تحققه من خلال مشاريع التطوير التي يتبناها مكتب التربية العربي بدعم من أعضاءه ، أو من خلال المشاريع الفردية التي تقوم بها دول المجلس  . لكن قبل ذلك دعونا نركز تحديدا على الجوانب التي نعتقدها تشكل كون تطوير التعليم في دول مجلس التعاون ضرورة ، فما هي هذه الجوانب تحديدا ؟

1) إن الاستخدام الأمثل لعائدات النفط التي توفرت لدول الخليج تستدعي استخدام جزء منها في تنمية القوى البشرية الوطنية التي يجب أن تحل مكان القوى البشرية الوافدة و ليس أمام تحقيق ذلك إلا دعم المؤسسات التعليمية في مستوياتها الدنيا و العليا (المدارس و الجامعات) هذا الدعم الذي يجب أن يتعدى توفير التعليم كخدمات اجتماعية إلى جعله أداة لتحسين القدرات و المهارات البشرية وفق احتياجات السوق و متطلبات التنمية .

2) إن ضرورة تطوير التعليم في دول المجلس هي أحد مستلزمات مواجهة التحديات المحلية و الإقليمية و الدولية ، فإنسان الخليج لا يعيش في معزل عن هذه التحديات إن كانت سياسية أو دينية عقائدية أو تقنية علمية ، و ليس من وسيلة لمواجه هذه التحديات إلا من خلال تعليم فاعل يساهم في الارتقاء بالفرد الخليجي ليجعله في مستوى هذه التحديات .

3) تنمية الثروات النفطية و حسن إدارتها و استثمار عائداتها و خلق بدائل لها لا يتحقق إلا من خلال العقل الخليجي المبدع الخلاق و هذا العقل لا يمكن تكوينه إلا بالتعليم فهاهو عالم الاقتصاد تيودر شولتز   يقول أمام الجمعية الاقتصادية الأمريكية  قبل منتصف القرن المنصرم ” إن محصلة عملية التعليم أو مخرجاتها تعتبر مصدرا من مصادر الإنتاج بمعنى أن العنصر البشري المتعلم يعتبر رأس مال متكون يجب استثماره ” و يقول :  “  إن الإنفاق على التعليم يعتبر استثمارا بالمعنى نفسه الذي يفهم فيه الاستثمار في الاقتصاد مع فارق العائد بالطبع  ” المسيليم 2002 :  28ـ29

4) إن قدرة دول المجلس على مواجهة معوقات التنمية الاجتماعية و السياسية و الإدارية و التمويلية لا يمكن مواجهتها أو التغلب عليها إلا  بتعليم الأفراد فقد دلت الدراسات على أن للتعليم فوائد جمة  ، و في هذا الصدد يشير العالم بابي إلى ” أن التعليم يؤدي إلى أن الأفراد الذين تقع عليهم مسؤولية اتخاذ القرارات المصيرية سواء كانت قرارات فنية أو اقتصادية أو سياسية يمتلكون معرفة علمية عميقة و شاملة و سعة أفق و أخلاق مهنية تحميهم من تجنب الوقوع في أية أخطاء قد تشكل خطورة على سلامة المؤسسة التي هم مسئولون  عنها “  و يقول بابي أيضا ” إن التعليم الجيد عبارة عن أداة من شأنها أن تعمل على تحسين المخرجات الكفوءة في شتى قطاعات الإنتاج الصناعي و التجاري و الزراعي و التقني و هذا يساهم في التقدم   الاجتماعي  ” المسيليم : 2002 :59

5) إن الحفاظ على الأمن الاجتماعي لسكان دول المجلس مسئولية مستجدة و نقصد بذلك قدرة هذه الدول على دمج أفراد مجتمعاتها في بوتقة  واحدة  بعيدا عن التقسيمات العرقية و الطائفية و غيرها و قد بينت تجارب بعض المجتمعات على أن مؤسسة التعليم هي أقدر مؤسسات المجتمع على القيام بهذا الدور الهام ، و من هنا يصبح تطوير التعلم ضرورة لا جدال فيها.

إذا دول مجلس التعاون الخليجي تواجه  ” حالة ضرورة ” تطوير نظمها التعليمية بل أن هذه الضرورة تشكل تحديا شرسا فإما أن نكون أو لا نكون ، و مما عرضناه في النقاط الخمس السالفة يضعنا في مفترق طرق و علينا أن نختار بين تعليم الحد الأدنى و تعليم المستقبل  . وفي هذا المنحى يشير الفارس في دراسته مؤشرات النمو الكمية التربوية في ضوء الإسقاطات السكانية والاقتصادية خلال العقدين القادمين  لما يلي :  ” .. و التعليم من أهم أدوات تنمية القدرات البشرية، إن لم يكن أهمها جميعا . فالنظام التعليمي موكول به ليس فقط مجابهة ضرورات الحاضر ، و إنما أيضا الاستعداد لتحديات المستقبل . فالتعليم هو الطريق لأي نهضة حقيقية، وتقدمه أو تخلفه سيحدد بلا شك تقدم أو تخلف الأمم . ” الفارس : 1998 : 22

السؤال الثالث: ما الإشكالات الموضوعية التي تقف في وجه تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي ؟

ما سنطرحه من تحليل و نحن نحاول معالجة السؤال  الثالث من أسئلة الدراسة ينطلق مما عرضناه من تحليل في السؤالين السابقين , حيث ركزنا على التشابه البنيوي بين نظم التعليم الخليجية من جانب و على ضرورة تطوير و إصلاح هذه النظم . و لئن كان البحث في مقومات التطوير ضروريا فإن التوقف عند مكامن الخلل و الضعف تبدو لازمة بفعل ضرورة الإصلاح و الحاجة إليه .  و في هذا الصدد تشير وثيقة لجنة خبراء إعداد الخطة المستقبلية للتعليم في دول الخليج لما يلي : ” .. أما السبيل الثاني للإصلاح فهو التركيز على  ما نراه عيوبا أو أدواء في التعليم بنظمه الحالية نود أن تواجهها الخطة المستقبلية و أن تبنى أهدافها و مشروعاتها للتخلص منها . و على الرغم من أن هذا لا يقل صعوبة عن تحديد الأهداف المنشودة إلا أننا قد نستطيع أن نتفق بشكل عام على أن الأدواء التي نلاحظها جميعا و تعانيها نظمنا التعليمية بشكل عام يمكن أن تتلخص قضاياها العامة في الجوانب التالية :

ـ كون التعليم بمناهجه و كتبه الدراسية و إعداد معلميه ما زال منفصلا ، أو غير ملاحق للتطور العلمي و المعرفي في المجالات المختلفة و أن علينا جهدا كبيرا في أن يصبح تعليمنا و أولادنا ومدرسونا معاصرين و على وعي بما يجري في عالم العلم و المعرفة .

ـ كون طرق التدريس مازالت معتمدة إلى حد كبير على التلقين و الحفظ و ليس على تنمية التفكير و تدريب الطلبة على الإبداع و المشاركة في التطور العلمي .

ـ كون التعليم بنظمه مازال منفصلا إلى حد بعيد عن احتياجات المجتمع و عن خططه التنموية وعن فهم البيئة التي نعيش فيها و المحافظة عليها . ” مكتب التربية العربي لدول الخليج :1994 :12

في العام 1998 أوصى مشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في دول الخليج العربية بما يلي:   ” …  إلا أنه يتم النظر إليها (أي الخدمات التعليمية) بدرجة متزايدة على أنها واحدة من أنشطة عديدة تلقى دعم الدولة . و لذا يجب بذل الجهود من أجل تخفيف حدة الطابع البيروقراطي فيها و إمدادها بمزيد من الكفاءة : كفاءة الأداء و الكفاءة في تخصيص الموارد . “  و يوصي التقرير أيضا بإعادة صياغة النظام التعليمي في دول المنطقة حتى يتمكن المواطنون من تحصيل مهارات ذات معايير مرتفعة . فقد نجحت دول الخليج في نشر التعليم و تعميمه ليشمل كافة المراحل و لكل الجنسين ، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب التركيز على التطور النوعي . “  مكتب التربية العربي لدول الخليج :1998  :74

و يشير الكثيري : 1998 إلى بعض الاختلالات التي تواجه نظم التعليم في دول الخليج و ذلك في ندوة استشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء و التي عقدت في المنامة ، على النحو التالي :

” المناهج لا زالت استجابتها لحاجات الفرد و المجتمع محدودة جدا . كما أن مخرجات التعليم لا تستجيب لاحتياجات التنمية و سوق العمل . محتوى المناهج ضخم و هي تركز على طرائق التدريس التقليدية ، و المدرسة لا تزال تركز على إعطاء المعلومات و اهتمامها بمهارات الحوار و المناقشة قليل . و لا تعطي الكتب الاهتمام الكافي في تنمية القدرة القرائية و تجديد المهارات الأساسية في الرياضيات و العلوم الكونية و غيرها من فروع المعرفة . مدارسنا لا تمكن المناهج من تنمية الإبداع و الابتكار و لا كيفية التوصل إلى الاستنتاجات و إصدار الأحكام . و لا تطوع مدارسنا التقنية لخدمة المجتمع و لا تدرب الطلبة على الاستفادة من  المعلوماتية. “

و قد انتهت دراسة بعنوان نحو شراكة فاعلة للقطاع الخاص في مجال التعليم في دول الخليج العربية قدمت إلى ندوة التربويين و الاقتصاديين و تحديات المستقبل التي عقدت في دولة قطر في العام 2002 ، انتهت لما يلي : ” .. و على الرغم من هذه الجهود فقد ظلت مطالب التوسع الكمي تطغي على مطالب التجويد النوعي و انصرف معظم الإنفاق على التعليم إلى استيعاب الكم على حساب النوع ، الأمر الذي أدى إلى انخفاض مستوى مخرجات التعليم و عدم ملاءمتها لحاجات التنمية , كما أدى أيضا إلى انخفاض الكفاءة الداخلية للتعليم عن طريق الرسوب و التسرب ، و إلى الارتفاع حتى في تكاليف التوسع الكمي نفسه نتيجة للهدر الذي يولد هبوط المستوى النوعي . ” 2002: 7ـ8

و في دراسة حول  تمويل التعليم بالدول الخليجية يشير الحمر :2002 :10ـ11 إلى أن إشكالية النظم التعليمية تنحصر في أربعة عوامل و هي :

ـ القرار السياسي أو غياب الإرادة السياسية التي تعتمد التعليم أو بالأحرى التعلم ، بل الأفضل العملية التربوية بما في ذلك التدريب عملية مجتمعية متكاملة تشريعا و تنفيذا و متابعة و تقويما .

ـ ضعف القيادة الإدارية التربوية ذات الكفاءة المتطورة لوضع الخطط و إيضاح الرؤيا و اعتماد الممارسات الديمقراطية السليمة و تطبيق عمل الفريق أو الفرق المتعددة الملتزمة بأهداف موحدة و مواكبة المستجدات في مفهوم التنمية البشرية أولا .

ـ تغييب دور المعلمة /المعلم في المشاركة أولا في التخطيط التربوي و بحوثه و حرية إدخال المستجدات في العملية التربوية مع مراعاة رفع مستواه الاجتماعي فالاقتصادي بالإضافة إلى مساهمته في الإدارة المدرسية الذاتية و التي تمكنه من تطبيق أساليب التقويم بعدالة .

ـ حرية الإبداع عامة و في مجال التنمية التربوية خاصة ، لأن حرية الإبداع كما زكاها المرحوم محمد الغزالي هي أعلى مراتب حقوق الإنسان . و ليس المقصود هنا القفز إلى مرحلة الابتكار ، بل توفير مساحة من الحرية لحسن التصرف فالتمييز بحكمة و حصافة .

في ورقة بعنوان “متطلبات إصلاح و تطوير التعليم”  مقدمة لندوة تطوير التعليم بدول مجلس التعاون يحدد

العبدالله : 2006 : 4ـ6 أهم المعوقات و المشكلات الداخلية التي تواجه التربية بدول مجلس التعاون على النحو التالي :

ـ عدم النظر إلى التربية كميدان من ميادين الإصلاح التربوي وفق إستراتيجية محكمة، وانشغال القياديين في وزارات التربية و التعليم بعمليات التسيير الروتينية و بالقضايا التنفيذية اليومية و التعامل مع  مشكلات النظام التربوي بطريقة ردود الفعل و الحفاظ على إرث النظام التقليدي و عدم إعطاء أهمية للمستقبل .

ـ المبالغة في المركزية الشديدة و البيروقراطية المفرطة و ضعف التواصل و التنسيق الإداري، كل ذلك أدى إلى تعطيل كثير من الأعمال و أضاع جهود الوحدات الإدارية و المؤسسات التعليمية.

ـ لم تستجب أغلب المناهج لحاجات المجتمع الخليجي الآنية و المستقبلية ، و ذلك بسبب استمرار التمسك بالخاصية التقليدية للمناهج و عدم مراعاة التطورات التي تمت في مفهوم المهارة في عملية تطوير المناهج ، فلم تتغير مضامين المناهج و إنما أضيف للبناء السابق قضايا جديدة مما أدى إلى ضخامة محتوى مضامين المناهج و تكدسها بالمعلومات الكثيفة المتداخلة .

وأخيرا ، في  العام 2007 تشير وثيقة أخرى لمكتب التربية العربي إلى التحديات التي تواجه أنظمة التعليم و التي من أبرزها ما وصف بالتحدي الداخلي و المتمثل بما يلي :

ـ انخفاض مستوى الكفاءة و الفعالية للنظم التعليمية و الازدياد المتصاعد في كلفة الإنفاق عليها .

ـ عجز القدرة الاستيعابية للأنظمة التعليمية عن توفير الفرص و البرامج التعليمية بالقدر و المستوى المناسبين لكافة أبناء الخليج .

ـ الحاجة إلى الارتقاء بجودة التعليم و العملية التعليمية القادرة على بناء أجيال تمتلك الكفايات و المهارات الحياتية اللازمة بما يمكنها من المنافسة العالمية بكل ثقة و اقتدار .

ـ تدني المستوى المهني للقيادات التربوية و شاغلي الوظائف التعليمية .

ـ محدودية الاستخدام الأمثل لتقنية المعلومات و الاتصالات .

الحاجة إلى المواءمة بين مخرجات التعليم و سوق العمل .

ـ ضعف المشاركة المجتمعية في دعم برامج و أنشطة و فعاليات المؤسسات التعليمية .  2007ـ20

تحديد الإشكالات ـ استنتاجات عامة

إن ما استعرضناه من نتائج دراسات سابقة حول الإشكالات أو المعوقات التي تواجهها نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى ما توفر لدينا من معلومات و بيانات ذات صلة مباشرة بمدخلات و بنواتج هذه النظم نستطيع أن نحدد مجموعة من الإشكالات الموضوعية التي تقف حائلا دون تحقيق الأهداف  المتوخاة .

1)   كون التعليم العام النظامي في دول المجلس منغلقا :

التعليم النظامي وسيلة الدولة للانفتاح و لتحسين المهارات و القدرات الفردية و لإحداث التغيرات المجتمعية الإيجابية بأشكالها و أنماطها ، هذا الأمر لا خلاف عليه بل هو محل اتفاق يسود حاليا جميع المجتمعات البشرية مهما اختلفت تنوعاتها . فهل استطاعت نظم التعليم في المجتمعات الخليجية أن تكون وسيلة و أداة لمثل هذه التحولات ؟ نلاحظ أن الدراسات النقدية التي أشرنا إليها تضع نظم التعليم في دول الخليج في كفة البعد عن الانفتاح مما يسهل وصفها بالتقليدية أو أنه تعليم مازال منفصلا أو غير ملاحق للتطور العلمي و المعرفي ، أو أن مدارسنا لا تمكن المناهج من تنمية الإبداع و لا كيفية الاستنتاجات و إصدار الأحكام أو أن مدارسنا لا توفر مساحة من الحرية لحسن التصرف و التمييز . ( مكتب التربية العربي ، الكثيري ، الحمر ) إن تعليما نظاميا هكذا يمكن وصفه على الرغم من تكلفته الباهظة ( 35 مليار دولار في عام 2005/2006) بمعنى أنه  يمكن وصفه أيضا أنه تعليما منغلقا و ليس منفتحا و قد تكون هناك مؤشرات عدة على الانغلاق يمكن تحديدها كما يلي :

ـ اعتبار المدرسة وحدة إدارية تابعة لوحدات أكبر و تجريدها من حقها في أن تكون وحدة مستقلة تتمتع بمساحة من الحرية الإدارية و المالية . إن هذا من شأنه تقليص الدور الإبداعي للمعلمين و للإدارة المدرسية . ـ تعدد المستويات الرقابية على أعمال المعلمين داخل المدرسة الواحدة و تركيز دورهم في تنفيذ التعليمات و الأوامر و مسائلتهم عند التقصير في تتبع ما يرسم لهم حرفيا . إن هذا من شأنه خلق نمط من المعلمين التقليديين الذين يرون أدوارهم في إطاعة التعليمات و الأوامر و تلقين المعلومات و استرجاعها من التلاميذ عن طريق الامتحانات .

ـ عزل المدرسة عن محيطها العام و تسويرها خوفا عليها من التأثيرات السلبية مما جعل المدارس بعيدة في تلمس احتياجات المتعلمين غير قادرة على اللحاق بالمتغيرات الحادثة في البيئة من حولها .

ـ التزام مناهج التعليم الحكومية في عمومها بالكتاب المدرسي التقليدي و اعتباره أساس عملية التعليم و التعلم  إن هذا من شأنه تقليل الاعتماد على مصادر المعرفة الأخرى كالوسائل التكنولوجية الحديثة و تقليل الاعتماد على التعلم التجريبي في المختبرات و الأعمال الميدانية خارج المدرسة .

ـ اعتماد مبدأ اجتياز الامتحانات بنجاح أساسا لتقييم كفاءة التلاميذ دون الأخذ في الاعتبار أهمية تعدد أدوات التقييم و تنوعاها ، و قد يعود السبب في ذلك إلى خوف المدارس من تجريب الجديد أو فقدان المعيار السهل لترفيع التلاميذ أوتخرجهم بنجاح .

2) الاعتماد المتزايد على المعلمين الوافدين :

قد يكون هذا أحد المعوقات التي تجعل التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي لا يصب في الهوية الوطنية لهذه الدول تحديدا ، بمعنى أن التلاميذ الخليجيين في التعليم العام يتعاملون مع خليط من المعلمين الوافدين تشكل بينهم النسبة الأقل المعلمين الوطنيين ، على سبيل المثال : يوجد في مدارس دول الخليج معلمون من مصر و سوريا و العراق و فلسطين و الأردن و تونس و المغرب و السودان و موريتانيا و غيرها و يشكل المعلمون الوافدون في معظم دول الخليج  النسبة الأكبر من مجموع المعلمين ( الكويت 40% مواطنون 60%عير مواطنين ، الإمارات 10% مواطنون 90% غير مواطنين ، قطر 30% مواطنون 70% غير مواطنين )

و تشذ عن ذلك عمان حيث يشكل المعلمون المواطنون النسبة الأكبر بحدود 70%

لقد اضطرت نظم التعليم في دول الخليج على الاعتماد المتزايد على المعلمين الوافدين و ذلك لأسباب عديدة منها زيادة الطلب على التعليم نتيجة للزيادة الطبيعية في السكان و نتيجة للسياسات السكانية الخاطئة كتسهيل الهجرة و التجنيس العشوائي ، و منها أيضا بطء الإقبال على مهنة التعليم من قبل المواطنين الخليجيين لتدني المرتبات و تندني النظرة الاجتماعية للمهنة . و يشكل الاعتماد على المعلمين الوافدين خطورة على تنفيذ المشاريع التعليمية و تحقيق المدارس لأهدافها و قد يعود السبب في ذلك لما يلي :

ـ قصور برامج إعداد المعلمين عند معظم الدول العربية و ذلك لقصور الإمكانيات و قدم برامج الإعداد .

ـ اختلاف اللهجات بين المعلمين و التلاميذ مما يصعب لغة التواصل بينهم و يقلل من التأثير الإيجابي على اعتبار أن المعلم قدوة لتلاميذه .

ـ غياب الحس الوطني الخليجي لدي معظم المعلمين الوافدين و أثر ذلك على بعض القيم  الاجتماعية الهامة كقيمة المواطنة .

ـ نشر بعض القيم المغلوطة التي يمكن أن يأتي بها بعض المعلمين الوافدين .

ـ عدم قدرة معظم المعلمين الوافدين على التنمية الذاتية لقدراتهم التدريسية عن طريق التدريب و الإطلاع وذلك لانشغال معظمهم بالعمل خارج الدوام المدرسي أو بالدروس الخصوصية .

3) الإنفاق غير المتوازن على التعليم :

بينا في مناقشة السؤال الثاني من أسئلة الدراسة أن دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر من الدول ذات الإنفاق العالي على نظمها التعليمية ( حوالي 35مليار دولار في عام 2005/2006) و قد أشرنا إلى هناك توقعات أن تتسارع عجلة الإنفاق الحكومي على التعليم لتصل إلى أكثر من 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2015

و يبدو أنه في ظل سياسة الإنفاق الحالية التي مهدت إليها قوانين مجانية التعليم المطلقة في دول الخليج لن تكون في مصلحة التعليم هذا إذا تأثرت أسعار النفط بأي تقلبات دراماتيكية قد يفرضها واقع السوق العالمي . و تتضح مشكلة الإنفاق الحالية ليس في توفير الموارد المالية و لكن في عدم التوازن بين ما ينفق على المرتبات و ما ينفق على العملية التعليمية في المدارس ، فإذا كانت حصة الإنفاق الأولى كبيرة و باهظة فإن حصة الإنفاق الثانية قليلة و شحيحة و هنا تبدو المعضلة . و تشير معظم موازنات الإنفاق التعليمي في الدول الست إلى أن ما ينفق على المرتبات يزيد عن 90% من الإنفاق الكلي و هذا يعني أن ما يتم رصده من أموال هي ميزانيات مرتبات و ليس ميزانيات تطوير تعليمي يأخذ في الاعتبار تدريب المعلمين ، توفير التكنولوجيا ، دعم مصادر التعلم ، توفير المختبرات و توفير مستلزمات التربية البدنية و الفنية و الموسيقية و غيرها . و تلخيصا يمكن أن ننظر إلى سياسات الإنفاق على التعليم في دول المجلس من المنظور التالي :

ـ إنه إنفاق لا يتوجه إلى تحقيق تعليم متميز بالقدر الذي هو يعتبر إنفاقا على مرتبات قوة العمل من معلمين و موظفين .

ـ إن تكلفة التعليم و التي وحدتها تكلفة الطالب الواحد و على الرغم من ارتفاعها في جميع دول المجلس فهي لا تعكس الحقيقة أي نصيب الطالب الواحد من البرامج و المشاريع التعليمية و التربوية .

ـ إن سياسة الإنفاق الحالية تحد كثيرا من تنفيذ مشاريع التطوير حيث يصطدم ذلك بشح الميزانيات أو يؤجل  إلى ميزانيات قادمة مما يعني تعطيل لمشاريع التطوير .

ـ لا بد من الفصل بين ميزانية الإنفاق على قوة العمل و ميزانية التطوير و الاحتياجات التعليمية ، حتى نتبين  مقدار ما ننفقه فعليا على العمل المدرسي فيساعدنا ذلك حتما نحو الدفع في اتجاه التطوير الفعلي .

4) بيروقراطية الأجهزة الإدارية :

تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي في إدارة نظم التعليم نمطا إداريا متقاربا إلى حد كبير يعتمد على المركزية المحسنة ، و يقصد بذلك أنه بجانب سيطرة الجهاز المركزي لوزارات التربية و التعليم على القرار التعليمي تم استحداث أجهزة معاونة ( مناطق تعليمية ) تنفيذية الطابع تقوم في الأساس على الإشراف المباشر لتنفيذ سياسات التعليم وفق التقسيم الجغرافي لانتشار المدارس . و تعتبر المدارس وفق هذا التنظيم الوحدات الأضعف من حيث تبعيتها لأجهزة أكبر ، و من حيث عدم مساهمتها في صنع القرارات التعليمية حتى اليسير منها و الذي يخص تنظيم العمل اليومي . و على الرغم من أن ظاهر هذا النمط الإداري يعطي انطباعا بالتحديث أو التجديد إلا أن المضمون ظل يواجه إشكالات إدارية يمكن أن نجملها بما يلي :

ـ عدم مهنية غالبية القيادات نتيجة قصور معايير الاختيار و التدريب أثناء العمل .

ـ قدم التنظيمات الإدارية و تعدد الوحدات الإدارية رأسيا و أفقيا .

ـ بطء قنوات الاتصال و استخدام أساليب إدارية تقليدية .

ـ تكدس الموظفين في الإدارات المدرسية و في المناطق التعليمية و زيادتهم عن الحاجة مما أوجد بطالة مقنعة

ـ تفويت الفرصة أمام المدارس للنمو كوحدات إدارية تتمتع بالاستقلالية المالية و الإدارية .

5) تقليدية المناهج و فقر البيئة التعليمية التعلمية :

قد يكون تمسك نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي بالخاصية التقليدية للمناهج أحد معوقات التطوير الحاسمة و التي تتطلب الوقوف عندها بحثا عن الأسباب و التداعيات . ” لم تستجب أغلب المناهج لحاجات المجتمع الخليجي الآنية و المستقبلية ، و ذلك بسبب استمرار التمسك بالخاصية التقليدية للمناهج . “   العبد الله : 2006  أما فيما يتعلق بالأسباب فقد وسمت عملية بناء المناهج الخليجية بالمنظور العربي لمفهوم المنهج المدرسي القائم على حفظ المعلومات و استرجاعها عن طريق الامتحانات مما أدى إلى تركيز مفهوم المنهج بالكتاب المدرسي الذي صار هو البدء و المنتهى في مسألة التعليم برمتها حيث لا يمكن تصور تعليم بلا كتب مدرسية ، و إن شذت بعض المحاولات للتمرد على هذه القاعدة من خلال استخدام تكنولوجيا التعليم ، إلا أنه في الغالب يبقى الكتاب المدرسي سيد الموقف دائما . و قد يكون من الأسباب أيضا استسهال هذا النمط من التعليم فإدارات المناهج في وزارات التربية و التعليم الخليجية اعتادت أن يكون مجمل دورها بناء المناهج وفق آلية التأليف من خلال اللجان ثم طباعة الكتب من خلال شركات الطباعة المحلية ، أو في بعض الأحيان اللجوء إلى دور النشر العربية أو الأجنبية . كذلك قد يكون الاعتماد على المنهج التقليدي مناسبا أكثر لأدوات التقييم التقليدية مثل الامتحانات التي تقيس التحصيل المعلوماتي ، و هذا بمجمله دور يفضله المعلمون و الموجهون و قياديو التعليم فهو يسهل عليهم عملية ترفيع التلاميذ من مستوى إلى آخر . إن هذا التوجه المتشدد في الاعتماد على المنهج القائم على الكتاب المدرسي كان سببا في ضخامة المعلومات و كبر حجم الحقيبة المدرسية دون اعتبار للتوجهات الحديثة الداعية إلى اعتماد المنهج القائم على إكساب المهارات و جعل المدرسة مصدر للتعلم عن طريق إثراء بيئتها الداخلية . إن تمسك نظم التعليم الخليجية بالمنهج التقليدي لا شك يطرح تساؤلا هاما حول التكلفة الباهظة للتعليم و التي أشرنا إليها سابقا .

توصيات الدراسة  ـ  بدائل الإصلاح

حاولت الدراسة أن تركز على إشكالات تطوير نظم التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي و ذلك انطلاقا من قناعة الباحثان بأن تحديد الإشكالات مدخلا مهما لاقتراح سبل التطوير وطرح البدائل . و عليه توصي الدراسة بما يلي :

1) أن تولي دول مجلس التعاون الخليجي تطوير روآها لوظيفة التعليم في مجتمعاتها الناهضة فعليها أن تحدد أي نوع من التعليم تريد و في أي اتجاه ؟ إن ذلك سوف يساهم في توجيه موارد التعليم النظامي الوجه الصحيحة فيحقق التعليم مراده و لا يكون عبئا على التنمية بشتى مجالاتها .

2) يجب العمل على دعم الاتجاه نحو اللامركزية في إدارة و تنظيم التعليم العام في دول المجلس و هذا يتطلب تنازل المستوى المركزي ( وزارات التربية و التعليم ) عن بعض صلاحياتها إلى المناطق المحلية و المدارس من مثل : اختيار المناهج و الكتب و المواد الدراسية و تعيين المعلمين و تدريبهم و ترقياتهم و الإشراف على التمويل و الإنفاق التعليمي و تنظيم اليوم المدرسي و توجيه المعلمين و تقويم أدائهم و غير ذلك .

3)  لا بد من البحث عن صيغة مناسبة لجعل المدرسة وحدة إدارية تتمتع بدرجة كافية من الاستقلال تعمل بحرية و انفتاح في تنفيذ مشاريعها و أنشطتها التعليمية دون الحاجة إلى رقابة الأجهزة المركزية بصورتها الحالية . إن المدارس الحرة و المنفتحة دعامة أساسية لإعمال العقل و تنمية الإبداع و الابتكار .

4) لا بد من عمل جاد في اتجاه الاعتماد الكلي على المعلمين الوطنيين و ذلك لضمان كفاءة أكبر لمخرجات التعليم الحكومي ، فأي تعليم لا يقوم به مواطنوه يعتبر تعليما ناقص الهوية إن جاز التعبير . و لذلك على دول مجلس التعاون الخليجي أن تسن تشريعات جديدة تشجع انخراط مواطنيها في سلك التعليم من مثل : قوانين التمهين و قوانين حماية حقوق المعلمين  و قوانين زيادة المرتبات و الحوافز توحيدها بين دول المجلس . إضافة إلى تطوير برامج إعداد المعلمين في الكليات الجامعية الخليجية .

5) لا بد من مراجعة سياسات الإنفاق الحالية على التعليم العام في دول المجلس من حيث توازنها بين ما ينفق على المرتبات والأجور و ما ينفق على العملية التعليمية في المدارس من مناهج و أنشطة تعليمية و أجهزة و معدات و تدريب و غيرها . إن سياسة الإنفاق الحالية لا تأخذ في الاعتبار أهمية هذا التوازن حيث تستحوذ المرتبات فقط على أكثر من 90% من الميزانيات كما بينا . جانب آخر يتطلب مراجعة سياسات الإنفاق الحالية مرتبط بإطلاق مجانية التعليم دون تقييدها خاصة مع زيادة الطلب على التعليم الحكومي و التضخم الحاصل في الميزانيات المخصصة للتعليم عاما تلو الآخر ، و هذا يستدعي سن تشريعات تجيز للدولة تحصيل بعض الرسوم من أولياء الأمور و فتح الباب لمساهمة القطاع الخاص في دعم و تمويل المدارس مقابل بعض الخدمات .

المراجع العربية

1 ـ  مكتب التربية العربي لدول الخليج  ، وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي ، 2000  ص 40

2ـ  محمد يوسف المسيليم ، الإدارة المدرسية في الكويت الواقع و المشكلات ، مجلة التربية ـ وزارة التربية ، 1994  ص 92ـ 97

3ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج ، إطلالة على جهود مكتب التربية العربي لدول الخليج لدعم النهوض بالتعليم و تطويره , : 2007

4ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج ، مشروع تطوير التعليم في الدول الأعضاء , 2006/2007

5ـ محمد يوسف المسيليم ، اقتصاديات التعليم و استثمار العنصر البشري ، 2002 5

6ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج ، ندوة استشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء ، المنامة ، 1998

7ـ وزارة التربية و التعليم ـ دولة قطر ، نحو شراكة فاعلة للقطاع الخاص في مجال التعليم في دول الخليج العربية , 2002

8ـ عبد الملك الحمر ، حول إشكالية تمويل التعليم بالدول الخليجية ، ندوة التربويين و الاقتصاديين و تحديات المستقبل ، الدوحة ، 2002

9ـ إبراهيم يوسف العبدالله ، متطلبات إصلاح و تطوير التعليم بدول مجلس التعاون الخليجي ، ورقة مقدمة لندوة تطوير التعليم بدول مجلس التعاون ـ الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ،  2006

10ـ محمد جواد رضا , التربية و التبدل الاجتماعي في الكويت و الخليج العربي ، 1975 ، وكالة المطبوعات ، دولة الكويت

11ـ محمد غانم الرميحي ، البترول و التغير الاجتماعي ، 1975 ، مؤسسة الوحدة للنشر و التوزيع ، دولة الكويت

12ـ محمد يوسف المسيليم ، الصورة المنتظرة لمدرسة المستقبل ، 1998 ، ورقة مقدمة للحلقة النقاشية الأولى ” معلم الغد و تحديات القرن العشرين ” المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج

13ـ وثيقة دستور دولة الكويت 1962 ، من مطبوعات مجلس الأمة ، دولة الكويت

14 ـ مركز المعلومات الإحصائية و التوثيق التربوي ، 1996 ، تطور التعليم في المملكة العربية السعودية ، وزارة المعارف

15ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج ، 1994 ، وثيقة لجنة خبراء إعداد الخطة المستقبلية للتعليم في دول الخليج العربية .

المراجع الأجنبية :


( 1 ) Hill Paul T & Harvy James (2004) ‘ Brooking institution press  Washington DC

( 2 ) Bear Hedley ‘ (2001) Creating the future school ‘  Routledge ‘    Falmer ‘ London and New York

( 3 ) Embassy of the state of Kuwait ‘ cultural division ‘  president  George w. Buch program ‘ No child left behind ‘ (1999)

( 4 )  Bowdel’ T.S ‘ (2003)     تجربة تقييم التعليم في بوتان ,  , مجلة مستقبليات      مكتب التربية الدولي ـ جنيف ، العدد 133

اقرأ أيضا

أدوات القياس والتقييم في العملية التربوية

التخطيط التربوي طويل المدى

أنواع التخطيط بوجه عام والتخطيط التربوي بوجه خاص

الأصول التاريخية والفلسفية والنفسية للتربية

مفهوم التربية وأهدافها

قواعد إدارة الإبداع

قواعد إدارة الاجتماعات

قواعد في إدارة الأزمات

الأصول الاقتصادية للتربية

الأصول السياسية للتربية

التخطيط الاستراتيجي ودوره في الارتقاء بكفاية وفعالية النظم التعليمية

التخطيط التربوي الوظيفي .. أهميته وأهدافه

التربية (مفهومها ، أهدافها ، أهميتها)

طرق وأساليب البحث العلمي

عن الكاتب

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 1902

© 2014 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى