مفهوم القيادة والإدارة ومنطلقاتها

إعداد/ سعاد بنت إبراهيم البراهيم

مساعدة مكلفة الإدارة العامة للإشراف التربوي

هناك اعتقاد شائع بين الناس بأن القائد هو إنسان له مركز في التسلسل الهرمي للسلطة، أو أنه إنسان يمتلك جاذبية شخصية يتحلق الناس من حوله ويعملون بتوجيهاته. وقد تعددت وجهات النظر في محاولات تعريف القيادة وتحديد مفهومها.

ويستخلص (النمر، 1422هـ) تعريفاً للقيادة بأنها القدرة على التأثير في سلوك أفراد الجماعة وتنسيق جهودهم وتوجيههم لبلوغ الغايات المنشودة. أي أن القيادة تتضمن ثلاثة عناصر أساسية هي:

  • وجود مجموعة من الأفراد يعملون في تنظيم معين.
  • قائد من أفراد الجماعة قادر على التأثير في سلوكهم وتوجيههم.
  • هدف مشترك تسعى الجماعة إلى تحقيقه.

فالقيادة تتجاوز كونها سمات أو صفات يمتلكها المدير إلى كونها عملية تفاعل بين ثلاثة عناصر: القائد والمرؤوس والمواقف والتي تمارس فيها القيادة (عابدين، 2001م).

يتضح مما سبق، أن القائد لا يمكن أن يعمل بمعزل عن الآخرين، لذا فإن من الشروط الأساسية لنجاحه في القيادة، تفهم قدرات واستعدادات من يعملون بمعيته والتجاوب مع حاجاتهم وآمالهم وطموحاتهم لكي يستطيع أن يؤثر فيهم التأثير الفاعل الذي يجعلهم على قناعة وثقة عالية في قيادته لهم.. والعمل القيادي يسير في اتجاهين متعاكسين ولكنهما ملتقيان، فالقائد يؤثر في اتباعه ويتأثر بهم، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تعديل في سلوك الطرفين وتصرفاتهم.

إن الحديث عن القيادة يقودنا إلى الحديث عن الإدارة “فالإدارة والقيادة عمليتان متلازمتان، ففي كل موقف هناك بُعد إداري يتعلق بمراعاة أنظمة وتعليمات، ويفترض في كل موقف أيضا أن تكون هناك إمكانية قيادة تسند إلى عملية تفاعل وتفكير، وإلى التطلع إلى إدارة ذات توجه إبداعي مبادر (الحر، 1424هـ) ويمكن الوقوف على الفروق بين القائد والمدير من خلال الجدول التالي*:

القائدالمدير
يبتكريدير
يطوّريحافظ
يركز على الأشخاصيركز على الهيكل التنظيمي
يعتمد على سلطة الثقةيعتمد على السيطرة
يجدديقلد
لديه رؤية بعيدة المدىلديه رؤية قصيرة المدى
تخطيط طويل المدىتخطيط قصير المدى
يتحدى الوضع الراهنيتقبل الوضع الراهن

*(الأغبري، 2000)

عليه يمكن استخلاص الأدوار المطلوب من كليهما: إن الإدارة معنية بالحاضر، أما القيادة فتعني بالتغيير، فرجل الإدارة يحافظ على الوضع الراهن، وليس له دور في تغييره، لأنه يستخدم الوسائل والأساليب القائمة بالفعل من أجل تحقيق الأهداف أو الأغراض المقررة سلفاً، ومن هنا ينظر إلى رجل الإدارة كعنصر الاستقرار، أما القائد فهو داعية للتغيير ومطلوب منه أن يحدث التغييرات في البناء والتنظيم، وبالتالي يمكن القول أن هناك اختلافاً بين الأدوار لكل منهما.

هذا وتشير فاطمة عيد إلى خمس مجموعات من القدرات والمهارات التي يتطلبها عمل القائد:

  • القدرات والمهارات الإنسانية: وتتمثل في قدرة القائد على فهم نفسه وفهم الآخرين والقدرة على قيادة الآخرين وتحفيزهم وفهم الجماعات والتعامل معها.
  • القدرات والمهارات المتعلقة باستخدام المعلومات: وهي التي تتعلق بتلقي المعلومات ورصدها وتخزينها واسترجاعها وتوظيفها لخدمة أهداف التنظيم.
  • القدرات والمهارات المرتبطة باتخاذ القرارات: التي تجعل عملية اتخاذ القرارات أكثر كفاءة، وأهمها القدرة على اتخاذ قرارات فعالة، والقدرة على حل المشكلات التي تواجه التنظيم، والقدرة على إدارة الوقت.
  • القدرات والمهارات الفنية: وتتعلق بالنواحي التي تساعد المدير على فهم العمل وتسيير أموره في مجال تخصصي أو أكثر.
  • القدرات والمهارات الفكرية : تتعلق بالقدرات التي تمكن القائدة من رؤية الصور الكلية للموضوع، ومن أهمها القدرة على فهم ما يجري في التنظيم من أحداث، والقدرة على رد الأمور إلى أسبابها الحقيقية، والقدرة على إدراك النتائج لقرار أو حدث (عيد، 2002م).

وعلى ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن القيادة هي:

1-    دور جماعي إذ لا يمكن لأي إنسان أن يكون قائداً بمفرده وإنما يمارس القيادة من خلال مشاركة فعالة في جماعة ما ضمن إطار موقف معين.

2-    تعتمد على تكرار التفاعل، أي أن القيادة في جماعة ما تتطلب حداً أدنى من تلاقي القيم والاهتمامات يسمح باستمرارية التفاعل.

3-         لا ترتبط بالضرورة بالمركز فهي منتشرة وموزعة عبر المؤسسة فالمعلم قائد والمدير قائد والمشرف قائد.

4-         أن معايير الجماعة ومشاعرها تحدد القائد كما تحدد درجة اعتبارهم لسلوكياته.

فالقيادة حمل ليس بالسهل ولا باليسير، فلا يتحملها أو ينهض بها أو يؤديها حقها إلا من كان أهلاً لها.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: “يا أباذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها ” (موقع مفكرة الإسلام الإلكتروني).

فإذا عرجنا على القيادة الميدانية نرى أنها تتمثل في الأفراد الذين يتحملون مسئولية عملية التعليم والتعلم وهم الأفراد المرتبطون بالميدان التربوي ولهم تأثير بالغ في تحقيق الأهداف التربوية بشكل مباشر.. وهم: المعلم، المدير، المشرف.. كل في موقعه ومن منطلق مهامهم جميعاً قواد ميدانيون مرابطون.. يتأثرون بالتحديات، ويحدثون عملية التغيير والتطوير المطلوبة وأصبحت لهم أدوار جديدة على ضوء ما طرأ على التربية من تغيير وتطوير وهذا ما سنتعرف عليه في الموضوعات اللاحقة.

التحول في الأدوار القيادية والحاجة إليه :

لابد أن ندرك قبل كل شيء أن ثمة علاقة ما بين الثورات العلمية الكبرى Scientific Revolution والثورات التعليمية Educational Revolution  (محمود، 2002م).

ونسأل بداية عن معنى كل من الثورة العلمية والثورة التعليمية (التربوية)؟ الثورة العلمية في حقيقتها نوع من “الاستنارة العقلية” التي تمثل نقلة نوعية للبشرية من مرحلة إلى أخرى أرقى منها. لكن ما معيار الرقي المقصود هنا؟ إنه تحقيق للمزيد من قوة العقل على حساب انحسار لقوة الخرافة. وتكمن قوة العقل في المعرفة (Knowledge) وبالتالي في اكتساب القدرة على الفعل.

أما الثورات التعليمية فهي توفر للثورات العلمية المناخ الملائم لقبولها اجتماعياً وثقافياً، وتعطي لها ما يسمى بقوة الإقناع Power Persuasion  والمرهون بمدى توافر فرص التعليم وانتشاره في المجتمع، كذلك بعدالة توزيع تلك الفرص على المستويات الاجتماعية المختلفة.

ويذكر محمد جواد رضا أن ثم تلازم الثورتين (العلمية، التربوية) مرهون بتوافر شرط المشاركة المجتمعية في الكعكة التربوية المكونة من معارف ومهارات وخبرات وقيم مما يعني رفع نصيب الفرد من قوة المعرفة وقوة الإقناع (رضا، 2000م).

ويمكن توضيح الحقائق أعلاه بالآتي:

إن نظرية دوران الأرض بوصفها ثورة علمية استغرق إعلانها وقبولها اجتماعياً ألفي سنة. ذلك لأن الثورة العلمية تحدث تغير في الواقع القائم بحيث يكون من شأنه تقبل حدوث الواقع القادم (المستقبل) بإذن الله، ومن ثم فإنها تحتاج إلى ثورة تعليمية تمهد الواقع لقبولها، لذلك فالثورة العلمية (نظرية دوران الأرض) تلازم قبولها مع ثورة تعليمية تمثلت في ظهور المدرسة كمكان لنقل المعرفة ونشرها..

إن الثورات العلمية والتعليمية تحتاج إلى كفاءات ومستويات من الجودة ولا زلنا نفتقد الكثير منها في نظمنا التعليمية، لذلك فإن أخطر ما يواجهنا مستقبلاً هو خطر الاستبعاد والتهميش. والمشكلة التي نعرضها  هي أن المستقبل قادم حتما لكن الفارق هام بين أن يأتي المستقبل كما نريد أو يأتي من صنع غيرنا ودون إرادتنا.. فإذا كنا نريد تحقيق مستقبلنا كما نريد، فإن ذلك رهن بتوافر الشروط الضرورية العلمية والمنطقية اللازمة لبناء تصور مستقبلي يحقق تلازماً فعالاً وسريعاً للثورتين العلمية والتعليمية في مجتمعنا. وأن يكون للمدرسة الدور القيادي في تحقيق وإنجاز هذا التغيير المطلوب والتلازم الضروري للثورتين بوصفه شرطاً لازما لمدرسة المستقبل ولمستقبل المدرسة التي ستقود المجتمع نحو المستقبل.

مما تقدم يمكن القول بأننا نعيش فترة ثورات علمية والمتمثلة في تحديات معينة تتطلب منا ثورات تعليمية تتمثل في أمور عدة، أكثرها احتياجاً هي الدور القيادي للمدرسة وما تحتويه من: بيئات تعليمية، مناهج، أنشطة…الخ يصاحب ذلك تحول في الأدوار القيادية لكل من: المشرف، المدير، المعلم.

ويمكن استعراض هذه التحديات على النحو التالي :

أولاً: تحديات خارجية:

1-1 العولمة (Golbalization)

ساد هذا المفهوم في التسعينات من القرن الماضي:

وقد جاءت في لسان العرب من”العالم” ويتصل من فعل “عُولم” على صيغة “فُعل” أما في الاصطلاح “فالعولمة” تعني جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود إلى اللامحدود الذي ينأ عن كل مراقبة (خريسان، 2000م).

والورقة الراهنة تنظر إلى العولمة بأنها عملية تهدف إلى سيطرة الفكر والثقافة الأقوى على الثقافات الأخرى بغرض التعاون والتواصل وإزالة الحدود والمسافات بين الدول والشعوب ودمجها فيما يسمى بالقرية العالمية، أو الكوكبية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن- هل سنغلق على أنفسنا الباب في وجه أية ثقافات؟! أم سنحاول التكيف معها؟ أم نستسلم لها ونتبعها بشكل مطلق؟

2-1 التكنولوجيا والتقنية (Technology) :

إن عالم اليوم وعالم الغد هو عالم التكنولوجيا المتقدمة، وأصبحت هذه التكنولوجيا الدليل على امتلاك مقومات القوة سواء في السلم أو في الحرب ودعم هيمنة القوة على الضعيف في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية…

إن عالم التكنولوجيا الذي نعيشه الآن عالم سريع التغير والتطور وهو ليس بمعزل عن ثقافة المجتمعات التي تستورده… فعلى المجتمعات أن تستفيد ما أمكن من الثورة التكنولوجية والتقنية في مؤسساتها التربوية والتعليمية.

3-1 وسائل الإعلام (Mass Media):

وهي تمثل الضلع الثالث لمثلث التحديات وتتمثل في الصحافة، الإذاعة، التلفزيون، الإنترنت وغيرها، فهي وسائل مختلفة وسريعة لنشر وتلقي الأمور المختلفة… حيث وفرت هذه الوسائل سرعة الاتصال والتواصل بين الشعوب والمؤسسات والأفراد.

ثانياً: التحديات الداخلية:

1-2 العمالة الأجنبية:

إن التغير السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية- لا سيما منطقة الخليج العربي – صاحبه تغيراً في الأوضاع الاجتماعية، وقد نتج عن هذا التغير مجموعة من التحولات، مثل الاعتماد على العمالة الأجنبية والتغيرات التي أصابت الأسرة العربية نتيجة عمل المرأة، وترك مهمة التربية وتوجيه الأبناء للخدم والمربيات (منصور، 2000م).

إن هذه التغيرات الاجتماعية لابد أن تترك بصماتها على الناشئة والتي قد تؤدي إلى إحداث اتجاهات سلبية تتسم بالإهمال واللامبالاة، وعدم التعامل معهم إلا بالعنف والسيطرة مما يؤدي إلى فقد التوازن النفسي وقد يتعرض في نهاية الأمر إلى عملية محو ثقافي وهي عملية تحدث نتيجة تخلص الطفل من ثقافته ليحل محلها ثقافة المربية.

2-2 ضعف مخرجات نظام التعليم:

والذي يتعلق بفقر محتوى برنامج التكوين التعليمي وقصوره على الجوانب المعرفية، وتخريج أفواج ودفعات متلاحقة من أنصاف المتعلمين ممن لا تستفيد من طاقاتهم المتواضعة مؤسسات الإنتاج وذلك نتيجة لضعف المدخلات والمتمثل في سوء التخطيط، تمحور المركزية في النظام التعليمي، وتواضع إعداد المعلم..

ومع انفتاح نظامنا التعليمي على التجارب العالمية، وإن كان هو خطوة إيجابية للرقي بالعملية التعليمية إلى مستوى الطموح إلا أن هذه التجارب والمشاريع ينقصها عدة أمور:

–       القصور في استمرارية مثل هذه التجارب وبطء انتشارها.

–       عدم قبول فكرة التغيير والتطوير واعتبارها عند البعض مضيعة للوقت.

–       قصور عملية التقويم وعدم موضوعيتها في كثير من الأحيان.

–       لم يوضع لمرحلة التوعية لهذه المشاريع أهمية وربما التدريب عليها في كثير من الأحيان.

–   قد ترتبط كثير من المشاريع بأفراد وشخصيات معينة لذلك يكون العمل بها بعيداً عن العمل المؤسسي المبني على خطط طويلة المدى.

3-2 : الانفجار السكاني:

نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي شهدتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تزايدت أعداد السكان بشكل ملحوظ فمن المتوقع أن يصل تعداد سكان الدول العربية في عام (2025) إلى ما يقرب من (400) مليون نسمة نصفهم تقريباً أقل من (15) عاماً.. وستشكل هذه الزيادة الهائلة في السكان ضغوطاً على جميع الموارد والبنيات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وسيكون من الصعب على الأنظمة التعليمية تلبية الطلب المتزايد على التعليم (المعرفة، 2000م) إن التزايد في أعداد السكان سيؤثر حتماً على كلفة التعليم ونوعيته.

إن التحديات المطروحة أعلاه هي تحديات تقودنا لطرح السؤال التالي:

هل المدرسة قادرة على مواجهة أو استثمار هذه التحديات؟

أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الدور الإيجابي الذي تملكه المدرسة في عملية التغيير وذلك لكونها:



1-       تعطي الفرد القدرة على معرفة الواقع من خلال فهم العلاقات بين عناصره، والفهم هو المقدمة الضرورية لتغيير الواقع عن طريق معرفة العلاقات القائمة والتي تساعد الإنسان على حل مشكلاته مع البيئة… أو الكشف عن علاقات جديدة والمتمثلة بالإبداع والتجديد.

2-       تقوم المدرسة بالتمهيد للقبول الاجتماعي للتغيير الحادث نتيجة كل من فعلي التعرف على العلاقات القائمة، والكشف عن العلاقات الجديدة التي تضيف للواقع ما لم يكن موجوداً من قبل إذن للمدرسة دور قيادي في عملية التغيير الاجتماعي حدوثاً وقبولاً وبالتالي فإنها ذات دور أساسي في صنع المستقبل بإذن الله.

ومما يؤكد هذا التوجه قول (عابد الجابري) “أن التربية في الوطن العربي كما في جميع البلدان تمارس دوراً مهما في التحولات المجتمعية التي يشهدها عالم اليوم (الجابري، 1996م).

اقرأ أيضا

مفهوم التربية وتطورها عبر التاريخ الإنساني

صلة التربية بالعلوم الإنسانية

تطور مفهوم أهداف التربية وضرورتها للفرد والمجتمع

الأسس الفلسفية للتربية والمدارس الفلسفية المختلفة

المراحل النمائية والتطور الاجتماعي لدى الفرد

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب ومترجم متخصص في الشؤون العلمية، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

شاهد أيضاً

الإدارة اليابانية .. تجربة متميزة قادت إلى تفوق تكنولوجي واقتصادي

نافذ الهرش يبلغ عدد سكان اليابان حوالي 127 مليون نسمة يعيشون على اربع جزر رئيسية …

تعليق واحد

  1. شكرا لكم
    لكن ما هو نمط القيادة والتحفيز؟؟
    http://www.ju.edu.jo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *