انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع بسبب الألعاب الالكترونية

التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع بسبب الألعاب الالكترونية


الأستاذ مصطفى نمر دعمس

لقد واكب التقدم العلمي والتكنولوجي تطور مذهل في عالم الألعاب الالكترونية التي أصبحت جزء هام في حياة معظم الأطفال والشباب، فما تأثير تلك الألعاب الإلكترونية على الطفل والمراهق بصفة خاصة وعلى المجتمع بصفة عامة ؟

أولًا: التحدي الصحي:

تتسبب الجلسات الطويلة في نمو العظام لدى الأطفال بشكل غير سليم، مع تراجع في نمو عضلاتهم في أشد الأوقات حاجة للحركة، وتشوهات في العمود الفقري، فضلاً عن أضرار النظر جراء التعرض لأشعة الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة، مما قد يضعف نظرهم ويتسبب بالتهابات العين.

وتشير دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عن عوامل مسببة للعديد من الأمراض نتيجة انعدام النشاط البدني وقلة الحركة مثل السكري والسمنة وأمراض القلب وهشاشة العظام والإصابة بأمراض سرطان القولون وسرطان الثدي والاكتئاب والقلق.

كما كشفت الدراسات أن مستعملي الألعاب الإلكترونية يستعملون وسائل ترفيه قليلة كمشاهدة التلفاز وقليلا ما يطالعون الكتب، كما أكدت الدراسات أن إدمان نسبة كبيرة من الناس بمختلف الأعمار على الألعاب عبارة عن مسألة وقت حتى مع الفئة التي كانت تقول أن الوقت المكرس للهو عبارة عن تبذير للوقت، وقد ذكرت بعض الدراسات أن بعض الأولياء يشتكون حالة أطفالهم ممن أصيبوا بهوس اقتناء الألعاب الإلكترونية والإدمان عليها من وجود بعض المشاكل الصحية والتربوية بين أطفالهم مثل: استنفاذ طاقات الأطفال والمراهقين، تدمع العينين، ضعف البصر، الإصابة بانحناء الظهر وتقوس العمود الفقري، رعشة تصيب أصابع اليدين، الصداع والدوار ، وهذا يؤدي إلى ضعف التحصيل والنتائج الدراسية، وكذلك العزلة عن الناس وانتشار السمنة بين الأطفال بسبب نقص الحركة والابتعاد عن الأنشطة الرياضية، فكثير من أولياء أمور الطلبة يرون في اقتناء هذه الألعاب الإلكترونية بعض الفوائد كأن تحد من خروج الطفل خارج المنزل أو كبديل لأخذ أبنائهم في نزهة ميدانية للحدائق أو الغابات نظرا لأنهم مشغولون ولديهم الكثير من الارتباطات.

وبهذا فإن معظم الأولياء لا يدركون مخاطر وتبعيات هذه الألعاب خصوصاً عندما يصاحب ذلك سوء استخدام من قبل الطفل، كما أن غياب الرقابة على محلات البيع أدى إلى وجود ألعاب لها آثار صحية وسلوكية سيئة على المستخدم، ولقد أثبتت الإحصاءات الصادرة من بعض الجهات الدولية المتخصصة أن آثار هذه الألعاب على صحة وسلوك الطفل، تقع ما بين الإدمان على ممارسة هذه الألعاب، وبين الإصابات المختلفة لأعضاء الجسم، إلى غير ذلك من الآثار الأخرى على شخصية الطفل، علاوة على ما تسببه هذه الألعاب الإلكترونية من أضرار نتيجة ما تفرزه من إشعاعات وذبذبات على جسم الطفل، وما يصاحب ذلك لاحقاً من تهيئات وأحلام مفزعة أثناء الليل لبعض الأطفال خصوصا تلك الألعاب، والقصص، والمشاهد المرعبة المتوفرة على الأقراص المدمجة تؤدي أيضا إلى أطلق العنان لخيال الطفل في أمور متناقضة.

وقد قام عدد من الباحثين بدراسة أثر الألعاب الإلكترونية على الدماغ، وقد وجدت بعض الدراسات بأن ألعاب الكمبيوتر تتجه نحو تدمير أدمغة المراهقين وذلك من خلال إعاقة تطور الدماغ، وأن هذه الألعاب تنتج أجيالا غبية و تميل إلى ممارسة العدوان أكثر من الأجيال السابقة، كما أن لديهم الميل نحو فقدان السيطرة على أنفسهم، وقد تم قياس مستوى النشاط لدى مئات من المراهقين الذين يلعبون لعبة الحاسوب”Nintendo” وقورن بأدمغة طلبة آخرين يقومون بأنشطة حسابية بسيطة، أظهرت النتائج بأن مستوى نشاط الدماغ لدى المراهقين الذي يقومون بالعمليات الحسابية أكثر من هؤلاء الذين يلعبون بألعاب الحاسوب.

كما أظهرت نتائج الدراسات أيضا أن اللعب بالألعاب الإلكترونية لفترة طويلة يضع الأطفال في خطر البدانة، ونوبات متكررة من التوتر، وإجهاد العينين واحتمال ظهور نوبات الصرع لدى بعض الأطفال،كما أن اللعب بألعاب العنف تزيد من الإثارة الفيزيولوجية وضربات القلب وضغط الدم.

كما تؤثر هذه الألعاب سلباً على صحة الأطفال، إذ يصاب الطفل بضعف النظر نتيجة تعرضه لمجالات الأشعة الكهرومغناطيسية قصيرة التردد المنبعثة من شاشات التلفاز التي يجلس أمامها ساعات طويلة أثناء ممارسته اللعب، هذا ما أكدته الدكتورة إلهام حسين أستاذة طب الأطفال بجامعة عين شمس في دراسة حديثة لها، وأضافت أيضا أن من أخطارها ظهور مجموعة من الإصابات في الجهاز العضلي والعظمي، حيث اشتكى العديد من الأطفال من آلام الرقبة وخاصة الناحية اليسرى منها إذا كان الطفل يستخدم اليد اليمنى، وفي الجانب الأيمن إذا كان أعسر، و كذلك من أضرارها الإصابة بسوء التغذية، فالطفل لا يشارك أسرته في وجبات الغذاء والعشاء، فيتعود على الأكل غير الصحي في أوقات غير مناسبة للجسم.

من سلبيات هذه الألعاب أيضا ما أكدته دراسة نشرت نتائجها مؤخراً أن ارتفاع حالات البدانة في معظم دول العالم يعود إلى تمضية فترات طويلة أمام التلفاز أو الكمبيوتر، فقد قام الباحثون بدارسة أكثر من (2000) طالب تتراوح أعمارهم بين (9 – 18) سنة، وتبين أن معدلات أوزان الأطفال ازدادت من 54 كيلو جراما إلى 60 كيلو جراما، كما أن هناك انخفاضا حاداً في اللياقة البدنية، فالأطفال من ذوي 10 سنوات في عام 1985كانوا قادرين على الركض لمسافة 1.6 كيلو متر لمدة زمنية لا تتجاوز 8.14 دقيقة، أما أطفال اليوم فيركضون المسافة نفسها ولكن في عشر دقائق أو أكثر.

كما أثبتت البحوث العلمية للأطباء في اليابان أن الومضات الضوئية المنبعثة من الفيديو والتلفاز تسبب نوعاً نادراً من الصرع، وأن الأطفال أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض. فقد استقبل أحد المستشفيات اليابانية (700) طفل بعد مشاهدة أحد أفلام الرسوم المتحركة، وبعد دراسة مستمرة تبين أن الأضواء قد تسبب تشنجات ونوبات صرع فعلية لدى الأشخاص المصابين بالحساسية تجاه الضوء والذين يشكلون (%1) من مجموع سكان أي دولة.

أما بالنسبة للجوانب الإيجابية لهذه الألعاب الإلكترونية على الصحة الفرد، فقد عملت الكثير من الأجهزة الألعاب الإلكترونية الحديثة على تنشيط الجسم والسير السليم لصحة الكثير من اللاعبين، وذلك بفعل أن هذه الألعاب تلعب عن طريق حركات افتراضية تفاعلية يقوم بها اللاعب عن بعد، وتتجسد هذه الحركات في اللعبة وعلى شاشة العارضة التحكم وكأنها حقيقية ودون اللجوء إلى أداة التحكم للجهاز، وهذه التقنيات الرياضية والصحية موجودة في عارضات التحكم الحديثة ذات التقنيات التكنولوجية العالية والمتطورة والرقمية عالية الوضوح والدقة، مما سمح للكثير من المدمنين على الألعاب الإلكترونية بتنشيط أجسامهم ودوراتهم الدموية والحفاظ على الرشاقة البدنية والحيوية الصحية، من جهة أخرى أظهرت دراسة حديثة أجرتها كلية الطب بجامعة “إنديانا” بولاية “بنسلفانيا” الأمريكية أن إدمان ألعاب الكمبيوتر والفيديو ربما يمثل شكلاً أكثر إمتاعاً وألفة للعلاج الطبيعي في أمراض مستعصية مثل: حالات الشلل الدماغي والتصلب العصبي المتعدد والمصابين بالجلطات، التي تحتاج إلى كثير من جلسات العلاج لتحسين حالاتهم الصحية، كما ذكر موقع “بي سي ورلد” المتخصص في مجال التقنية أن باحثي “إنديانا” طلبوا من ثلاثة من المرضى المراهقين تسلية أنفسهم أمام أجهزة ألعاب الفيديو لثلاثين دقيقة، يومياً على مدار خمسة أيام بالأسبوع، وزودوا تلك الأجهزة بقفازات وأجهزة تسمح لهم بمراقبة التغييرات في صعوبات الألعاب والتحديات التي يواجهها المرضى أثناء اللعب.

وأشار الموقع إلى أن نتائج الألعاب أثبتت تفوقها على العلاج التقليدي خصوصاُ وأنها تعد أكثر إمتاعاً وسهولة بالنسبة للمرضى، حيث يؤدى المريض العلاج المطلوب منه أسبوعياً دون الحاجة إلى مغادرة منزله أو العلاج في إطار جدول مواعيد يحدده الطبيب، وفي نهاية الدراسة بدا على المرضى تحسناً ملحوظاً في قدراتهم على رفع الأشياء والإمساك والتحكم باستخدام أياديهم المصابة، وفي ذات السياق أثبت نظام علاجي تجريبي يعتمد على ألعاب الفيديو في علاج مرضى اضطراب عجز الانتباه وفرط الحركة من الأطفال نجاحاً مبشراً، حيث تمكن الأطفال من استعادة بعض من تركيزهم بمرور الوقت.

ويتكون النظام من برنامج وخوذة حمراء لامعة مزودة بمجسات يمكنها تفسير موجات عقل اللاعبين، إذ تستخدم تلك الموجات في التحكم بالألعاب لتشجيعهم على التركيز في مهام اللعبة ومعاقبتهم بإغلاقها حينما ينصرف انتباههم عنها، وجرى استخدام النظام لمعالجة المرضى على الأقل مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً على مدار عام، وبعد 12أسبوع بدا على مجموعة مكونة من عشرة تلاميذ مصابين بالمرض تحسناً ملحوظاً في قدراتهم على التركيز.

ثانيًا: التحدي الثقافي:

يشهد العصر الحالي الصراع الثقافي الذي يهدد سلوكيات وقيم المجتمعات، ومن هنا يصبح رب الأسرة مطالبًا بدوره في رعاية أولاده. ولأن الألعاب الالكترونية مصدرها وطبيعتها لا يتماشى مع ثقافتنا العربية ، بعض هذه الألعاب تسلب من الطفل طفولته ومن الشاب رجولته . فأصبح الطفل أو الشاب يعيش مع اللعبة في عالم خيالي لا يمت للواقع بصلة ؛مما أثرت على ثقافته ،وتسببت بإتلاف عقول غالبية الاطفال والشباب حيث انها ابعدتهم عن دينهم وعن عبادتهم وعن واجباتهم تجاه اهلهم ووطنهم وواجباتهم في مجال الدراسة.

ويتجسد التحدي الثقافي في تعليم الأطفال من خلال هذه الألعاب الإلكترونية الكثير من العادات والثقافات الغربية والحضارات الدخيلة على ثقافاتنا العربية كأنواع السب والشتم ولعب القمار والميسر، بالإضافة إلى تجسيد الثقافات الجنسية كالألعاب التي تحتوي على صور خليعة وعلى حركات ومشاهد وصور غير أخلاقية تتنافي مع مبادئنا وأخلاقنا الإسلامية، مما يجعل رؤية صور الخليعة والفساد أمر عادي بالنسبة لهذا الشخص، وذلك لأنه اعتاد على مشاهدتها ورؤيتها في الكثير من الألعاب الإلكترونية الذي ألف اللعب بها، كما أن معظم هذه الألعاب تعمل على تمرير فكرة أخرى خطيرة وسيئة يريد مصمم ومنتج اللعبة إيصالها إلى هؤلاء المتمرسين في هذه الألعاب، وهي أن مصمم هذه الألعاب يتدرج في الكثير من الألعاب الإلكترونية الموسيقى والأغاني الغربية خاصة، ومنها من يدرج فيها الموسيقى العالمية، وذلك لتعويد اللاعبين على اللعب والتسلية بالإستماع للموسيقى والأغاني، مما يجعل الأطفال ينشئون على حب الموسيقى والإستماع للأغاني المحرمة والفيديوهات اللاأخلاقية، وهذا ما ينتج عنه أضرار نفسية كثيرة وخطيرة ويزيد من تنامي روح العزلة لدى الأطفال، حيث ينشأ لدى الطفل مرض التوحد وبقاءه وحيدا منعزل عن الأسرة وعن الإخوة، وبهذا كله يصبح الفرد المدمن على الألعاب الإلكترونية شخصا ضعيفا شخصيا وثقافيا وفكريا وعلميا.

هذا وتؤكد الدراسات التفاعل الكبير للأطفال مع الألعاب الإلكترونية وشخصيات أبطالها، إلى حد أنهم لم يتأخروا في تقليدهم في العديد من الأمور كاللباس والمظهر والطبائع والخصال وغيرها، فالأطفال يتأثرون بأبطال الرسوم المتحركة وأبطال الألعاب كما أنهم يتأثرون بشخصيات أفراد عائلاتهم، وهذا التأثر يجعل الطفل يقلد الشخصيات التي تأثر بها وبطبائعها وأخلاقها وصفاتها وبمبادئها.

إن تقليد الأطفال لهذه الألعاب يجعلهم يتقمصون أدوار لشخصيات تختلف في ثقافتها عن ثقافة وتقاليد هذه الفئة العمرية، مما يعرضهم للاستلاب الثقافي ومحاكاة الواقع الغربي الذي يختلف في كل معطياته وقيمه عن حضارتنا وتقاليدنا العربية والاسلامية، وهذا ما ينتج عنه التمرد على العادات والتقاليد والقوانين والقيم والعرف، وتقمص شخصيات أغلبها شخصيات غربية غريبة في تصرفاتها عن قيمنا العربية لكونها تتسم بروح الإجرام والعنف والعدوان، فهذا ما يطمح مصمموها لغرسه في أطفال البلدان العربية والإسلامية وطمس هويتنا الثقافية.



ثالثًا: التحصيل العلمي:

أن التركيز على الذكاء في الألعاب الإلكترونية يجعل الطفل يعتمد على السهولة في كل شيء، وذلك لأنه يوظف كل طاقاته الكامنة في ممارسة هذه الألعاب، وبذلك يعتمد في تنظيم أموره على عدم التفكير وبذل الجهد في الوصول للحلول وصناعة النجاح، مما يولد لديه الكسل والركود الفكري، إضافة إلى استهلاك طاقاته الذهنية والفكرية في اللعب الإلكتروني بدلا من الدراسة مما ينجم عنه التأخر الدراسي وانخفاض مستوى التحصيل العلمي، اذ انه في السنوات الأخيرة شكلت الألعاب الإلكترونية بإضافة إلى الحاسبات المنزلية والانترنت بيئة هامة في حياة الأطفال، وتسببت في تغيرات رئيسة في طبيعة التعلم.

de3mes@yahoo.com

مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1057

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى