انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » التخصصات الجامعية في الميزان

التخصصات الجامعية في الميزان


د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية

مع كل إعلان لنتائج التوجيهي تبدأ متاهة البحث عن تخصص مناسب. حيث أن عدد التخصصات المطلوبة لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، بينما عدد التخصصات الجامعية المتاحة يتجاوز الخمس مائة تخصص، وعدد طلاب التوجيهي الناجحين يقترب من المائة ألف طالب وطالبة (تقريبا ٤٥٪ علمي، و٤٥٪ أدبي، والباقي مهني) يُقبل منهم ٢٧٪ تنافسيًا و٧٣٪ استثنائيًا! وتبلغ محليًا نسبة المتوجهين الى الدارسة الجامعية الرسمية والخاصة ٧٥٪ والباقي يتجه خارج الأردن؛ وخاصة إلى تركيا، وأمريكا، ومصر، والسودان، واكرانيا، وماليزيا. وحسب ديوان الخدمة المدنية فإن أهم التخصصات المطلوبة للعام ٢٠٢٠ هي: طب، وطب اختصاص، وطب بيطري، وتخصصات اللغة العربية وآدابها، وتربية مهنية، ورياضيات، وشريعة ودراسات إسلامية، وإحصاء. إضافة لهذه التخصصات، فمحليًا هناك تخصصات مطلوبة مستقبليًا مثل: الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والتسويق الرقمي، وقياس تشخيص التوحد. بينما بقية التخصصات ترزح تحت نِير الإشباع أو الركود. ويُحَدد التخصص المطلوب بنسبة التوظيف التي تتجاوز فيه ١٥٪، بينما المشبع تكون نسبة التوظيف فيه أكثر من ١٪ وأقل من ١٥٪، وأما التخصص الراكد فالنسبة فيه أقل من ١٪.

وفي ظل قلة عدد التخصصات المطلوبة، يُصاب الطلاب والأهل بإحباط شديد نظرًا لضعف سوق العمل، والتكلفة العالية للدراسة الجامعية، وقلة الوعي بالطريقة الأمثل لاختيار التخصص المناسب. فنسبة كبيرة من الطلاب لا تَعرف الكثير عن التخصصات المطروحة في الجامعات سوى القشور وما ساد من عُرف اجتماعي حول بعض التخصصات كالطب والهندسة. كما لم يُتَح لكثير من الطلاب فرصة زيارة الجامعات من قبل للتعرف عن قرب على هذه التخصصات ومحاورة ممثلي الأقسام الجامعية حول مضمون هذه التخصصات وفرص العمل بها مستقبلًا. إضافة لذلك، فإن النسبة الأكبر من الطلاب لا يَعرف تحديدًا ما يرغب بدراسته ولا يدري ما هي فرص العمل لما هو مُتاح له من تخصصات. فيكون مُعدل التوجيهي هو مُحَدِّد الاختيار الأكبر في هذه المسألة. وبالتالي، يخسر الكثير من الطلاب عامل الشغف كدافع مهم للإبداع والتميز في التخصص للتغلب على تحدي المنافسة الشديد في سوق العمل!

وهذا يقودنا إلى مناقشة آلية طرح التخصصات الجامعية؛ فهل هي تركز على العناوين العصرية الجاذبة للطلاب أم على المحتوى؟ وهل تطرح نتيجة حاجة سوق العمل، أم نتيجة توفر الطلب عليها من الطلاب؟ إضافة لذلك، هل يتم تحديد عُمر افتراضي لهذه التخصصات يشمل عدد الخريجين الذي يحتاجه سوق العمل حتى الإشباع؟ فالتخصصات تمر بمراحل، منها مرحلة الإشباع الذي يترتب عليها إيقاف التخصص مرحليًا أو تطويره. في الواقع، إن كثيرًا من التخصصات، من وجهة نظري، تٌطرح نتيجة لمواكبة الاتجاه العام وعامل الطلب الطلابي وليس حاجة سوق العمل. حيث أن هناك ارتباط ضعيف بين مُتطلبات السوق والتعليم العالي. فالجامعات تنظر لنفسها كمصدر للمعرفة بالدرجة الأولى ومُؤهِل لسوق العمل بالدرجة الثانية. ولهذا ليس هناك مرونة كافية لتحديث الخُطط الدراسية لكثير من التخصصات نظرًا لضعف الربط مع سوق العمل، ونقص الخبرات العمَلية لدى كثير من أعضاء الهيئة التدريسية، وضعف الشراكة بين الجامعات والصناعة المحلية. كما أن ضعف الأخيرة يزيد من تفاقم المشكلة نظرًا لعدم قدرة القطاع الصناعي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين الباحثين عن فرص عمل.

ونتيجة لما سبق، فإن كَم الخريجين الذي يُدفع به سنويًا إلى سوق العمل يُقدر بحوالي ١٢٠ ألف خريجًا لا يتوفر لهم سوى ٥٠ ألف وظيفة سنويًا، وبالتالي فإن الفرق العددي ينضم إلى صفوف العاطلين عن العمل أو المغتربين. فالأردن يُقدر عدد سكانه حسب إحصائيات العام ٢٠٢٠ بحوالي عشرة ونصف مليون نسمة تقريبًا؛ تبلغ نسبة القادرين منهم على العمل حوالي الربع، بينما نسبة البطالة بين القادرين على العمل تبلغ الخمس تقريبا؛ وأغلبها من الإناث. وبالتالي يلجأ العاطلون عن العمل إلى عدة ملاذات مثل القطاع العام (كبطالة مقنعة أحيانًا)، والمشاريع الصغيرة، والبحث عن عمل خارج البلاد. فنسبة العاملين في القطاع الخاص تشكل تقريبا ٧٠٪ من سوق العمل، والباقي يستوعبه القطاع العام. علمًا بأن البطالة المقنعة في القطاع العام تشكل نصف عدد الموظفين تقريبا، كما يستقبل هذا القطاع حوالي ثمانية آلاف موظف جديد سنويًا تشكل حوالي ٢٪ من مجموع الطلبات المُتراكم في ديوان الخدمة المدنية.

لقد أصبح تحدي البطالة عاملًا ضاغِطًا باتجاه تغيير سياسة القبول الجامعي والتخصصات المدرسية. حيث أن نسبة القبول في الجامعات الأردنية تصل إلى ٩٥٪ من طلاب التوجيهي في حين لا تتجاوز هذه النسبة في أوروبا (كألمانيا مثلا) ٣٠٪ وكثير من دول العالم نسبتها ٥٠٪. لذا لا بد من خفض سقف نسبة المسار الأكاديمي وتعزيز نسبة المسار المهني نظرًا لحاجة سوق العمل الكبيرة إلى الفنّيين في مختلف المجالات. حيث أصبح لدينا هرمًا مقلوبا فيه عدد المهندسين -مثلًا- أكبر من عدد الفنّيين، وهذا عكس ما هو موجود في الدول الصناعية كألمانيا على سبيل المثال.

والخلاصة، أنه لا بد من تطوير سياسة التعليم العالي بالشراكة مع القطاعات أصحاب العلاقة كالنقابات والغرف الصناعية والتجارية للخروج بحلول تقوم على: أولًا، خفض نسبة القبول الأكاديمي الجامعي إلى ٥٠٪ كحد أعلى بدلًا من ٩٥٪ (النسبة الحالية). ثانيًا، إيقاف التخصصات الراكدة ضمن برنامج زمني (مثل الفلسفة، والعلوم السياسية، ونظم المعلومات الإدارية، وتسويق، وعلوم مصرفية ومالية، واقتصاد، تربية خاصة وتأهيل، وعلم النفس، وكثير من التخصصات الهندسية وغيرها). ثالثًا، التوسع في التعليم المهني في المدارس بتوفير المشاغل والبرامج اللازمة، وتغيير ثقافة المجتمع حول المسار المهني من خلال برامج إعلامية توعوية. رابعًا، دفع الجامعات إلى النموذج التطبيقي بدلًا من النظري من خلال التركيز على المهارات المطلوبة من سوق العمل والتشبيك مع الصناعة. خامسًا، توجيه الخريجين باتجاه الأعمال الريادية والمشاريع الصغيرة من خلال التأهيل والتمويل. سادسًا، تقديم حلول خاصة بالمحافظات ونسبة البطالة العالية عند الإناث.

مصدر الصورة
blogs.cfainstitute.org



عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1041

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى