التطورات العالمية في ميادين تعبئة وتغليف المنتجات الغذائية في حقول البحث العلمي والاقتصادي والحفاظ على البيئة


الدكتور فلاح سعيد جبر

لإطعام نحو (605) مليار نسمة هم سكان الأرض حالياً ينتج نحو (6) مليارات طن من أنواع الأغذية البكر والمصنعة كما يستهلك العالم مئات المليارات من المياه المعبأة والعصائر والمشروبات وعدد السكان في العالم ينمو بمعدل (1.7%) سنوياً وهم يحتاجون الى الغذاء بأنواعه ولتعاظم إنتاج الغذاء تعاظمت الحاجة الى مواد التعبئة والتغليف والى ابتكار مواد وتقنيات جديدة للتعبئة والتغليف وبنفس الوقت كانت الدعوات للحفاظ على البيئة وحسن التعامل مع النواتج العرضية للزراعة وللصناعات الغذائية وما تولده من نفايات تحقيق التنمية المستدامة. وفي ميادين تعزيز القدرات التنافسية للصناعات الغذائية وللانتاج الزراعي وللاسماك توجهت الابحاث التقنية لابتكار مواد واختراعات واساليب جديدة للحفاظ على السلع الغذائية البكر والمصنعة سليمة وصحية لاطول فترة زمنية مستطاعة وبأقل كلفة اقتصادية وبابدع الاساليب لاستخدام العبوات للدعاية والاعلان والاعلام عن المنتجات وقيمها التغذوية بحيث تكون مواد العبوات صديقة قدر الامكان للبيئة أرضاً وماءً وهواءً. العديد من المواد الاولية لصناعة العبوات هي مواد ناضبة (الترسبات المعدنية، رمال الزجاج، النفط، والغاز) اضافة للمواد المتجددة والتي تشمل مدخلات صناعة الورق المعتمدة على الغابات والاشجار وتلك المدخلات تعرضت الى حملات عالمية وبضمنها من قبل الاحزاب الخضر الداعية لعدم أو لترشيد استخدام تلك المصادر للحفاظ على البيئة والامر انسحب على العبوات الخشبية والنسيجية . ابتكر العالم أساليب لتدوير المخلفات من خلال جمعها ومعاملتها لاستخدامات أخرى ومنها العبوات الزجاجية والمعدنية والبلاستيكية، وتم ابتكار مواد أخرى أقل وزناً واقل ضرراً للبيئة وأقل تكلفة واستهلاكاً للطاقة وأكثر ملائمة للاستخدامات ، وان كان هدف العبوة الغذائية الرئيسي هو الحفاظ على سلامة وصحة الاغذية المعلبة ويتحمل تكلفتها المستهلك ولاهمية ونوعية العبوات الاولية الملامسة للمادة الغذائية واعتماداً على نتائج الابحاث الطبية ولزوم التقيد بالمواصفات القياسية لعبوات واغلفة السلع الغذائية وضمان عدم تلويثها للاغذية كان ذلك الدافع وراء الابتكارات الجديدة للعبوات. وهنا تجدر الاشارة الى طبيعة الاسواق المستهدفة للسلع الغذائية وانعكاس ذلك على طبيعة العبوات الغذائية، المستهلكين في الدول الغنية والمتقدمة اقتصادياً وثقافة غذائية يبحثون عن النوعية الافضل والاسلم والاضمن والاكثر تغذوية من حيث القيمة ووفق  قدراتهم الشرائية ومعدلات دخلهم وما يخصصونه من دخلهم للاغذية اضافة لمدى جاذبية العبوة نفسها وما تحمله من معلومات على غلافها الخارجي، أما الاسواق في الدول النامية والاقل نمواً فالمستهلكين يبحثون عن السلعة الغذائية الافضل قدر المستطاع والارخص سعراً للتوافق مع قدراتهم الشرائية وفي احيان كبيرة بغض النظر ان كانت معبأة ( للسلع الغذائية البكر) أو طبيعة العبوة للاغذية المصنعة.



ومنذ خمسينيات القرن العشرين كانت المنافسة شديدة فيما بين العبوات التقليدية المصنعة من الورق والزجاج والمعادن والخشبية والنسيجية وبينها مجتمعة مع العبوات البلاستيكية والتي بدأت منذ ذلك التاريخ تجد لها مكاناً في السوق العالمية وتنافس في العديد من المجالات العبوات الاخرى مما دفع القائمين على صناعة العبوات الى تطوير أداء عبواتهم ومعالجة نواحي القصور فيها، الا ان ثورة البلاستيك العالمية طغت ونمت بمعدلات متسارعة جداً، ولم تقتصر ثورة البلاستيك على ابتكار مواد بلاستيكية جديدة للتعبئة والتغليف بل تعدتها الى تقنية العبوات متعددة الرقائق من بلاستيكية ومعدنية وورقية. ثم واجهت العبوات البلاستيكية ونتيجة للابحاث الكيميائية والطبية قضايا الارتحال بين مواد العبوات مع المادة الغذائية المعلبة والآثار المسرطنة لذلك الارتحال وأدى ذلك إلى صدور التشريعات والمواصفات المتلاحقة حول مدى امكانية استخدام تلك العبوات. رافق ذلك كله ابتكار مواد وتقنيات جديدة للحفاظ على السلع الغذائية منها استخدام الشمع والبرافين في تعبئة بعض منتجات الالبان وبعض انواع الفاكهة ، كما تم استخدام أسلوب تعريض السلع الى الاشعاع وغيرها من الابتكارات التقنية، وسعت مراكز الابحاث المتعاملة مع العبوات التقليدية الى تحسين عبواتها مادة وأشكالاً ففي قطاع العبوات الزجاجية حسن شكل العبوة وسمك الغلاف واستخدمت اسلوب تعبئة بعض المنتجات بأكواب وأقداح بالامكان ان تستخدمها ربة البيت بعد استهلاك ما تحويه من مادة غذائية ومثالها في تعبئة منتجات الالبان والعسل والمربيات والدبس، وتم ايجاد عبوات مصنعة من الالمينيوم بديلاً عن المعادن الصلبة وحسن الطلاء الداخلي للعبوات المعدنية وأساليب ومواد اللحام، واختيار عبوات سهلة الفتح والامر انسحب الى حد ما على العبوات الورقية والكارتونية والى حد ما على الخشبية والنسيجية، ومع كل ذلك وللخواص المميزة للبلاستيك فهو السائد في العديد من الاستخدامات لتعبئة المواد الغذائية. رافق ذلك كله قضايا الحفاظ على البيئة وحسن التعامل مع العبوات المستهلكة والحد من آثارها البيئية واقلال التلوث التي تسببه للبيئة ومنها ابتكار مواد بلاستيكية  قادرة البيئة الارضية (ولو بالحد الادنى) لاستيعابها. وللحفاظ على البيئة أعيد الاعتبار نسبياً لاستخدام العبوات الزجاجية متعددة الاستعمالات الا ان قضية تلويث المياه وكميتها المستخدمة لتنظيف تلك العبوات والطاقة المستخدمة لذلك كانت من الامور التي احتاجت الى معالجات جديدة.

ولا زالت دول العالم تستخدم معظم المتعارف عليه من مواد التعبئة والتغليف والتي شملت في الدول الاوروبية جميع الانواع تقريباً مع تسيد العبوات البلاستيكية وفي الولايات المتحدة الاميركية فان استهلاك العبوات البلاستيكية والعبوات متعددة الرقائق المعتمدة على البلاستيك مع الورق والمعدن لتعبئة المنتجات الغذائية يمثل (80%) من اجمالي استهلاك العبوات الغذائية.  وللمحافظة على البيئة قدر الامكان تجري عمليات تدوير العبوات المستخدمة من خلال اتباع اساليب وطرق متعددة في معظم دول العالم حيث تجمع تلك العبوات (وهي ليست بالقضية السهلة) الورقية والبلاستيكية ( من مادة محددة) والزجاجية والمعدنية ليعاد مرة أخرى تصنيعها على أن لا تستخدم تلك المواد الناتجة في صنع الاغلفة الملامسة للمادة الغذائية المصنعة.

المشكلة الرئيسية في عملية تدوير المخلفات للعبوات هي التي تواجه العبوات متعددة الرقائق ومتعددة المواد الداخلة في صناعتها اذ يصعب التعامل معها حالياً ضمن التقنيات المتاحة والقدرات الاقتصادية وهي تستخدم في توليد الطاقة في بعض الدول وهذه بدورها تولد ملوثات عديدة.

وفي الوطن العربي الغير مولد للتقنيات لمنظومة مواد التعبئة والتغليف يتم نقل التقنيات وأساليب ومواد التعبئة المستخدمة عالمياً اذ يفتقر الوطن العربي الى مركز مرجعي للتعبئة والتغليف رغم الجهود التي بذلها ولا زال يبذلها الاتحاد العربي للصناعات الغذائية ومنذ 1983 ولا زال. مع الاشارة الى ان الوطن العربي يملك أعظم الترسبات عالمياً من النفط والغاز لانتاج انواع المواد البلاستيكية وترسبات كبيرة جداً لرمال الزجاج وقدرات كبيرة لانتاج الالمينيوم، الا انه يفتقر الى مصادر تقليدية لانتاج الورق والكرتون حيث بدأ استغلال النواتج العرضية لبعض الصناعات الغذائية وخاصة السكر في تصنيع الورق.

مواضيع ذات صلة

خصائص مواد التعبئة والتغليف الموجهة لقطاع الأغذية

المرتكزات العلمية والتقنية لتعبئة المواد الغذائية

التطورات العالمية الحديثة لمواد التعبئة والتغليف

أهم المواد المستخدمة في التعبئة والتغليف

ميزات وعيوب مواد التعبئة والتغليف

المعايير الاقتصادية التقنية في عمليات تعبئة المنتجات الغذائية

واقع وأفاق منظومة التعبئة والتغليف للمواد الغذائية في الوطن العربي

التطورات العالمية لتقنيات منظومة التعبئة والتغليف

الاعتبارات البيئية والدولية الحديثة المتعلقة بالتعبئة والتغليف

عن المهندس أمجد قاسم

كاتب ومترجم متخصص في الشؤون العلمية، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

شاهد أيضاً

التلوث الغذائي والتعبئة والتغليف

الدكتور فلاح سعيد جبر إن كان الهدف من تعبئة وتغليف السلع الغذائية هو الحفاظ عليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *