انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » اسس التربية » مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة

مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة

بقلم :- زيد ابوزيد

في عصر الانفجار المعرفي الذي يعيشه  العالم حالياً وفي ظل الظروف الصعبة التي تعانيها اقتصاديات دول العالم الثالث ، أصبح الاهتمام باقتصاديات المعرفة والتعليم ضرورة ملحة لترشيد الإنفاق بهدف تحقيق مردود وعائد اجتماعي وتنموي يمكن أن يسهم بالنهوض باقتصاديات هذه الدول ، ناهيك عن الإرتقاء أكثر باقتصاديات وتقنيات التعلم في العالم المتقدم. ومن المعروف أن مفهوم المعرفة ليس بالمفهوم الجديد  في عالم الإقتصاد والتربية ، فالمعرفة رافقت الإنسان منذ بدأت الحياة، وانتقلت معه مرحلة فمرحلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ، مرافقة لاتساع مداركه وفهمه للحياة، غير أن الجديد اليوم هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمط حياة الإنسان عمومًا،وذلك بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية التي ضيقت المسافات واختزلتها بشكل لم يكن أي إنسان ليفكر فيه في الماضي، فقد شهد الربع الأخير من القرن الماضي ،أعظم تغيير في حياة البشرية، بعد ظهور الزراعة والصناعة،وتمثّل بالثورة العلمية والتقنية فائقة التطور في كل المجالات الإلكترونية والفيزيائية والبيولوجية وحتى الفضائية.

ويتميز مجتمع المعرفة بأن من ينتجها يمتلكها، ومن يمتلكها فهو المؤهل للقيادة،لأن من يمتلك المعرفة يصبح هو المختار من قبل الجميع للقيادة ،  وهو الأقدر على الاختيار واتخاذ القرار، ويصبح الاكتفاء بتوفير فرص التعلم لجميع الأفراد  ، بمثابة إختيار الخروج النهائي من سباق التقدم  والحضارة، والتوقف عن محاولة اللحاق بقطار التطور الذي انطلق منذ عقود طويلة ولم يتوقف، لذلك ينبغي العمل على اكساب المتعلمين مهارات إنتاج المعرفة ليتمكنوا من التعايش مع تحديات هذا العصر المجنون سريع التقلب والتغير ،أو ما يصطلح على تسميته تسونامي المعرفة.



لقد كان لثورة المعلومات والاتصالات دور الريادة في هذا التحول فهي مكنت الإنسان من فرض سيطرته على الطبيعة إلى حد أصبح عامل التطور المعرفي أكثر تأثيراً في الحياة من العوامل الأخرى المادية والطبيعية ، فقد أصبحت المعلومات مورداً أساسياً من الموارد الاقتصادية لها خصوصيتها ، بل أنها المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية ، والمكمل للموارد الطبيعة، ، وهي المورد الوحيد الذي لا ينضب ولا يستنفذ، بل يزداد حجمه باستمرار ، ولذلك تلجأ المؤسسات حالياً في سعيها لتنمية اقتصادها إلى وضع استراتيجية تعليمية ضمن إطار ما يسمى باقتصاد المعرفة لنشر المعرفة داخلياً على كل المستويات الفردية والجماعية ، وعلى مستوى المؤسسات ككل وذلك بهدف توليد مقدرات على صعيد تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة وتحسين أدائها، لأن إطلالة  الألفية الثالثة،وبدء الإدراك بأن الجنس البشري يمر بأعتاب مرحلة جديدة من التحولات التي شملت كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وأصبحت معه المعلومات تنتقل بسرعة الضوء في عالم لا يوجد فيه مكان للسرية، و أصبح التحدي الذي يواجه العالم في ظل العولمة أكثر حدة، وكما يقر كثيرون، فإن للعولمة عواقب خطيرة وآثارا غير محمودة، ولا يمنع ذلك من أنها قد تتيح فرصا جديدة إذا أحسن التعامل معها.

لقدأصبح حجم المعرفة يتضاعف في فترات قصيرة، ومن المستحيل أن يختزن الإنسان في عقله كل هذه المعارف، و يصبح من الضروري أن تتكامل الأسس الأربعة للتربية لتصنع إنسان اليوم الذي يستطيع أن يتكيف ويتعايش مع عالم الغد، والمهم للإنسان أن يتعلم ليكون صانع للمعرفة ومصدراً لها وليس مجرد مستهلك، أو أن يكون ما يريد هو أن يكون لنفسه، في إطار من التعايش مع الآخرين. وفي ظل مجتمع المعرفة تغيرت أدوار المعلم من مجرد حافظ للنظام وناقل للمعرفة باعتباره المالك للمعلومات والمعارف، إلى كونه مرشد وميسِر ومنظم لبيئة التعلم، ويتغير من مجرد ملقن ومحاضر الي صانع للتعلم وواضع لخطط البحث، ويقوم بدور القدوة والنموذج أمام طلابه، ويقوم بدور الباحث ويستخدم استراتيجيات تعليمية متنوعة تراعي التباين بين التلاميذ، ويصبح مسئولاً عن تنمية مهاراته الشخصية والمهنية والتربوية بما يحقق مبدأ التعلم مدي الحياة،من هنا وأمام هذه التحديات تتزايد أهمية دور المعلم في بناء التلميذ، طفل اليوم الذي سيكون رجل الغد وتتزايد أهمية إكساب الطالب مهارات التعلم الذاتي كي يحصل علي المعرفة بنفسه، ومهارات التفكير المتنوعة ليتمكن من أن يتعايش مع الآخرين في مجتمع الغد. ولن يتأتي للمعلم أن يقوم بهذه الأدوار دون إعداد جيد وتدريب مستمر يحقق التنمية المهنية المستمرة، وبالتالي لم يعد الإعداد الأولي الذي حصل عليه في كليات ومعاهد إعداد المعلمين كافياً للقيام بهذه الأدوار.

إن تفجر ثورة المعلومات ، وقدوم الألفية الثالثة حتمت على الاقتصاد العالمي التوجه نحو اقتصاد المعرفة،الذي يعتمد اعتماداً أساسياً على تكنولوجيا المعلومات ، حيث يشهد عالم اليوم  إزدياداً مضطرداً لدور المعرفة والمعلومات في الاقتصاد، فالمعرفة أصبحت دينامو  الإنتاج والنمو الاقتصادي ،كما وأصبح مبدأ التركيز على المعلومات والتكنولوجيا العامل الأساسي  في الاقتصاد ،  وبدأنا نسمع بمصطلحات تعكس هذه التوجهات مثل “مجتمع المعلومات “وثورة المعلومات” و ” اقتصاد المعرفة” و”اقتصاد التعليم” وغيرها، حيث يحاول الاقتصاديون الآن، مع ازدياد توليد ونشر واستخدام المعرفة والمعلومات، إيجاد طرق لإدخال عامل المعرفة بشكل مباشر وواضح في نظرياتهم ونماذجهم الاقتصادية، ومنها مثلاً “نظرية النمو الجديدة” فالعلاقة بين التنمية وبين توليد المعلومات واستخدامها أصبحت واضحة، وتشتمل المعلومات على المعلومات العلمية و  التكنولوجية والثقافية وغيرها،حيث يزداد استثمار الدول في المعرفة والمعلومات من خلال الإنفاق على التعليم والتدريب والتطوير في القطاعين العام والخاص. فالاستثمار في المعلومات أصبح أحد عوامل الإنتاج ، فهو يزيد في الإنتاجية كما يزيد في فرص العمل، وتعكس المعرفة مدى السيطرة على الأشكال المختلفة للمعلومات حيث يمكن تقسيم المعرفة إلى أربعة أشكال هي:-

أ- معرفة المعلومة . ب- معرفة العله .

ج- معرفة الكيفية. د- معرفة أهل الاختصاص.

وتعمل تكنولوجيا المعلومات الآن على ترميز هذه الأنواع من المعرفة وبالتالي تحويلها إلى سلع  تؤثرجذرياً في الاقتصاد والمال والمنعة الوطنية والقومية.

واتوضيح ذلك فإن:-

أ-“معرفة المعلومة” أو “معرفة ماذا”:-

وتشتمل على معرفة الحقائق وهي أقرب ما تكون إلى معرفة المعلومات التقليدية ، كمعرفة الحقائق الهندسية والرياضية من قبل المهندسين ومعرفة الحقائق  الطبية من قبل الطبيب أو معرفة القوانين والأنظمة من قبل المحامي ، إلى غير ذلك.

ب-“معرفة العلة” أو ” معرفة لماذا”.

وتشتمل على معرفة الأسباب وراء ظواهر الطبيعة واستثمارها لخدمة الإنسان ، وتكمن هذه المعرفة وراء التقدم العلمي والتكنولوجي و وراء الصناعة وإنتاج السلع المختلفة، وتتركز مصادر هذه المعرفة في وحدات التعليم والبحث والتطوير العام والخاص.

ج-“معرفة الكيفية” أو “معرفة كيف”.

وتشير هذه المعرفة  إلى الخبرة في تنفيذ الأشياء سواء كانت هذه الأشياء هي إدارة الأفراد أو تشغيل العمليات أو تشغيل الأجهزة والآلات أو استخدامات التكنولوجيا المختلفة، وعادة ما تكون هذه المعرفة ملكاً للشركات والمؤسسات ويحتاج الحصول على بعضها إلى آليات مختلفة ومعقدة ومكلفة.

د -“معرفة أهل الاختصاص” أو” معرفة من”.

وتزداد حالياً أهمية هذه المعرفة،  معرفة من يستطيع عمل شيء  ما لا بد منها لتنفيذ هذا العمل بشكل سليم واقتصادي. وتفعيل الاقتصاد حالياً يحتاج لهذه المعرفة حاجة كبيرة . كما تسرع هذه المعرفة تنفيذ المشاريع تسريعاً مؤكداً وصحيحاً.

إن تعليم السيطرة على هذه الأنواع الأربعة من المعرفة يتم عبر وسائط مختلفة ” فمعرفة المعلومة”  ” ومعرفة العلة” تؤخذان من الكتب والمؤسسات التعليمية والتدريبية ومن قواعد المعلومات . أما النوعان الآخران فلا يؤخذان كاملاً إلا بالممارسة. لكن توفير المعرفة وتحويلها إلى معلومات جعل من تكنولوجيا المعلومات أداة  هائلة في وضع المعرفة في متناول العالم ، خاصة وأن شبكات المعلومات مثل الانترنت وغيرها تجعل المسافات قصيرة والزمن مختصر والتكلفة بسيطة والتداول سهلاً . إن هذا الترميز للمعرفة وتخزينها رقمياً انطلاقاً من توفرها كمعلومات على شكل كتب ومجلات  وأوراق عمل ومراجع وفهارس وصور وصوت وأفلام ورسومات ، إضافة لتسهيل نقلها عبر الشبكات الرقمية العالمية يجعلها أداة للتنمية الاقتصادية والثقافية ، وهذا ما يقربنا  من ” مجتمع المعلومات” الذي يولد وينقل ويستعمل المعرفة لخدمته في كافة المجالات.

إن توفير المعرفة وتحويلها الى معلومات رقمية يجعلها تتحول الى سلعة يزداد تنوعها يوماً بيوم،ويزداد  دورها في الاقتصاد العالمي الذي يتحول الى ” اقتصاد المعرفة.

إن اقتصاد المعرفة يعتمد أساساً على نشر المعلومات واستثمارها، بالإضافة الى إنتاجها طبعاً ، فنجاح المؤسسات والشركات يعتمد كثيراً على فعاليتها في جمع المعرفة ،واستعمالها لرفع الانتاجية وتوليد سلع وخدمات جديدة ، وقد أصبح الاقتصاد يقاد من قبل سلسلة هرمية من شبكات المعرفة التي تتغير فيها المعلومات بمعدلات سريعة ، وهناك أنواع عديدة لشبكات المعرفة مثل شبكات الجامعات وشبكات مراكز البحوث وشبكات مؤسسات المعلومات كالمكتبات ودور النشر ومراكز التوثيق وشبكات الصناعات المختلفة وغير ذلك من الشبكات ،وأصبح المجتمع الذي لا يعتني بإنشاء شبكات مؤسسية للمعرفة،مجتمعاً متأخراً عن الركب الاقتصادي العالمي. وتلعب تكنولوجيا المعلومات دوراً أساسياً في تشبيك المعرفة وطنياً واقليمياً وعالمياً وأصبحت أحد الأدوات الهامة في الابداع والتجديد وفي تفعيل النظام الوطني للابداع. ويتطلب اقتصاد المعرفة جهوداً أكبر في مجالات التعليم والتدريب كما يتطلب  نوعاً  جديداً من التعليم  والتدريب . فعدد العاملين في مجال المعلومات يزداد باضطراد وهذا يتطلب تكوين العلميين والعاملين في هذا المجال وفي مجالات  تكنولوجيا المعلومات  أدنى مما يجب وأقل من الحاجة ، فالامية المعلوماتية أصبحت من الظواهر المعيقة  للتقدم ، من جهة أخرى فان تطور المعرفة السريع يتطلب التدريب مدى الحياة ، كما يتطلب مستوى علمي وتكنولوجي للعمالة أعلى من السابق والحاجة لاكتساب ملكة التعليم أصبحت حاجة ماسة للعاملين . وستتجه الأجور لأعلى لفائدة العاملين القادرين على  التعامل مع المعلومات المرمزة  والمعرفة التكنولوجية اكثر من اتجاهها نحو العمل اليدوي أو الجهد الجسدي .

من جهة أخرى فان الحصول على المعرفة اصبح أسهل وأقل تكلفة من السابق بوجود شبكات المعرفة ولكن هذا يتطلب معرفة اللغات االأخرى وبخاصة الإنجليزية كما يتطلب جهوداً في التعريب،وتدل الدراسات في عدد من الدول على ارتفاع الطلب على اليد العاملة المختصة في التعامل مع المعلومات وتكنولوجيا المعلومات ومع المعرفة بشكل عام ، وانخفاض الطلب على العمالة غير المتعلمة وغير الخبيرة ، وهذا سيؤثر في هيكلية سوق العمل عامة وفي توزيع الأجور .

ان هذه الظواهر تستدعي من الحكومات اعادة النظر في سياسة الأجور وسياسة العمالة وسياسة التعليم. وأخيراً فان هيكلية الشركات  والمصانع تتغير نحو الأتمتة والمعلوماتية.  كما أن تغير الآلات المستعملة لديها وتطورها السريع لتأمين إمكانيات المنافسة يستدع أيدي عاملة قادرة على التعلم باستمرار ويزيد في معدلات البطالة لدى فئة اليد العاملة اليدوية. لأن المعلومات المرمزة أصبحت من ركائز الاقتصاد الأساسية ، والتعامل مع المعلومات يتطلب التعامل مع اللغات، وتوفر المعلومات في اللغة الأم يسهل هذا التعامل ، كما أن توسيع انتشار المعرفة واستثمارها لدى كافة طبقات الأمة يتطلب التعريب،أي أن التعريب هام خاصة في مجالي  نشر واستعمال المعلومات اكثر منه في مجالي توليد ونقل المعلومات.

إن تعريب المعرفة اللازمة  للأمة إضافة الى التمكن من اللغات الأجنبية وخاصة الانجليزية أصبح من ضرورات  التنمية اكثر  من أي وقت مضى.

وتشتمل جهود التعريب على عدة أمور أهمها :-

أ- وضع المصطلح العلمي وتوحيده ونشره.

ب- الاهتمام بتقييس استعمال اللغة العربية في المعلوماتية والاتصالات.

ج- الإسراع في تكوين قواعد المعلومات باللغة العربية في مختلف المجالات ووضعها على الشبكات الحاسوبية ومنها شبكة الانترنت.

د- الاهتمام بالترجمة العلمية من اللغات العالمية وخاصة الانجليزية الى اللغة العربية.

ه- الاهتمام الجاد بتعليم العلوم باللغة العربية في المدارس والجامعات في كل الوطن العربي مع الاهتمام في الوقت ذاته بتعليم  اللغات الاجنبية وإتقانها وخاصة الإنجليزية.

و- دعم البحوث القائمة واللازمة في مجالات اللغة العربية وتكنولوجيا المعلومات. وفي تفصيل ذلك :-

أولاً:-  ففي وضع المصطلح العلمي وتوحيده ،حيث تقدم تكنولوجيا المعلومات الآن فرصاً جديدة لتسهيل جهود توحيد المصطلح ونشره ، فوضع المعاجم على شبكة الانترنت مثلاً سيساعد في نشر وتوحيد المصطلح ، كما أن توفر النشر الإلكتروني باستعمال الأقراص المدمجة سيجعل تكلفة انتشار المصطلح أقل مما هي عليه الآن. و توحيد السوق العربية للكتاب وتسهيل انتقاله في الوطن العربي سيقلل من تكلفة النشر ويساعد في توحيد المصطلح يضاف إلى هذا كله طبعاً جهود التوثيق والمكتبات

ثانياً:- أما الاهتمام بتقييس استعمال اللغة العربية في المعلوماتية والاستعمالات فيساعد في عملية التعريب وتوحيد استعمال النظم المعلوماتية على مدار الوطن العربي ، وعلى سبيل المثال لابد من  تقييس استعمال الرموز الخاصة بإدخال اللغة العربية في قواعد المعطيات وعلى شبكات الاتصال وفي البريد الإلكتروني وفي مواقع الانترنت وغيرها ،. إن غياب التقييس هذا سيضعف من انتشار اللغة العربية ولغة لاتجاري اقتصاد المعرفة ، كما سيزيد من تكاليف النظم المعلوماتية العربية بشتى أشكالها بسبب تشتت  السوق العربية المعلوماتية لعدة أسواق صغيرة تجعل تكلفة تطوير النظم عالية وغير مناسبة لكل الوطن العربي لاختلاف التقييس من دولة عربية لأخرى.

ثالثاً:- يؤدي الإسراع في تكوين قواعد المعلومات العربية في كل المجالات ووضعها في متناول المواطن العربي إلى انتشار واستثمار المعلومات ،وهو أحد دعائم اقتصاد المعرفة، لأن وجودالشبكات والحواسيب في الوطن العربي غير كاف لدخوله عصر المعلومات لأن وجود الشبكات الحاسوبية دون وجود قواعد معلومات عليها غير مفيد. كما أن وجود قواعد المعلومات باللغة العربية وتعريب قواعد المعلومات العلمية والتكنولوجية سيسرع في انتشار واستعمال المعرفة وبالتالي الدخول في اقتصاد المعرفة.

إن قواعد المعلومات تشمل  القواعد العلمية والتكنولوجية والطبية والحقوقية والثقافية والزراعية والتجارية وغيرها وعلى كل المؤسسات العامة والخاصة الإسراع في وضع قواعد معلومات تخص ما لديها بهدف نشرها واستثمارها.

رابعاً :- الاهتمام بالترجمة من وإلى اللغة العربية وكذلك الترجمة الآلية أو الترجمة باستعمال الحاسوب، كلها من الأمور التي ستساعد في جهود التعريب وبالتالي في عملية نقل المعرفة وهي إحدى العناصر الأربعة اللازمة للوطن العربي في مجال المعرفة أي التوليد والنقل والنشر والاستثمار.

خامساً :- تعليم العلوم  باللغة العربية مع إتقان لغة أجنبية في نفس الوقت مطلب هام من لوازم دخول الوطن العربي عصر المعلومات ، وقد أثبتت بعض الدراسات أن دراسة العلوم باللغة الأم مع إتقان لغة أجنبية أكثر جدوى من دراستها بلغة أجنبية ،وعلى العالم العربي معالجة هذه المسألة بجدية أكبر من الحالية.

سادسا – دعم البحوث القائمة في مجالات اللغة العربية وتكنولوجيا المعلومات ، مثل بحوث  معالجة اللغات الطبيعية ، وبحوث فرز وتصنيف المعلومات العربية وفهرستها آلياً وبحوث تحليل النصوص العربية ، وتركيب الكلام وتعرف الكلام، والبحوث الحاسوبية في المجالات المعجمية والصرفية والنحوية والدلالية ، وبحوث هندسة التعريب ، والترجمة الآلية.و إن استفادة العالم العربي من الفرص التي سيتيحها اقتصاد المعرفة، وأخذ حصته فيه،  وتجنب مخاطر عدم مواءمته مع التحديات التي سيأتي بها هاذ الاقتصاد ، وكل هذا يتطلب من العالم العربي التحرك لتفعيل دور مؤسسات العلم والتكنولوجيا لديه لتأدية وظيفتها في المجالات الأربعة للتعامل مع المعرفة أي:-

أ- توليد المعرفة: وذلك في مؤسسات البحث والتطوير وفي الجامعات ، وهذا يتطلب قيام الدول العربية برفع معدلات تمويلها ودعمها لهذه المؤسسات.

ب- نقل المعرفة : وذلك من قبل الشركات المتقدمة ، وكذلك مؤسسات التوثيق العلمي وشبكات نقل المعلومات ومؤسسات الترجمة،  وكذلك عن طريق البعثات للاختصاصات المختلفة بقصد نقل المعرفة وتوطينها ، يضاف إلى ذلك جهود التعاون الإقليمي والدولي بهذا القصد.

ج- أما نشر المعرفة:  فيكون بدعم دور التوثيق والإعلام العلمي إضافة إلى برامج التوعية العلمية  المختلفة ، وكذلك توفير مراكز تقديم المعلومات العلمية والتكنولوجية والتجارية وغيرها ، وتوسيع استثمار شبكات الحواسيب ومنها الانترنت وتشجيع  إنتقال العاملين من الجامعات ومراكز البحوث إلى الصناعة وبالعكس.

د- استثمار المعرفة: وهي من أهم الوظائف التي يجب الاعتناء بها وذلك بتوفير المؤسسات الوسيطة بين جهات توليد المعرفة وفعاليات الإنتاج والخدمات مثل المؤسسات التكنولوجية ومثل المخابر الهندسية والهندسة العكسية ومثل دعم براءات الاختراع وحماية الملكية الفكرية وغيرها من الإجراءات. حيث إنه من المؤكد أن تطبيق استراتيجية تعليمية في المؤسسة سيساعد المديرين في خلق عمليات جماعية وافرادية تمكن من رفع مستوى جودة العمل ، وبالتالي توليد قيم إضافية لـه تزيد من الموارد المالية للمؤسسة ، وتشير الدراسة إلى تطور مفهوم الاقتصاد الجديد بحيث أصبح ينظر إليه كأسلوب جديد في المقاربات الاقتصادية ، وذلك في خضم الحدث عن تطور الاقتصاد كعلم لدرجة صار بعض الاقتصاديين يعتبر الاقتصاديات الحديثة منظومة تكيفية ديناميكية ، بدلاً مما كان ينظر إليها كمنظومات توازن مغلقة ومعقدة ولفترة طويلة ، أن أهم ما يميز الاقتصاد الجديد اعتماده على مصادر أخرى غير الطاقة وهي مصادر غير حسية كالمعرفة والمعلومات وإدارة المعرفة، لدرجة غدت عندها تلك المصادر غير الملموسة مجالاً رحباً للتنافس العالمي وأصبحت موضوعاً لمهن مستقبلية في إطار المنظومة الاقتصادية العامة فضلاً عن كونها مولداً فعلياً للثروة ، ويمكن وصف وضع الحالي للاقتصاد بأنه يقع في منتصف الطريق بين الاقتصاد التقليدي المتوازن المغلق القائم على الطاقة وبين الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة ، لعل البعض ومنهم عالم الإدارة الأميركي ” بيتر دروكر ” يرى أن العالم صار يتعامل فعلاً مع صناعات معرفية تكون الأفكار منتجاتها والبينات موادها الأولية والعقل البشري أداتها ، إلى حد باتت المعرفة المكون الرئيسي للنظام الاقتصادي والاجتماعي المعاصر ، من هذا المنطلق أصبحت البشرية على عتبة عصر جديد تلعب فيه إجراءات حقن الاختراعات في الاقتصاد وتقارب التقانة العالية دوراً مفتاحياً في تسريع حركة المعرفة وضخها من أقنية العولمة الجارية حالياً ،وفي هذا السياق برزت مفاهيم الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية التي تشكل المعرفة جوهرها والقوة المحركة الرئيسية فيها. ويرى أحد الباحثين أن لاقتصاد المعرفة مستلزمات أساسية أبرزها:-

أولاً :- إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده وإجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز المعرفة ابتداء من المدرسة الأساسية وصولاً إلى التعليم الجامعي مع توجيه الإهتمام لمراكز البحث العلمي

ثانياً :- العمل على إنشاء وتطوير رأس المال البشري بنوعية عالية ، وعلى الدولة توفير المناخ المناسب للمعرفة ، فالمعرفة اليوم ليست ” ترفاً فكرياً ” بل أصبحت أهم عنصر من عناصر الإنتاج.

ثالثاًَ :- أدراك المستثمرين والشركات أهمية اقتصاد المعرفة ، والملاحظ أن الشركات العالمية الكبرى العابرة للقارات “متعددة الجنسيات تساهم في تمويل جزء من تعليم العاملين لديها ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم ، وتخصص جزءاً مهماً من استثماراتها للبحث العلمي والابتكار…إلخ.

إن استمرار المعلومات والمعرفة بالانتشار في جل الأنشطة الرقمية التي تسود معظم قطاعات الأنشطة الاقتصادية بات يحتم ضرورة معاودة التفكير بهذا المورد الجديد الذي بدأ يحمل تأثيرات ملموسة على الآلة الاقتصادية العالمية. وترتكز اقتصاديات معالجة المعلومات على  ثلاث محاور رئيسية هي:-

1- معالجة المحتوى الذي يمثل موارد التصنيع المعلوماتي.

2- ومعالجة المعلومات التي تمثل أدوات الإنتاج.

3- وشبكات الاتصال التي تمثل قنوات التوزيع للزبائن.

أن أهم مقوم في صناعة المعرفة هو المحتوى المعرفي الذي يتألف من التراث الرمزي الإنساني من نصوص وقواعد وبيانات وقواعد معرفية وأفلام وموسيقى وآليات مستحدثة ، تستثمر هذا المحتوى لإبداع محتوى جديد .

ومن أجل هذا بدأت الولايات المتحدة ومؤسساتها العملاقة بالسعي إلى إحكام قبضتها على موارد المحتوى تمهيداً لفرض هيمنتها على عجلة الاقتصاد المعلوماتي العالمي. أن الأنموذج الاقتصادي المطلوب لمعالجة قيمة المعرفة ، وإيجاد الصياغات الرياضية الملائمة لاحتسابها يرتكز إلى حقيقة أن قيمة المعلومات تنشأ عن طبيعة المحتوى الذي يمكن استثماره بنشاط أو عملية لإنتاج عائد اقتصادي.

وإذا حاولنا تتبع أهم المفردات الكلفوية لمادة المعرفة نجدها تنقسم إلى المحاور التالية:-

المحور الأول :- كلف تطوير وإنشاء المحتوى المعلوماتي أو المعرفي.

المحور الثاني :- الكلف السوقية لتداول المعلومات.

المحور الثالث :- كلف جمع المعلومات من مواردها المنتشرة في النظم المعلوماتية ، يضاف إلى هذه المحاور مفردات تعتمد على هدية مستثمر المعلومات وطبيعة الأهداف المرسومة لخطط استثمارها

أما إدارة المعرفة فتتألف من العمليات التي تهدف إلى كسب المعرفة أو استخدامها لتحقيق مردود اقتصادي ملموس ، وعليه يتألف نظام إدارة المعلومات من العمليات والتقنيات التي يتم توظيفها في ضوء رؤيا واستراتيجية المؤسسة بحيث توفر المعرفة العلمية والتطبيقية اللازمة لحل المشكلات التي تعترض طريق العاملين في دائرتها ، ويقيم هذا النظام علاقات جدلية مع الثقافة والاستراتيجية السائدة في البيئة التي يقيم فيه وسلاسل القيم السائدة في البنية الاقتصادية، فيستمد منها موارده ويحدد معالم آليات التعامل مع تفاصليها الدقيقة ، مما يثمر عنه الارتقاء بالرأسمال البشري ، وتعميق المعرفة بموارد المعلومات المتاحة لضمان القدرة على التنافس ، والاستمرار في الوقوف بمكان الصدارة ،و بصورة عامة يتألف رأس المال المعرفي من عنصرين متفاعلين هما:-

1- العنصر البشري الذي يتفاعل مع المعرفة ويستوعبها ويحيلها إلى واقع ملموس ونجاحات مستمرة .

2- المعلومات التي تستقر في النتاج الإنساني المنتشر في الفكر الموثق والإنجازات الفكرية للجنس البشري وصياغة الأسئلة التي تفتقر إلى حلول ترقى بالإنسان على الطبيعة المحيطة به.

اقرأ أيضا

الأصول الاجتماعية والثقافية للتربية

الإشراف التربوي بين التوقعات والمعوقات

أدوات القياس والتقييم في العملية التربوية

التخطيط التربوي طويل المدى

أنواع التخطيط بوجه عام والتخطيط التربوي بوجه خاص

الأصول التاريخية والفلسفية والنفسية للتربية

مفهوم التربية وأهدافها

قواعد إدارة الإبداع

قواعد إدارة الاجتماعات

قواعد في إدارة الأزمات

الأصول الاقتصادية للتربية

الأصول السياسية للتربية

عن الكاتب

الأردن

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3338

تعليقات (2)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى