انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » اسس التربية » الأهداف التربوية في ظل النظريات الاجتماعية المعرفية

الأهداف التربوية في ظل النظريات الاجتماعية المعرفية

من أنصار هذه النظريات يمكن أن نجد  بريت-ماري بارث.(1998) وألبير باندورا(1986.) وغيرهما. ويحدد هذا الأخير التعلم الاجتماعي المعرفي قائـلا: “نستعمل كلمة اجتماعي لأن الفكر والممارسة يعتبران ظاهرتان اجتماعيتان من حيث جوهرهما ونستعمل كلمة معرفي، لأن سيرورات الفكر تؤثر على الدافعية والانفعالات “،.

من هنا يمكن القول إن التعلم من منظور هذه النظريات هو عملية يتم على أساسها،

اكتساب الفرد لسلوكيات جديدة، من خلال موقف أو إطار اجتماعي أو ثقافي، وبالتالي فإن ما يجعل نظريات التعلم الاجتماعي المعرفي تتميز عن النظريات السلوكية وعن النظريات النفسية -المعرفية بشكل عام، هو تركيز اهتمامها على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والمعرفية للتعلم، وتأكيدها على المكانة الغالبة للتفاعل الاجتماعي والثقافي في آليات التعليم، والسؤال الذي يهمنا في هذا السياق هو: ما هو الهدف التربوي في ظل هذا النظريات الاجتماعية المعرفية للتربية؟ وكيف يحدث تحقيقه؟

للإجابة على هذين السؤالين، نرى أنه من المفيد التعرض لمقاربة من مقاربات التعليم التي يقترحها ألبير باندورا (1977) لتحقيق الأهداف التربوية، فما هي هذه المقاربة؟

“بالرغم من موافقة باندورا على مبدأ التعزيز وأثره في تقوية السلوك، إلا أنه يشير إلى أن التعزيز وحده، لا يعتبر كافيا لتفسير حدوث بعض أنماط السلوك التي تظهر فجأة لدى الطفل، في ظروف لا نستطيع فيها أن نفترض أن هذه الأنماط، قد تكونت تدريجيا عن طريق التعزيز”. يتضح من هذا القول أن باندورا لا يرفض التعزيز جملة وتفصيلا، ولكنه “يفترض أن التعلم عن طريق النموذج، يمكن أن يفسر لنا حدوث التعلم”. فماذا يقصد هذا الباحث بالتعلم بواسطة النموذج؟

للنظريات الاجتماعية المعرفية مجموعة من المقاربات المختلفة للتعلم بواسطة النموذج وتشكل مقاربة باندورا إحدى أهم المقاربات التي تساعد على تحقيق الأهداف التعليمية. وسنكتفي بتقديم هذه المقاربة، علنا نوفق في توضيح دورها في تحقيق الأهداف التربوية في ظل نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي.

– مقاربة التعلم الاجتماعي المعرفي عن طريق النموذج: يتطلب تحقيق الهدف التعليمي وفق هذه المقاربة، المرور بالمراحل التالية:

أ. عرض نماذج من السلوك على الطلبة: في عرض حديثه عن نظريات التعلم الاجتماعي، يقول صالح محمد علي أبو جادو: ” إن كثيرا من التعلم يحدث عن طريق مراقبة سلوك الآخرين وملاحظة نتائج أفعالهم، ووفق هذه النظرية، فنحن لا نتعلم أفعالا بسيطة فقط، بل نتعلم نماذج كلية من السلوك، أي أن ما نتعلمه ليس فقط نماذج من السلوك، ولكن القواعد التي هي أساس للسلوك”، انطلاقا من هذا القول، يمكننا أن نستنتج أن المتعلمين يميلون إلى تبني سلوكيات بعض الأشخاص الذين يعتبرونهم كنماذج باندورا ومارغريت غريدلرBandura) و(1992 M. Gredler ومن هنا يجب على من المدرسين إيجاد نماذج من السلوك لتعليمها وتقديمها للطلبة، فإذا كان الهدف في درس ما هو تعليم المسؤولية، فسيكون من المفيد تفسيرها، ولكن إضافة إلى التفسيرات التي تقدم حول هذا الموضوع، يجب إحضار شخص إلى القسم يعتبره المجتمع مسؤولا ، وإثارة تفاعلات بينه وبين الطلبة للتأثير فيهم. وإذا أراد مدرس أن يعلم للطلبة كيفية تسجيل المعلومات، فبدل أن يقف عند حدود إعطاء توصيات حول العملية التي يجب إتباعها لتحقيق ذلك، يمكنه أن ينفذ أمامهم ما هو مطلوب لاكتساب كيفية القيام بتسجيل المعلومات، ويقدم المدرس أمامهم أمثلة حية عن ذلـك ويرفق عمله هذا بتقديم تعليق واضح حول العمليات التي يقوم بتنفيذها، إنه بهذا الأسلوب  يصير نموذجا يمكن تقليده. يتضح من خلال هذه المقاربة أن الهدف التربوي سيزداد رسوخا في نفوس الطلاب، إذا ما قدمت لهم أمثلة واقعية تمكنهم من الاحتكاك بها. فتقديم نماذج واقعية من السلوك، يساعد على تحقيق الأهداف التي سوف لن تكون مجرد وصفات يطلب من المتعلمين استيعابها.

ب. تقويم وتبرير قيمة السلوكيات: “يرى باندورا  أن الناس يطورون افتراضاتهم حول أنواع السلوك التي سوف تقودهم نحو الهدف التعليمي المنشود”.بمعنى أن تحقيق الهدف يتوقف على القيمة التي نعطيها للنتيجة. ولذلك ينبغي أن نبين للمتعلمين منفعة كل هدف تعليمي فهم – حسب هذه المقاربة يتعلمون أحسن إذا تبينت لهم فائدة هذا الهدف التعليمي أو ذاك بالنسبة للحياة، أو إذا تبين لهم ما سيجنونه من فائدة من تعلم معين بالنسبة لتعلم لاحق. ها هنا يتضح  جليا الوجه البراغماتي للتعلم في مقاربة باندورا. فما يهم هو قيمة النتائج التي ينتظرها المتعلمون من الأهداف المراد تحقيقها، فوضوح الأهداف يتوقف -حسب هذا النموذج-على مدى وضوح الفائدة من تحقيقه.

ج. تعزيز سلوك الطالب: “من المهم جدا القيام بتغذية راجعة إيجابية لكل طالب يحقق تقدما في تعلمه، لأنها تسمح له بتكوين صورة إيجابية عن ذاته، وإدراكها كذات قادرة على القيام بالمهام المطلوبة، غير أنه من الممكن اللجوء إلى العقاب للتقليل من القيام ببعض السلوكيات”. وهنا نجد باندورا  وإلى جانبه غريدلر يستعملان أحد المفاهيم الأساسية في بيداغوجيا الأهداف وفي نظرية التعليم المبرمج التي وضع أسسها سكينر (Skinner) ؛ فالتغذية الراجعة الإيجابية أو السلبية كلاهما يساعد على تغيير السلوك المحدد في الهدف التربوي أو على تعزيزه.

د. الممارسة: “يوصي باندورا بالجمع بين النظرية و التطبيق، لأن الجمع بينهما يصدق كثيرا على التعلم النفسي-الحركي خاصة. بالفعل إنه من الصعب جدا أن نتعلم لعبة الغولف دون ممارستها، ومن الصعب أيضا أن نتعلم الكتابة دون ممارستها، فالطلبة الذي يكتبون بخط جيد يعرفون أنهم توصلوا لذلك عن طريق الممارسة ثم الممارسة ثم الممارسة…”. ولتوضيح علاقة الممارسة بالنظرية في مجال التربية، نقدم فيما يلي إستراتيجية تربوية اقترحها. لتحقيق الأهداف التعليمية. وتتكون هذه الإستراتيجية من مجموعة من المراحل هي:

المرحلة الأولى/  تحليل السلوكات المراد تحقيقها:

– تحديد طبيعة السلوك: معرفي أوجداني أوحركي.

– تحديد مقطع أطوار السلوك.

– تحديد النقاط الحرجة في المقطع؛ مثل صعوبات ملاحظة السلوك مع تحديد المقاطع التي يكون فيها احتمال ظهور الأخطاء كبيرا.

المرحلة الثانية/ وصف مردودية السلوك وانتقاء نموذج من نماذج السلوك المراد تعلي

– تعريف الطالب بمردودية السلوك أو بالنجاح الذي سيحققه إذا ما قام بتنفيذ السلوك المــراد تعلمه، مثال: من المهم أن نطلب من الطالب أن يكتب بخط جيد إذا كانت الوظيفة التي سيقوم في المستقبل تتطلب تحرير تقارير كثيرة.

– البحث عن نموذج من نماذج السلوك التي تساعد على تحقيق النجاح، وغالبا ما تكون هذه النماذج ممثلة في الأقران أو في المعلم أو في بعض نماذج السلوك  الاجتماعي المتفوق.

– تحديد ما إذا كان ينبغي أن يكون النموذج رمزيا أو حقيقيا، مثال: استدعاء كاتب أو طبيب لمقابلة الطلاب.

–        تحديد أنواع التعزيزات الضرورية للسلوك المنشود وضمها للنموذج.

المرحلة الثالثة/ إعداد الحصة التعليمية:

– تحديد الأساليب اللغوية (التعاليق، التعليمات، المؤشرات، الشروح التي  تصف ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله).

– إعادة المراحل المقطعية التي تتطلب وقتا أطول لتفسيرها، مع إيجاد الشروح التي يجب إضافتها لتسهيل التعلم.

المرحلة الرابعة/ تنفيذ الحصة التعليمية:

فعندما يتعلق الأمر بتعلم الطالب القيام بمهارات حركية:

– يجب عرضها عليه من طرف خبير، أي تقديمها من طرف نموذج يقتدى به.

– يجب منح فرصة للطلاب تسمح لهم بممارسة المهارة المحددة.

– يجب استعمال تغذية راجعة تكون مرئية ومسموعة.

وعندما يتعلق الأمر بتعلم بسلوك معرفي، يجب:

– تقديم النموذج مدعما بعبارات شفوية.

– منح فرصة للطلاب لتقديم تعابير موجزة عن السلوك النموذجي، حين يتعلق الأمر بتعلم مفهوم من المفاهيم أو قاعدة من القواعد.

– توفير فرص التعبير للطلاب، خاصة لما يتعلق الأمر بحل مشكلة أو بتطبيق إستراتيجية معينة.

– توفير فرص تعميم السلوك الذي تم تعلمه و تحويله إلى وضعيات أخرى.

يتضح من خلال المراحل السابقة، أن الهدف التربوي سيجد سندات تحقيقه في العمليات التطبيقية التي يوفرها المدرس في الحصة. وهنا نستطيع القول أن الممارسة والنمذجة تلعبان دورا أساسيا في مقاربة باندورا ، وهذا ما يؤكده مصطفى فتحي الزيات عند تعرضه للتطبيقات التربوية في نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي بقوله (متوجها إلى المدرس):” عندما يكون الهدف هو إكساب الطلاب بعض أنماط السلوك التفاعلي القائم على الحوار، كتقمص بعض الشخصيات التاريخية أو الروائية، شَكّل الشخصيات التي تريد نمذجة سلوكها على بعض الطلاب، مع تقديم النموذج الصحيح لكل نمط سلوكي من خلالك”، .

تدفعنا هذه الملاحظة إلى القول بأن التعلم يكون دالا بالنسبة للمتعلم، كلما جاء مؤسسا على استخدام نماذج للأداء الصحيح، ومؤسسا أيضا على نماذج للأداء الخاطئ معا وفي نفس الوقت. ولقد أورد مصطفى فتحي الزيات مجموعة من التطبيقات التعليمية لنظرية التعلم الاجتماعي المعرفي مؤكدا في أمثلته على مفهوم والنمذجة، وهو يقدمها في شكل توجيهات، نذكر منها ما يلي:

–        ” طبق أو نمذج الأنشطة المهارية وقدمها دون أن تتحدث أو بدون قالب لفظي: اعرض النشاط الذي تريد إكسابه للطلاب غير مصحوب بأية تعبيرات لفظية، ثم أعد النشاط مجزءا مع الحديث عن كل جزء منه مع إعطاء تغذية مرتدة لاستجابات أو تعليقات الطلاب أو تصحيح الخطأ منها فورا.

–        وضح كافة إجراءات وخطوات النمذجة مع توفير المواد المتاحة لكي يتم اكتساب السلوك المراد تعلمه على النحو الذي تتوقعه.

–        تحدث دائما عن المعلومات المطلوب استرجاعها أو استدعاؤها التي يمكن على  ضوئها ومن خلالها حل المشكلات العلمية المطروحة، مع إعطاء التعزيز الملائم على كل تقليد أو محاكاة للنماذج بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للممارسة القائمة على التعزيز الذاتي.



–        نمذج السلوك المراد إكسابه للطلاب في ظروف مماثلة للظروف التي سيؤدي فيها الطالب المهارة المطلوبة.

–        وضح نماذج من الأنماط السلوكية التي تصدر عن الطلاب والتوقعات المرتبطة بها والآثار المترتبة عنها. يمكننا أن نستنتج مما سبق بخصوص نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي أن النظريات الاجتماعية المعرفية تتميز بما يلي:

‌أ.        إدماجها لمفهوم البيئة الثقافية والاجتماعية كمحددات مؤثرة في تحقيق الأهداف التعليمية.

‌ب.      تركيزها على تطبيق النمذجة كأسلوب من أساليب تحقيق هذه الأهداف.

‌ج.      ج. استعمالها لمفاهيم تتعلق بمجالات الأهداف كالمجال المعرفي والمجال الوجداني والمجال النفسي الحركي.

اقرأ أيضا

المراحل النمائية والتطور الاجتماعي لدى الفرد

الدافعية الإنسانية و احتياجات الإنسان المتصاعدة

التطور التاريخي لأهداف التربية

العلاقة بين التربية والثقافة

التربية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية

عن الكاتب

الأردن

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3308

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى