انت هنا : الرئيسية » علوم و طبيعة » التجربة الجزائرية في مجال التعديل الوراثي

التجربة الجزائرية في مجال التعديل الوراثي

اعداد

مليكة فضيلة حمانة

كان للتحسن الوراثي الدور الأساسي في زيادة الإنتاجية و التنوع الوراثي في العالم في الميدان الزراعي، من حيث النوعية وإبعاد الحدود الجغرافية للمنتجات الزراعية.

لكن ما تزال هنالك العديد من الضغوط الحاضرة ، والمتمثلة في الفترة الزمنية الطويلة اللازمة للحصول على أصناف ثابتة، وانقراض بعض الأصول الوراثية ومنه تملص العديد من الأصناف  المحلية.

وسمح تطور التكنولوجيات الحيوية للعلميين بالتفضل المباشر في المورثات النباتية، وفهم سيرها عن طريق مضاعفة تكاثرها أو إخمادها . كما أنها سمحت التعريف عن موقع ودور هذه المورثات  بالمقارنة مع نبتة  غير مُحَوَّلة. واَستعملت هده التقنيات في عدة بحوث علمية أساسيِة وتطبيقية كالبحث في بعض الأمراضِ الوراثية والتي تصيب الانسان .



أحدثت هذه التقنيات الحيويةِ الخاصة ُ صدى كبير في ميادين مختلفة ومن الملاحظ أن هذه  التغيرات الجينية لها أهمية اقتصادية مباشرة في معظم الحالات، فالبعض منها يتميز بطابع مر فولوجي كتغيير في لون الأزهار والآخر ذات أهمية في حماية البيئة مثال تغير المحتوى الخشبي للأشجار المستعملة في صنع الورق .

أما الميدان الزراعي فاستعمل قوة ودقة الإدخال التي تسمح به هذه التقنيات في  البحوث التطبيقية التي تهم تغيير القيمة الغذائية لبعض الأصناف النباتية الزراعية كزيادة في كمية المعادن وارتفاع قيمة B-caroten ، وتغيير التركيب الكيميائي للزيوت (عباد الشمس والسلجم)، ومقاومة الضغوط الحيوية كأمراض الفيروسات والفطريات و البكتيريا واللاحيوية كالإجهاد المائي والملحي والبرودة .

ويلاحظ الآن أن التطور السريع لهذه التكنولوجيات الحيوية قد أدت إلى انخفاض بعض النواقص التي لوحظت في الأجيال الأولى للنباتات المحورة وراثيا خاصة وجود جينات مسؤولة عن مقاومة مضادات الجراثيم.

اتهمت الأنواع الحيوية المحورة وراثياً بأنها تسبب بعض الأخطار على البيئة الحيوية وحتى على الصحة الحيوانية و البشرية.

من الملاحظ أن العديد من العلماء قد أشاروا في تقاريرهم الأولية بعدم إيجاد براهين علمية قاطعة وعدم إيجاد بعد زمني كافي للقيام بجميع الدراسات والتحاليل حول الآثار الإيجابية والسلبية لإدخال الكائنات الحية النباتية والحيوانية على البيئة.

فالآثار المحتملة قد تكون عديدة، البعض منها خاصة بالتنوع الحيوي وعلى الحشرات والكائنات الدقيقة التي تعيش في مدى حيوي جغرافي معين.

فمن المعلوم أن انتقال الجينات من كائن حي إلى آخر موجود بالطبيعة ما بين الأصناف المتقاربة والمتناسبة.

وخطورة ذلك أكبر في المراكز الأولية والثانوية للتنوع الوراثي كالمكسيك بالنسبة للذرة،  المنطقة النهائية بالنسبـة للبطاطس والطماطم ، الشـرق الأوسط بالنسبة للقمـح وأوروبا بالنسبة للسلجم.

أما بعض الآثار المحتملة كنقل الجينات المسؤولة بمقاومة الجراثيم من النباتات إلى الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأرض يكون احتمال وقوعها ضئيلا.

أخذت الجزائر بعين الاعتبار  هذه الآثار السلبية المؤكدة والمحتملة حيث أنها  قررت  امضاء بروتوكول قرطاجنة عن قريب لتكون من بين الأعضاء المؤسسين وبدأت في تطبيق ما نص عليه هذا البروتوكول.

سيحاول موضوع هذا التقرير وصف حقيقي لحالة المنتجات المحولة وراثيا في الجزائر  وأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب التي لها علاقة بالتحول الوراثي أو بأثره.

الجانب التقني والعلمي :

بصفة رسمية، لا يوجد بالجزائر معهدا أو جامعة  تعمل على التحوير الوراثي بطريقة تطبيقية. لكن إذا أخذنا كاقتراض أن للاهتمام الفعلي بالتحوير الوراثي عدة شروط يلزم حضورها، منها :

1- الإمكانيات العلمية والتقنية لتنفيذ مشاريع و برامج بحث حول التحوير الوراثي

إن الجزائر كونت مند اكثر من عشرين سنة العديد من الكوادر العلمية (ماجستير ودكتوراة) في مجال علم البيولوجيا العامة والدقيقة والتكنولوجيات الحيوية عبر منح وطنية ودولية.

2- الإمكانيات التقنية اللازمة لهدا المجال

ففي هذه النقطة, من المعروف أن الجزائر قامت بإنشاء وتجهيز عدد كبير من المخابر بأحدث الوسائل التقنية المتعلقة بالتكنولوجيات الحيوية .

3- نقص المواد الكيماوية الخاصة :

بالجزائر حاليا العديد من شركات عمومية وخاصة تستورد المواد الكيماوية اللازمة لتنفيذ عمليات البحث، لكنها تجد بعض الصعوبات في عرض على الباحثين والمختصين بعض المواد الخاصة واللازمة  في إنجاز العمليات العلمية الدقيقة.

4- الاهتمام بالبحوث والبرامج المتعلقة بالتحوير الوراثي :

في هدا المجال، ميادين الاهتمام  متنوعة، منها  :

* البحث الأصلي أو الجوهري على المورثات لفهم تركيبها ودورها وتنظيمها. ويهم هذا الجانب القطاع الجامعي والطبي بالأخص.

*  البحث الزراعي خاصة لإيجاد المورثات  ذات أهمية كبيرة في الزراعة للأهداف التالية :

*  مقاومة الحشرات .

*  مقاومة الفيروسات .

*  مقاومة الفطريات .

*  مقاومة البكتيريات .

*  تحمل الملوحة .

*  تحمل الإجهاد المائي .

*  تحمل البرد .

*  إطالة فترة التخزين بعد الحصاد .

*  المحا فظة على الجودة .

*  نقل المورثات المسؤولة عن الصفات اللاجنسية .

إن التحليل الظاهري لحالة البحث بالجزائر والتحليل السطحي للقدرات الوطنية في البحث العلمي تظهر أن بعض القطاعات منها الزراعية والصيدلية والطبية والجامعية والبيتروكيمياوية التي لها الإمكانيات البشرية العلمية والتقنية وآلتي تأخـذ على عاتقها بعض المسائل المرتطبـة بالتحوير الوراثي.

القطاع  الفلاحي  :

يتكون القطاع الفلاحي بالجزائر من معهدين وطنيين متخصصين بالبحث الزراعي وبالبحث المتعلق بالغابات، إلى جانب معاهد تقنية مختصة كمعهد التلقيح الاصطناعي والتحسين الوراثي ((CNIAAG والمعهد التقني للزراعات الحقلية (ITGC) والمعهد الوطني للطب البيطري    IMMV) والمعهد الوطني للأشجار المثمرة والكروم (ITAFV) والمعهد التقني للزراعة الصحراوية   ITDAS) والمعهد التقني لتربية الحيوانات (ITELV) والمعهد الوطني لوقاية النباتات (INPV)   والمركز الوطني لمراقبة النباتات ومصادقة البذور ((CNCC  .

وتتميز هذه المراكز والمعاهد بإمكانيات بشرية وتقنية عالية كما أنها تعطي اهتماماً كبيراً للتكنولوجيات الحيوية المطبقة على النباتات والحيوانات وحتى على الكائنات الدقيقة ذات أهمية في ميدان التنوع الحيوي والزراعي بالأخص.

المعهد الوطني للبحث الزراعي :

يتكون المعهد الوطني للبحث الزراعي من عدة مخابر، مراكز ومحطات ؛ البعض منها متخصصة في التكنولوجيات الحيوية المطبقة على الزراعة.

كما أن اهتمام الباحثون  بهذا الموضوع أدى البعض منهم  إلى تكوين أفواج عمل حول التحوير الوراثي ، السلامة الحيوية، التكنولوجيا الحيوية و الموارد الحيوية ، وتقوم هذه الأفواج بدراسة كل مايخص التنوع الحيوي واستعمال التقنيات الحديثة ومتابعة التطورات العلمية التي تخص مجالات اهتمامها.

القطاع الصيدلي و الطبي :

يتكون المجمع الاقتصادي الصيدلي من مخابر عديدة ومن مركز بحث وتنمية.

يقوم هذا المجمع باستيراد بعض الجزيئات و العقاقير كمكونات أساسية لصنع الأدوية بالجزائر، واحتمال إن هذه الجزيئات قد يكون اصلها زراعة خلايا نباتية أو بكتيريا محورة وراثياً غير ضئيل وفي بعض الحالات مؤكد.

زيادة على هذا، فان معهد باستور بالجزائر (الحامة و سيدي فرج) يتميز بخبرته الدولية  في ميدان علم البكتيريا والفيروسات، بمخابره وبمشاريع بحوثه التي تركز على علم الأحياء الجزئية والهندسة الوراثية.

القطاع الجامعي :

بالنسبـة للقطاع الجامعـي ، الأساسي منه خاصة هواري بومدين بباب الزوار  وجامعة منتوري بقسنطينـة والجامعات والكليات الأخـرى على المستـوى الوطنـي ، والخاص بالعلوم الفلاحية كالمعهد القومي للعلوم الفلاحية بالحراش، فإنها تقوم بنفس البحوث وفي المجالات السالفة الذكر.

القطاع البتروكيميائي :

تمتلك إن الشركة الوطنية سوناطراك مركزا للبحث والتنمية ، لها محاور بحث في مجال مقاومة التلوث البتروكيميائي ومنها عن طريق استعمال المكافحة الحيوية.

الجانب التشريعي

إن إدخال المكونات المحـورة وراثيا على البيئة واستهلاك مواد غذائية يمكن أن تؤديان إلى إشكال مخاطر محتملة على البيئة ، وعلى صحـة الإنسان وحتى على التوازن البيئي وعلى المجتمعات.

فالجزائر قررت بمرسم رئيسي رقم 85- 111  أن تكون عضوا وفي المنظمة الدولية للمقاومة الحيوية ضـد الحيوانات والنباتات الضارة وبتقرير رئيسي رقـم 85-112 أن تنخـرط  بالاتفاق الدولـي لوقاية النباتات الموقع  بروما والمعـدل بمحاضرة المنظمة العالمية للتغذية  (FAO) في 1979.

كما أنها قررت بإمضاء بروتوكول قرطاجنة حول السلامة الحيوية والحفاظ على التنوع الاحيائي وبتطبيق ما نص عليه.

فبدأت في وضع أساس تشريع وطني حول نقل ومناولة واستخدام الكائنات الحية المحولة وراثيا  والتي قد يكون لها آثار مناوئة على صيانة التنوع البيولوجي واستخدامه بشكل مستدام .

فبناء على هذا بدأت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية  بإصدار أول نص تشريعي بالجزائر والمتمثل في القرار الوزاري رقم 910 في 24 ديسمبر من عام 2000 م  الذي يمنع استيراد، توزيع، تسويق واستعمال النباتات التي تعرضت لتحويلات اصطناعية جينية ما عدا المعاهد العلمية وأجهزة البحث التي يسمح لها  استعمالها وفق شروط محددة.

ويقصد بالمادة النباتية  النباتات الحية أو أجزاء حية منها كالعيون و البراثن والأغراز والدرنات والجذور والنقلات  النباتية والبذور الموجهة للتكاثر.

كما أنها قدمت  مشروع  قانون تمهيدي يتعلق بالبذور والشتول من أجل ضمان ترقية وتثمين التطورات التكنولوجية وحفاظ السيادة الوطنية على الثروة الوراثية. وقامت نفس الوزارة بوضع مجموعة تفكير  تبصر حول هذا الموضوع الحساس مند اكثر من سنتين.

حديثا، قدمت وزارة البيئة نصا قانونيا حول الأعضاء العضوية المحورة وراثيا وعلى التنوع البيئي.

دعم وتثبيت قدرات الجزائر لمراقبة واتباع آثار وجود التحوير الوراثي  :

طلبـت الدولـة الجزائرية من مرفق البيئة العالمي (GEF) المشاركة في المشروع الوطني الشامل (GEF/UNEP) المسمى  ” تنمية الهيئات الوطنية في ميدان السلامة الحيوية، وكان الرد على الطلب إيجابـي ، ووضعت وزارة البيئــة لجنـة وطنيـة للتنسيق (NCC) لانطلاق هـذا المشـروع، دورها نصح وتوجيه الاستعدادات الضرورية لابتكار النطاق الوطني للسلامة الحيوية بالجزائر.

الجانب الديني  :

إن السلطات الدينية عن طريق وزارة الشؤون الدينية لن تمنع منعا حاسما استخدام المواد العضوية المحورة وراثيا ، حيث قبلت استعمال الأنسولين لعلاج مرض السكري مع العلم أن هذه المادة هي نتيجة الهندسة الوراثية أي نتيجة تطوير وراثي.

الجانب التجاري :

من المحتمل أن العديد من الصادرات تحتوي على مكونات عضوية محورة وراثيا، فمن المعروف أن الجزائر تستورد الكثير من المواد الغذائية الأولية كالزيوت النباتية (عباد الشمس والسلجم) والسكر والكثير من المنتجات الأخرى  كالأعلاف.

كما أنها تقوم باستيراد مكونات أولية ضرورية للصناعات الغذائية كلسيتين الصوية، وبعض الأنزيمات والبكتيريا الضرورية لصنع  الحلويات والمرطبات والمواد اللبنية كالجبن واللبن.

ومن المعروف أن هذه المكونات الأولية الهامة يكثر حصولها في البلدان المتقدمة عن طريق الهندسة الوراثية.

الجانب المدني :

تأسست منذ عدة سنوات العديد من الجمعيات المدنية لحماية البيئة الحيوية النباتية منها والحيوانية  والتي  تنشط عن طريق إعداد ورقات إعلام ( حالة جمعية لحماية البيئة بمدينة بجايه) والقيام بنزهات علمية لتوعية الشباب على أهمية انقاذ وحماية البيئة.

وتقوم البعض منها بتنظيم مؤتمرات حول المكونات العضوية المحورة وراثيا وأثرها على البيئة (كالجمعية البيئية لولاية بومرداس (AEB) وإنشاء مجلات وقرصات الكمبيوتر .

وقامت بعض جمعيات حماية حقوق المستهلكين بالمشاركة في نقاشات إذاعية حول هذا الموضوع مع ممثلي وزارة الفلاحة والتنمية الريفية وباحثين من المعهد الوطني الجزائري للبحث الزراعي.

الخلاصة :

من خلال ما تقدم يتبين أن الجزائر بدأت القيام بما نص عليه بروتوكول قرطاجنة قبل توقيعه  الذي سيتم عن قريب .

كما انه اظهر أن على الجزائر الآن تنمية قدراتها العلمية والتقنية عن طريق التكوين العلمي والبحث في هذا المجال وعن طريق تثبيت علاقاتها مع المؤسسات العلمية العالمية والعربية بالأخص عن طريق زيارات خبراء في هذا المجال .

————-

من أوراق حلقـة العمل حـول تقييم الآثار البيئيـة لإدخال الأنـواع النباتيـة والحيوانية المحـورة وراثياً فــي المنطقة العربية، والتي نظمتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية في عام 2003 في الخرطوم.

عن الكاتب

الأردن

كاتب ومترجم متخصص في الشؤون العلمية، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3567

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى