انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » هل يمكن صنع العباقرة ؟

هل يمكن صنع العباقرة ؟


لنتمكن من فهم العبقرية لا بد من فهم خصائص ومميزات العبقري :

الغريب في دراسة العبقرية أن الإنسان لو حاول دراسة نفسه وبعمق وهدوء ليتعرف على جوانبها المختلفة ربما يكتشف صفة مميزة فيه تختلف عن الآخرين، وانه لو حاول استخراج هذه الميزة وتقويتها فانه سينتج أعمالا في ضوء تلك الميزة لا يستطيع الغير عملها فتثير أعماله الدهشة والإعجاب، وهذا هو السر في العبقرية.

والأغرب أيضا ان العبقري قد يواجه بالكثير من العنت والنعوتات بالجنون أو بالشذوذ او الفوضوية أو الخروج على القيم، او بأنه غريب الأطوار أو يعامل بالريبة والشكوك والشفقة عليه وعلى اعماله او التنكر له ولأعماله.

ورغم ذلك فالمبدع او العبقري يتصف بصفات يعتبرها علماء النفس والتربية والاجتماع ضرورية او ملازمة للإنسان المبدع وهذه الصفات هي :

الطلاقة والمرونة

ونعني بالطلاقة هذا السيولة الفكرية، أي اقتراح عدد من الأفكار الناجعة حول موضوع معين، وتتخذ مقاييس القدرة على الطلاقة أشكالا متعددة منها :

1- سرعة التفكير بإعطاء كلمات في نسق محدد تبدأ مثلا بحرف معين او مقطع ومنها التصنيف
السريع للكلمات في فئات خاصة.
ب – تصنيف الافكار حساب متطلبات معينة، مثل القدرة على ذکر اكبر عدد من أسماء الجمع او أسماء الحيوانات أو الأشياء الصلبة او البيضاء، أو اكبر قدر من الاستعمالات لقالب طوب او
علبة أو اكبر قدر من العناوين لقصة .. الخ
ج – والمرونة في القدرة على تغير الحالة الذهنية بتغير الموقف، أو بمعنى آخر التكيف مع الظروف الطارئة وبسرعة، وسرعة تقبل التجديد في الحياة وعدم التصلب العقلي على موقف معين والمرونة تعني أيضا سرعة التحرك بين الإنكار واختيار المناسب منها حسب الظروف والمواقف .

الحساسية للمشكلات

العبقري لدية حساسية قصوى للمشكلات في الموقف الواحد فهو يعي الأخطاء ونواحي النقص والقصور ولديه القدرة على فهم الغموض في أية مشكلة , وبالتالي فهو يستطيع حلها وتهدئة الوضع المتوتر الذي يصاحب المشكلة حادة ، والمبدع لديه نظرة ثاقبة للأمور ، وهو بالتالي يستطيع وضعها في اطار مناسب لها.

الأصالة

الأصالة هنا تعني عدم تكرير الأفكار بل توليد الفكرة الجديدة ذات الهدف، ويعني هذا ان العبقري
يستطيع توليد فكرة جديدة هادفة من مجموعة الأفكار السائدة، فالأصالة هنا لا تعني إلغاء الأفكار القديمة بل استنباط مادة الحياة من هذه الأفكار بما يتوافق مع كل جديد وهذا يعني تولید فكرة جديدة هادفة.

ولكن هل العبقرية تصنع؟ أي هل يمكن استثمارها؟

وبمعنى آخر هل العبقرية تكون بالوراثة أو بالاكتساب؟ (العبقرية لا تورث وإنما تصنع) هذا رأي الكثيرين من علماء التربية والنفس.

فعوامل البيئة والتربية والإعداد والمران كلها عناصر أساسية في إعداد العبقرية، حتى بالنسبة لأصحاب المواهب الكثيرة.

ودور الوراثة هنا هو فقط تقديم البذرة، اما الغراس والتربة المناسبة والرعاية والتشذيب والتهذيب فأمور تصنعها التربية والإعداد والمران.
المدهش حقا وكما تقول الدراسات الحديثة حول ظاهرة الإبداع والمبدعين، انه ليس هناك ثمة علاقة تطابق بين الإبداع (العبقرية والذكاء) وهذه مسألة شغلت بال الكثيرین من علما النفس وبوجه خاص العلماء الأميركيين الذين اهتموا بتبيين أن مقاييس الذكاء المعروفة، ليست معيارا صحيحا لقياس مستوى الأصالة والإبداع.

إن الشخص المبدع كثيرا ما يتمتع بدرجة عالية من الذكاء، ولكن العلاقة ليست مضطردة في كل الأحوال، وكل ما يمكن قوله في هذا الصدد أنه لا بد من توفر درجة معينة من الذكاء لكي يكون الشخص مبدعا.

بل ان مستوى الذكاء المطلوب للإبداع يختلف من مجال لآخر بحيث انه قد يكون منخفضا، في بعض الأحيان، لدرجة تثير الدهشة ، وربما كان الأكثر أهمية من ذلك في الإبداع هو مدى قدرة الشخص المبدع على استخدام ذلك القدر من الذكاء الذي يتمتع به في إنتاج أعمال إبداعية وكيف يوجهه لهذا الغرض بفاعلية واقتدار وذكاء.

القدرة على مواجهة الصعوبات بحكمة

الفرق بين الإنسان العادي والعبقري، أن العبقري لا تثنيه الصعاب على مواصلة تحقيق هدفه، أنه يظل مصرا على تحقيقه لما يتمتع به من الإرادة والصبر والعزيمة.

وهذا لا يعني التصلب على الخطأ، بل ان العبقري قد يعدل ويبدل من أفكاره لكي يحقق أهدافه الإبداعية بأفضل صورة ممكنة.

كيف نصنع العبقرية؟

العبقرية يمكن صنعها.. ولكن كيف؟

في البدء لا بد من التنبيه الى عدة حقائق جديرة بالملاحظة أهمها :

* يجب الاهتمام بتربية الانفعالات والتحكم بها .. فحتى الآن فان معظم الجامعات والمدارس تهتم فقط بتربية العقول، غير آبهة بتربية الانفعالات، مما يوقع المرء في التخبط في معيشته وعدم الثقة بنفسه وبالآخرين وهذا ما يقتل العبقرية في النفس البشرية.

* هناك أبحاث تجري ولا تزال قيد الدراسة حول إمكانية صنع العباقرة فعلا، عن طريق إثراء البيئة المبكرة الأولى، بالإضافة الى تطعيم المخ لدى الأطفال الصغار وهندسة الوراثة وتحسين الذاكرة والتفكير بوسائل كيماوية.

ومن الناحية الانفعالية ستنشأ مناهج جديدة لتعليمها مثل التحكم الإرادي في الاستجابات اللاإرادية، والقدرة على تصور الإنسان لنفسه في أي موقف يتذكره، كما سيكون من الضروري أن تجعل الشخص يعي نفسه إلى أقصى درجة بواسطة أساليب مرتجلة.

استخدام الطرق المعروفة في التعليم

هذه الطرق أصبحت معروفة للتربويين ولمن يطالعون الكتب التربوية والنفسية وقد اثبتت هذ الطرق نجاحها رغم تطور طرق التعلم وبشكل كبير .

من أهم هذه الطرق:

التعلم عن طريق المكافأة وهو :

ما يعرف بالتعزيز أو التعلم الشرطي، وهي تبدأ من مرحلة الطفولة، بحيث يعطى الطفل مكافأة مناسبة إذا أحسن صنع شيء ما فيتعود الطفل إحسان كل شيء مما يولد لديه نوعا من الرغبة في التعلم والاستمرار، وصاحب هذه المدرسة هو الأستاذ سكيز من جامعة هارفارد الذي تمكن أن يعلم حمامة تسير على شكل الرقم (8) بالانجليزية عن طريق أن يكافئها عن كل انحراف.

ويمكن تطبيق هذه الطريقة بوضع أسئلة على المادة التي يتعلمها الطالب، فبعد تعلم المادة يجيب الطالب على الأسئلة فان أجابها يكون قد تعلمها وان لم يتمكن فعلية إعادة التعلم حتى يتمكن من الإجابة، وهذا يدعي التعلم المبرمج ويمكن استخدام هذا الأسلوب عن التعلم في القضاء على سلوك غير حسن بان يعطي الفرد صدمة مفاجئة مزعجة كصوت مزعج أو صدمة كهربائية في كل مرة يظهر فيها السلوك السيء، فهو سيتجنب حدوث الصدمة الأمر الذي يضطره الى السلوك الصحيح وهذا النوع من العلاج يدعی العلاج السلوكي.

التعلم بالشعور

كان الاعتقاد سائدا أن هناك استجابات معينة غريزية لا يمكن التحكم بها عن طريق التعلم.. وقد ثبت ان عددا كبيرا من الأفعال كان يفترض انها غير ارادية، ظهر انها ليست كذلك.

وكان العالم الروسي ايفان بافلون أثبت أنه يمكن حدوث التحكم عن طريق إخضاع استجابة قديمة لمنبه جديد. وتجربة تعليم الكلب الذي يفرز اللعاب حين يسمع الجرس معروفة للجميع لأنه تعود ان يأكل حين يسمع الجرس.

ممارسة التأمل

ان ممارسة التأمل حتى لمن مارسوه لفترة قصيرة يمكن أن يؤدي إلى تغيرات ملحوظة في مستوى التمثيل الغذائي واستهلاك الأكسجين وطرد غاز ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يقلل بنسبة 20%.

كما أن مقاومة سطح الجلد وهي مقياس يبين مدى ارتخاء المفحوص، يمكن تخفيضها الى أكثر من 6 مرات من مقدارها الأصلي، مما يدل على حالة الارتخاء العالية التي يصل اليها الشخص، كما أن ضغط الدم بالمثل يمكن إنقاصه.

وأحد التغيرات المصاحبة لنشاط المخ، هو ظهور موجات الفا قوية جدا وعند المتأملين المتمرسين تهبط ذبذبات الفا هذه إلى حوالي 6 سيكل في الثانية أي اقل من ذبذبات سیتا، التي توجد عادة في حالة التعلم.



وظهر في بعض الحالات موجات ذات ترددات أعلى ترتبط بمشاعر النشوة الذاتية.

بمعنى آخر فان ممارسة التأمل يفيد في التحكم بالجسم وبرمجة الدماغ، وفق ما تحبه النفس وبالتالي السيطرة على القوى العقلية والعاطفية في الجسم وهنا قمة النجاح وبداية العبقرية.

ولا ننسى أيضا وجود الشخص في بيئة مثقفة تقدر العلم والبحث العلمي، وتشجع على التطور والنماء فهذا من شأنه تشجيع ظهور العباقرة وللوراثة اثر ولكنه ليس بالأثر الكبير.

وهناك صفات أخرى كثيرة تساعد على ظهور العباقرة الا أنني تجنبت ذكرها وذلك لعدم اتفاق المحللين وعلماء النفس والاجتماع والتربية عليها.

مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1146

اكتب تعليق

© 2021 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى