انت هنا : الرئيسية » نافذة على العالم » نهر الأردن.. من مياه عذبة مقدسة إلى مياه مالحة ملوثة

نهر الأردن.. من مياه عذبة مقدسة إلى مياه مالحة ملوثة


الدكتور سعود شهابِ
آفاق علمية وتربوية

يعد نهر الأردن صلة الوصل بين أقطار بلاد الشام الأربعة لبنان وسورية والأردن وفلسطين، إنه نهر ذو هوية عربية منذ فجر التاريخ، ويشكل المصدر الدائم الوحيد للمياه السطحية في فلسطين والأردن. وإن استيلاء الكيان الصهيوني بالقوة على مصادر المياه العربية أدى إلى زيادة الصراع في المنطقة التي تعتبر من المناطق الجافة التي تندر فيها الموارد المائية، كما أنها من أكثر المناطق في العالم زيادة في معدلات النمو السكاني، مما يجعل حصة الفرد العربي من المياه تتناقص سنة بعد سنة.

تسمية نهر الأردن:

يعود أصل التسمية إلى الآرامية وأردن تعني ينحدر، وفي الكنعانية سمي ياردون وتعني الانحدار السريع. وتطلق تسمية الشريعة على المجرى العلوي منه من جبل الشيخ حتى بحيرة طبرية دلالة عليه كمصدر للسقاية. وقد روى البزار بسند حسن والطبراني وابن مندة في كتاب معرفة الصحابة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه.

نهر الأردن عبر التاريخ:

ترجع أهمية نهر الأردن إلى البعد التاريخي والديني لمياهه التي تتدفق عبر الأف السنين. يذكر المؤرخ الروماني تاسيتوس 55-120 أن جبل الشيخ هو والد نهر الأردن، ولهذا كانوا الرومان القدماء يخصصون له يوماً يحتفلون به في مغارة رأس النبع في سفح جبل الشيخ بالقرب من بانياس، ويقدمون له الأضاحي في طقوس وثنية مهيبة.

تحيط بنهر الأردن سهول فسيحة سبق وجابها ذات يوم السيد المسيح عليه السلام حاملاً بشارته ودعوته، ومن إحدى تلال الجليل خطب خطبة الجبل الشهيرة، كما ويذكر أن نبي الله أيوب قد اغتسل بماء نهر الأردن ومن ثم تماثل للشفاء، وإلى الغرب من النهر يوجد مقام السيدة سكينة بنت الحسين تحيط به حمامات المياه المعدنية الساخنة.

وقد شهد وادي اليرموك في عام 636 م أعظم معركة انتصر فيها جيش المسلمين على الإمبراطورية الرومانية، وبالقرب من النهر وفي السهول الغربية جرت معركة حطين عام 1187 م، التي انتصر فيها جيش المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي على الغزاة الصلبيين.

وفي عام 1968 حدثت معركة الكرامة الشهيرة، والتي أفشل فيها الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية سيطرة جيش العدو الإسرائيلي على منطقة الكرامة الأردنية. وعلى ضفته الشرقية في منطقة إربد وفي نهاية وادي العرب يقع مقام الصحابي الجليل معاذ بن جبل، وفي الأغوار على ضفة النهر الشرقية يقع مقام الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بن الجراح وعدد من الصحابة. وإلى الجنوب مدينة أريحا يوجد دير حجلة الذي كان يوحنا المعمدان يمارس فيه نشاطاته، وبذات المنطقة وفي الجهة المقابلة تعمد السيد المسيح بنهر الأردن الذي أصبح يعرف اليوم بالمغطس.

خصائص نهر الأردن:

ينبع نهر الأردن من جبل الشيخ (حرمون) الذي يبلغ ارتفاعه 2814 م، وتكسوه الثلوج في معظم فصول السنة، ويصب في البحر الميت، ويبلغ طوله حوالي 250 كم، بينما لا يتجاوز طوله الفعلي 200 كم. ويغذي نهر الأردن أثناء جريانه عدد من البحيرات وهي الحولة وطبرية والبحر الميت التالية:

بحيرة الحولة: بحيرة صغيرة مياهها حلوة ومحاطة بالمستنقعات، مساحتها 14 كم2، قام الكيان الصهيوني بتجفيفها ونقل مياهها إلى النقب.

بحيرة طبرية: وهي بحيرة حلوة المياه تقع بين الجليل وهضبة الجولان السورية المحتلة وهي تحت مستوى سطح البحر 210 م، ويبلغ طول سواحلها 53 كم، وعرضها من 4.8 إلى 11.3 كم ومساحتها تصل إلى 166 كم2، أقصى عمق لها 46 م، وطولها بالمتوسط 20 كم، وهي ثاني أخفض بحيرة في العالم بعد البحر الميت.

البحر الميت: بحيرة مالحة مغلقة تقع ضمن الشق السوري الأفريقي على الحدود الفاصلة بين الأردن وفلسطين، وهو أخفض نقطة على سطح الأرض إذ تبلغ 400 م تحت مستوى سطح البحر، وتشكل نسبة الأملاح فيها 34%، وبذلك تزيد ملوحته عن ملوحة البحر الأبيض المتوسط بتسعة أضعاف.

روافد المجرى العلوي: تلتقي روافد المجرى العلوي لنهر الأردن إلى الشمال من سهل الحولة في فلسطين مشكلة نهر الشريعة، وهي:

نهر الحاصباني: ينبع من جنوب لبنان بالقرب من بلدة حاصبيا وبالقرب من السفوح الغربية لجبل الشيخ، ومعدل تصريفه السنوي حوالي 157 مليون م3 سنوياً.

نهر البانياسي: ينبع من هضبة الجولان بالقرب من بلدة بانياس في السفح الجنوبي الغربي لجبل الشيخ، معدل تصريفه 140 مليون م3 سنوياً.

نهر اللدان: وهو نهر ينبع من سفوح جبل الشيخ الجنوبية الغربية، ويبلغ معدل تصريفه 257 مليون م3 سنوياً، ويتميز نهر اللدان بأعلى تصريف سنوي من بين روافد نهر الأردن في مجراه العلوي.

روافد المجرى الأدنى:

نهر اليرموك: يتدفق نهر اليرموك من منطقة حوران في سورية، باتجاه وادي اليرموك، ويلتقي بنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، ومعدل تصريفه 475 مليون م3 سنوياً، إلا أن هذه الكميات بدأت بالتراجع في العقود الأخيرة.

نهر جالوت: وهو نهر موسمي طوله 31 كم وتغذيه مياه الينابيع والهطولات المطرية بالمنطقة والتي تتراوح ما بين 300-450 مم سنوياً، ويصب في نهر الأردن إلى الشمال من بيسان.

نهر الزرقاء: يعد ثاني أكبر رافد لنهر الأردن بعد نهر اليرموك في المجرى الأدنى للنهر، ويبلغ معدل تصريفه السنوي 83 مليون م3 في منطقة دير علا، منها 38 مليون م3 تصريف أساسي والباقي كميات ناتجة عن تدفق الأمطار والينابيع.

اغتصاب مياه نهر الأردن:

منذ أن شرعت الحركة الصهيونية في إقامة الكيان الإسرائيلي وهم يخططون للاستحواذ على مصادر مياه نهر الأردن والمياه العربية المحيطة بفلسطين، وقد قال مؤسس الحركة الصهيونية هرتزل حينها: إن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة (فلسطين) هم مهندسو المياه.

وفي عام 1951 بدأ العمل بمشروع تجفيف بحيرة الحولة، واستصلاح 130 ألف دونم، واستغلال 100 مليون م3 من مياه نهر الأردن لريها. وفي عام 1956 بدأت بأكبر مشاريعها المائية، والمعروف بمشروع المياه الوطني الذي عمل على نقل جزءاً كبيراً من مياه نهر الأردن إلى منطقة النقب بغرض الاستعمال الزراعي، مما أدى إلى زيادة ملوحة مياه النهر.

إن مجموع كمية المياه التي تصل بحيرة طبرية من المجرى العلوي للنهر حوالي 844 مليون م3 سنوياً، إضافة إلى 65 مليون م3 من هطولات الأمطار و65 مليون م3 من تدفق ينابيع البحيرة، و70 مليون م3 من جريان الأودية القريبة من البحيرة في فصل الشتاء. إذ يبلغ إجمالي مياه الحوض العلوي للنهر 1044 مليون م3 سنوياً، يفقد هذا الجزء بالتبخر حوالي 209 مليون م3 سنوياً. يستنتج من ذلك أن الكيان الإسرائيلي يغتصب (يسرق) فعلياً كميات من مياه النهر تبلغ 840 مليون م3 من مياه الحوض العلوي، وليس كما يدعي بأنه يستهلك 500 مليون م3 التي تمثل حصته السنوية، مع أنه لا يعترف بالقوانين الدولية بما فيها اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المياه لعام 1997.

وبخصوص نهر اليرموك، فقد ادعى الكيان الإسرائيلي لنفسه حقوقاً مائية فيه وتبلغ حوالي 50 مليون م3 سنوياً. مع أن نهر اليرموك يجري بين سورية والأردن. إضافة إلى تحكم الكيان الإسرائيلي ببحيرة طبرية نتيجة لحرب عام 1967، والتي تعد أكبر خزان للمياه الحلوة على النهر وبسعة 4 مليارات م3، فضلا عن سياسة السطو المائي المنهجية لحكومة الاحتلال في سرقة كميات كبيرة من مياه الضفة الغربية بما يزيد عن 450 مليون م3 سنوياً، متجاوزاً بلك 80% من إجمالي مياه الضفة الغربية. كانت في الماضي القريب كميات المياه الواصلة إلى البحر الميت حوالي 1400 مليون م3 سنوياً، إلا أن هذه الكميات تراجعت في العقود الأخير إلى حوالي 30 مليون م3 سنوياً، نتيجة لسطو حكومة الاحتلال على مصادر المياه في حوض النهر العلوي، فضلا عن إقامة العديد من السدود على مجرى النهر، بالإضافة إلى تلوث المياه والناتج عن اتصال مجاري مياه المستوطنات العادمة بمجرى النهر. ونتيجة لاستنزاف الكيان الإسرائيلي لمصادر المياه العذبة في الحوض الأعلى أدي إلى ارتفاع ملوحة المياه في الحوض الأسفل للنهر والبالغة حوالي 10000 ملغ/ليتر، ما يجعلها غير صالحة للاستعمال البشري أو لأغراض زراعية.

اغتصاب أراضي الأغوار:

تعد منطقة الأغوار من أكثر المناطق الزراعة خصوبة، وتشكل سلة الغذاء من الخضروات والمحاصيل الشتوية وأشجار الحمضيات وغيرها من أشجار الفاكهة، لتمتعها بظروف بيئية ملائمة للاستثمار الزراعي الناجح، وتشمل التربة الخصبة، والمناخ المعتدل شتاءً (200-400 م تحت مستوى البحر)، وتوفر المياه، والعمالة الخبيرة. تبلغ مساحة الأغوار 400 كم2، ومنها الأراضي الزراعية في الأغوار الأردنية حوالي 385 ألف دونم. أما مساحة الأغوار الفلسطينية فتبلغ 720 ألف دونم، وتشكل ربع مساحة الضفة الغربية، و60% من إنتاجها من الخضار. بينما تصل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة 280 ألف دونم وتمثل 38.8% من الأغوار، يستثمر الفلسطينيون منها 50 ألف دونم، ويغتصب المستوطنون 27 ألف دونم. ويسيطر الكيان الإسرائيلي على 400 ألف دونم كمناطق عسكرية، وتعادل 55% من مساحة الأغوار الفلسطينية، كما ويسعى الكيان الإسرائيلي إلى تهويد الأغوار بالكامل وضمها إلى كيانه المغتصب.

معاهدة السلام المائية:

وقع الكيان الإسرائيلي والأردن في 26 تشرين أول من 1994 معاهدة سلام مائية، وقد نصت على أن يتفق الطرفان بشكل متبادل بتخصيصات عادلة لكل منهما في مياه نهر الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة. كما ونصت المعاهدة على منع تلوث مصادر المياه.

تجاهلت الاتفاقية حق الأردن في مياه مجرى النهر الأعلى وبحيرة طبرية، كما وثبتت هذه المعاهدة حق الكيان الإسرائيلي في مياه نهر اليرموك، والذي حصل بموجبها على حوالي 70 مليون م3 سنوياً، والناتجة عن حصته المتفق 45 مليون م3 حسب ما نصت عليه المعاهدة إضافة إلى مياه الفيضانات والهطولات المطرية السنوية.



الاستنتاجات:

يمثل الكيان الإسرائيلي أكبر تهديداً للأمن المائي العربي في الحاضر والمستقبل، لكون أطماعه لا تقتصر على سرقة مياه نهر الأردن فقط، بل تتعداها إلى استراتيجيته التوسعية في احتلال الأراضي وسرقة مصادر المياه في الدول العربية المحيطة به وتشمل لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة ومصر.

المصادر:

– الاتحاد، نهر الأردن مهدد بكارثة بيئية تقضي على تاريخه ومكانته الدينية، 7-10-2009.
– رائد محمد حلس، مشروع الضم الإسرائيلي لمنطقة الأغوار الفلسطينية: السياق والتداعيات وخيارات المواجهة، المركز الديمقراطي العربي، 6-7-2020.
– هبة خالد الفاخوري، نهر الأردن .. المقدس الخالد، السوسنة، 10-12-2017.

مصدر الصورة
freeimages.com

عن الكاتب

يعمل لدى ‏الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية‏ / سوريا

دكتوراه في التربية والتحسين الوراثي للمحاصيل، خريج جامعة دمشق – كلية الهندسة الزراعية . التوصيف الوظيفي والعلمي: باحث، والعمل الحالي معاون مدير إدارة بحوث المحاصيل في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سورية. المشاركة في استنباط أصناف الذرة الصفراء والبيضاء المعتمدة حاليا في سورية. نشر العديد من الأبحاث والمشاركة في الكثير من المؤتمرات العلمية. تأليف كتاب دليل الوراثة الكمية وتقنيات الإحصاء الحيوي في تربية النبات. داري العراب والنور (2012) و Noor Publishing (2017) للدراسات والنشر والترجمة

عدد المقالات : 30

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى