انت هنا : الرئيسية » صحة وتغذية » ابحاث طبية » جولة في أسرار ذاكرة الإنسان

جولة في أسرار ذاكرة الإنسان


ما هي الذاكرة ؟ وما أهميتها للإنسان؟

تخيل نفسك بدون ذاكرة! كيف ستكون حياتك؟! في الدماغ حيث تختزن المعلومات (طيلة الحياة احيانا) وتستعاد في أجزاء من الثانية يوجد اكثر من مائة بليون خلية عصبية تتصل معا وتتشابك لتكوين بلايين البلايين من التشابكات العصبية التي تتبادل المعلومات فيما بينها كهربائيا وكيميائية.

وفي الدماغ توجد مجموعات متخصصة مختلفة من الخلايا العصبية في أماكن معينة تعمل بنشاط لمعالجة بيانات متفرقة عشوائية من اشكال وأجسام وألوان وأصوات وتنسيقها في انماط متسقة تربط بينها امور مشتركة، لكن تذکر امر مفرد، او التفكير به، يرتبط بتنبيه اجزاء عدة مختلفة من الدماغ في الوقت نفسه.

عندما تنتقل معلومة ما من البيئة المحيطة عبر الحواس الى الدماغ، تنتقل مواد كيميائية (نواقل عصبية) من خلية الى اخرى في الدماغ، ولدي تكرار الانتقال نفسه، يتعزز الاتصال الكيميائي هذا والإشارات نفسها بالتالي تنتقل بسرعة أكبر الى الخلايا العصبية ذات العلاقة ليتم تمييزها على شكل ما سبق لهذه الخلايا كافة أن عرفته سابقا.

يفترض دانيل الكون، اختصاصي ابحاث الدماغ في المعاهد الوطنية الامريكية للصحة ان الذاكرة او المعلومات المختزنة تكون على هيئة سلسلة من تتابعات كيميائية تشكل علامة في مجموعة محددة من الخلايا العصبية. والعدد الضخم من الاتصالات او التشابكات بين الخلايا العصبية في المجموعة الواحدة يفسر لماذا يؤدی جزء من الذاكرة. كلمة او لون أو رائحة . الى تنبيه او تنشيط الذاكرة كلها في هذه المجموعة .

الافتراض ان النواقل الكيميائية العصبية هي المفتاح لتشكيل الذاكرة دعمته ابحاث على حيوانات مثل الجرذان وذبابة الفاكهة وبزاق البحر. وقد أظهرت الأبحاث أن التغيرات في ما يتوفر للخلايا العصبية من بروتينات لها علاقة بنقل المعلومات بين الخلايا العصبية والتغيرات في الذاكرة ايضا. ففي تجربة على ذبابة فاكهة اعطيت كميات زائدة من بروتين ضروري للدماغ يرمز له CREB لوحظ أن الذبابة تعلمت البقاء بعيدا عن بقعة تعرضت فيها مرة واحدة سابقا لصدمة كهربائية في حين أن الذباب ذا الغذاء العادي احتاج لعشر صدمات سابقة لتتكون لديه ذاكرة تعلمه الابتعاد عن هذه البقعة .

من التجارب لوحظ أن عدم توفر البروتين CREB وبروتين ناقل اخر مماثل له هو BDNF في غذاء الحيوان يؤدي الى عدم تشكيل او تكوين ذاكرة دائمة عنده. فالجرذان التي حرمت من البروتين BDNF كانت تتحرك بعشوائية في المتاهة باحثة دون جدوى عن طريق الطعام الموضوع في نهاية المتاهة، في حين أن الجرذان الطبيعية كانت تجد طريقها إلى الطعام بسهولة وبسرعة.

من الاضافات الهامة على مدى تعقيد الذاكرة، دليل جاء من الانسان يشير الى اختلاف الأنماط التي توجد فيها الذاكرة . فضحايا اصابات الدماغ يظهرون اختلالات متنوعة . فمثلا العديد من المرضى المصابين بتلف في منطقة (قرن أمون) في الدماغ يتذكرون امورا قبل اصابتهم وليس بعدها. واحد هؤلاء جرى دراسة حالته من قبل علماء اعصاب في جامعة روتجرز الذين لاحظوا انه في كل مرة يسمع فيه أن والده توفي يصاب بنوبة تشنج عنيفة ولا ينهض منها إلا في اليوم التالي معتقدا أن والده لا يزال حيا. وبذلك يبدو ان قرن أمون يلعب دورا محوريا مركزيا بحيث ان التجارب الجديدة كافة تمر به لتكوين ذاكرة جديدة، وعندما تتلف هذه المنطقة يصبح المرضى اسرى الماضي، حتى لو انهم قادرون على تعلم مهارات جديدة مثل لعبة رياضية أو فكرية جديدة .

وقد لوحظ أن مثل هؤلاء المرضى تتحسن مهاراتهم في اللعبة باستمرار رغم اعتقادهم دائما بأنهم للمرة الأولى يجربون لعب هذه اللعبة ومثل هذا الأمر يفترض أن تنامي المهارة له نوع خاص من الذاكرة يرتبط بمنطقة اخرى من الدماغ.

المرضى المصابون بتلف في منطقة من الدماغ تسمى العقدة القاعدية يظهرون اختلالا مغايرا اذ يمكنهم التمرن على اداء مهارة معينة مثل العزف على آلة موسيقية محددة مئات المرات، وتذكر دروس او تمرينات سابقة عليها إلا انهم لا يظهرون أي تقدم او تحسن في مهاراتهم.

مما سبق، وغيره من الدراسات يعتقد العلماء بوجود خمسة انظمة على الأقل من الذاكرة تعمل معا على نحو متواز وإتلاف منطقة صغيرة جدا في الدماغ تسمى (اللوزة) يسبب فقدان القدرة على (تسجيل) الأحاسيس. فقد وجد باحثون بريطانيون ثلاثة أطفال يعانون من تلف في الدماغ لا يتذكرون اي شيء عن انفسهم لكنهم يتذكرون حقائق عامة مثل اسم ملكة انجلترا . وفي حالة طفل اسمه نیل ، تسبب ورم في شل قدرته على تكوين انماط ذاكرة جديدة على الاقل تلك التي يمكنه التحدث حولها، فإذا سئل عن أمور حدثت على الطريق بين منزله ومدرسته اجاب بعدم معرفته بأي شيء من ذلك. لكن اذا طلب منه كتابه ما حدث، فانه سيكتب بالتفصيل كل ما شاهده، والناس الذين تحدث معهم، واذا سئل بعد ذلك عما كتبه فانه سيدهش كثيرا مما كتبته يده.

حتى في الذاكرة الطبيعية جدا، تظهر تغيرات تشير إلى مدى تعقيد ذاكرة الانسان فعلى سبيل المثال عند سؤال اشخاص عن عدد الموجودين في حفلة حضروها حديثا، فإنهم يميلون إلى (رؤية) أنفسهم في المشهد اي في الحفلة لتذكر العدد، ولكن عند سؤالهم عن شعورهم في الحفلة ، فإنهم يستعملون فورا ذاكرتهم من وراء ما شاهدته عيونهم .

وعند اعتقاد الانسان بأنه يتذكر كل شيء عن شيء ما، فانه عمليا لا يكون كذلك فعلی حد قول الباحث دانيل سكاكتر من جامعة هارفارد، أنه عندما نتذكر نعمل مثل علماء الآثار اذ نقوم بإعادة تكوين المشاهد من عدد قليل من نتاجات متبقية، فمثلا عندما قام الباحثون بانزال لوحة مشهورة من على جدار في متحف الفن الحديث في نيويورك ثم سألوا موظفي المتحف الذين يشاهدون اللوحة كل يوم عن طبيعتها فكان كل واحد منهم يتذكر مظاهر قليلة منها فقط، فبعضهم تذكر محتواها، وآخرون تذكروا بشكل رئيسي حجمها وما تحتاجه من جهد في تنظيفها ورجال الحراسة تذكروا لمعان ألوانها ولم يستطع أي منهم وصفها بدقة.



ما سبق يمثل بعض مظاهر الذاكرة والإحاطة الشاملة بكل خصائصها لا تزال بعيدة جدا، وحتى اذا تمكن العلماء من تعرف هذه الخصائص فلا زال الطريق طويلا لفهم الاليات المعقدة التي تحدث في داخل الدماغ لتكوين الذاكرة، واستعادتها والربط بين الأحداث المختلفة.. الخ يكفي ان تعرف ان عليهم فهم ما يتم في داخل اكثر من 100 بليون خلية عصبية ، وما تمثله بلايين البلايين من التشابكات العصبية بينها.

مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1058

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى