انت هنا : الرئيسية » ابتكارات واكتشافات » أبو بكر بن طفيل .. الطبيب الذي خلد الفلسفة

أبو بكر بن طفيل .. الطبيب الذي خلد الفلسفة


عبد الرحمن الكيالي

ولعل ابن طفيل قد تأثر بحركة الموحدين بالذات ، فقد قامت دولتهم على نصرة العقل ، واحتضان المستنيرين من العلماء والمثقفين ، ومالت إلى بناء مجتمع صالح في نظرها ، ينهض به الفلاسفة والمتشرعون …

بيئته السياسية :

في منتصف القرن الخامس الهجري ، كان المسلمون لا يزالون يسيطرون على النصف الجنوبي الشرقي من شبه جزيرة اسبانيا ( الاندلس ) . وكان هذا القطر يمتد من جزائر البليار في البحر الأبيض المتوسط شرقا ، إلى مصب نهر تاجه على المحيط الأطلسي غربا . ومن مدينة سرقسطة على نهر ابرو فسهول طليطلة شمالا ، الى مضيق جبل طارق جنوبا .

وقد تمزقت الاندلس الى دويلات صغيرة مستقلة ، يحكمها امراء محليون ، اطلق عليهم في التاريخ اسم ملوك الطوائف . و كان من اشهر هم : بنو جهور في قرطبة ، و بنو ذي النون في طليطلة، وبنو عباد في اشبيلية ، وبنو حمود في مالقة ، وبنو الأفطس في بطليوس ، وبنو هود في سرقسطة . و كانت العلاقات بين هؤلاء الملوك علاقات عدائية ، تطحنهم الحروب المتواصلة بينهم ، وتدك أساس ملكهم الثورات والاضطرابات و يعصف بسيادتهم و يقطع أوصالهم وينتقص من اطر فهم غارات الاسبان المتتابعة .

وقد استمرت هذه الحال مدة تقرب من قرن من الزمان ، منذ سقوط الدولة الاموية في الاندلس ، ولم يحدث أن تناسی امراء العرب المسلمين احقادهم ، واجتمعت كلمتهم ، إلا حين أحدق بهم الخطر الداهم بعد سقوط طليطلة بيد الفونسو السادس ملك قشتالة الاسباني ، فقد ضيق هذا الخناق على اسبانيا العربية المسلمة ، وشعر ملوكها وامراؤها بأنهم هالكون جميعا اذا لم يوحدوا صفوفهم و يستنجدوا بيوسف بن تاشفين أمير المرابطين في المغرب ، فخف هذا لنجدتهم ولقاء الاسبان في معركة الزلاقة ، التي تم فيها النصر للمسلمين سنة 479 هـ – سنة 1086م ، فصمدوا بعدها في شبه الجزيرة نحو ثلاثة قرون.

ولكن المرابطين بعد هذه المعركة ، قضوا على ملوك الطوائف الواحد تلو الآخر، فزال استقلال الأندلس المسلمة ، و اصبحت ولاية تابعة لملك المغرب الذي كانت عاصمة ملكة مدينة مراكش .

مولده – حياته :

في هذه الآونة بالضبط ، حين استوت دولة المرابطين على قمة مجدها ، وفي نهاية حياة منشأها و باعث نهضتها يوسف بن تاشفين ، ولد فيلسوفنا العظيم : محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي المكنى بأبي بكر في مدينة صغيرة اسمها وادي آش قريبة من غرناطة بين سنة 494 هـ و سنة 504 هـ / 1100 م و 1110 م وكان ذلك في بداية ولاية علي بن يوسف بن تاشفين الذي خلف أباه على الحكم.

فنشأ ابن طفيل و ترعرع في ظل الدولة المرابطية ، وفي ابان عظمتها ، وقد اهمل التاريخ الحديث عن صباه وشبابه ، فلم يصل الينا عنهما شيء، لكن نبوغه في كهولته وشيخوخته ، يدلنا على أن الرجل كان قد سلك السبيل العادي لطلاب العلم في ذلك العصر ، فتعلم اللغة والدين والأدب على أئمة العلماء في بلاده ، ودرس الطب والحكمة والفلك والرياضيات في كتب كبار الفلاسفة المسلمين ، كالفارابي وابن سيناء والغزالي، وابن باجة الحكيم الاندلسي المعروف بأبي بكر بن الصائغ . وقد نبغ في الكتابة والشعر وتولى الكتابة لأمير غرناطة ثم عين كاتم اسرار الامير ابي سعيد بن عبد المؤمن حاكم طنجة ، وبقي نجمه في صعود ، حتي آلت خلافة الموحدين الى ابي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ، فأصبح الفيلسوف و زیره المقرب ، وطبيبه الخاص ، ولازمه في قصر الخلافة بمراكش ، ولما مات ابو يعقوب وخلفه ابنه المنصور ابو یوسف یعقوب سنة 580 هـ كان ابن طفيل قد هرم فأشار على الخليفة باستقدام ابن رشد ، واكتفى هو بالوزارة ، فعهد المنصور الى الحكم بن رشد بمهنة الطب والفلسفة ، وبقي این طفيل وزیرآ حتى وافاه الأجل في مراكش سنة 581 هـ 1185 م، فدفن باحتفال مهیب وسار الخليفة نفسه في جنازته .

البيئة العلمية :

من المعلوم أن المغرب والأندلس ، لم يفتحهما المسلمون ، إلا في أواخر القرن الأول للهجرة ، ونحن نرى أن الحركة العلمية والأدبية في المشرق ، لم تنضج وتؤت اكلها في المشرق الا في القرنين الرابع والخامس الهجريين ، حين نبغ فحول الأدباء والعلماء والفلاسفة ، کالمتني والشريف الرضي وابي العلاء المعري من الشعراء ، و کبدیع الزمان والخوارزمي وابي حيان من الكتاب ، و كابن جني وابن فارس وابن خالوية من العلماء ، و كالفارابي ؛ واخوان الصفاء وابن سيناء والغزالي من الفلاسفة والمفكرين.

اما في المغرب والأندلس ، فقد بلغت الحركة الأدبية والعلمية والفلسفية اوجها في القرنين الخامس والسادس للهجرة ، اذ سارت في خط مواز لخط شقيقتها في المشرق مع الاحتفاظ بالفارق الزمني . وهكذا رأينا اعاظم أدباء الأندلس وعلمائها و مفكريها ينبغون في هذين القرنين ، كابن زيدون وابن شهید و ابن خفاجة من الأدباء ، و كابن حزم ، وابن باجة ، وابن الطفيل ، وابن رشد من العلماء والحكماء . ولعلنا لا نعدو الصواب ، اذا قررنا أن عصر ابن طفيل كان ذروة النهضة الفكرية الفلسفية في الاندلس و المغرب على السواء .

كانت الأمية تكاد تعدم في الاندلس و كانت الثقافة تغزو عامة الشعب ، وتتسع دائرتها حتى تشمل الناس و الصناع والأرقاء ، و كانت المدارس والجامعات والمكتبات تنتشر في المدن و الحواضر الأندلسية ، انتشارا واسعا لا مثيل له في ذلك العصر ، و كانت الآراء تتصارع في حركة نشيطة دائبة ، وكانت المذاهب الفقهية والعلمية تتجادل وتتخاصم ، وتفتح آفاقا جديدة في البحث والدراسة والتمحيص ، وكانت نظريات الفلاسفة ، وآراء المتكلمين ، ومذاهب الفقاء والمجتهدين ، قد سرت كلها إلى المغرب والأندلس ، لكنها وجدت في الاندلس تربتها الخصبة . ومجالها الواسع وآفاقها الرحيبة ، فنمت وترعرعت ، وأنبتت كبار الفلاسفة والمفكرين الذين منهم فيلسوفنا ابن طفيل .

البيئة الاجتماعية :

اختلطت في الاندلس عناصر اربعة هي العرب والبربر و نصارى الاسبان ، وغيرهم، ونتج عن امتزاج هذه العناصر مجتمع اندلسي ساده الطابع العربي الاسلامي . و كان هذا المجتمع حضريا قرويا ، يعتمد في حياته على الصناعة والتجارة في المدن ، وعلى الزراعة في القرى والأرياف ، ولم يكن للبداوة نصيب في الاندلس .

وهكذا يظهر أن المجتمع الأندلسي ، حيث ولد ابن طفيل ، ونشأ وتعلم ونضج ، كان مجتمعا حضريا مهذبا ، تتفاعل فيه عناصر الشعب المختلفة ، وتتعايش المعتقدات المتغايرة ، وتختلط طبقات الناس المتباينة ، في مجتمع تشيع فيه الثقافة و يميل الى التسامح ، ويأخذ بحظ من رغد العيش ، وينعم بمباهج الحياة ، و يستمتع بلذاتها ، وتغرق احيانا طبقات العليا في لهوها ومجونها.

الحياة العقلية في الاندلس :

اقتحم المرابطون الاندلس نجدة لأهلها المسلمين ، و كانت دولتهم بدوية ضعيفة الحظ من الثقافة والحضارة ، وما لأهم المتعصبون الاندلسيون ضد الحركة العقلية النشيطة . فانتكس المد الفلسفي، وأصيب رجال الفكر بمحنة قاسية ، كان من ضحايا المتكلمون الأشاعرة ، وكتب أبي حامد الغزالي التي احرقت في الميادين العامة ، ونزل النكال بكل من يشتغل بالدراسات العقلية ، او يميل اليها. والتاريخ يحدثنا ، أن محمد بن تومرت – امام الموحدين الثائرين على المرابطين فيها بعد – قد رحل في شبابه إلى بغداد طلبا للعلم ، ولقي فيها الغزالي واخذ عنه ، وقص عليه حديث كتبه ، وما جرى لها ، فغضب الغزالي ، ودعا الله أن ينتقم من سلطان المرابطين .

ولما رجع ابن تومرت هذا، تلقب بالامام المهدي ، وقاد ثورة عنيفة ضد المرابطين ، واستطاع خليفته وتلميذه عبد المؤمن ، واولاده من بعده ، ان يقوضوا ملك المرابطين ، و يقيموا على انقاضه دولة الموحدين في المغرب والأندلس جميعا . فأخذت هذه الدولة بناصر مذهب الأشاعرة ، وأفسحت المجال للحياة العقلية ، وللأفكار الفلسفية ، واتصف ملوکھا بالتبحر في العلوم ، وسعة الاطلاع ، وتشجيع العلماء ، ونبذ التعصب ، وقبول الجديد من الآراء ، فقد استوزر خليفتهم يوسف بن عبد المؤمن المكني بأبي يعقوب الفيلسوف ابن طفيل ، واستقدمه من الاندلس ، فجعله طبيبه الخاص ، وفتح له ابواب مكتبته العامرة ليدرس فيها حكمة ابن سينا ، ورسائل ابن باجه ، وفلسفة الفارابي ، وأبحاث الكندي ، وكتب الغزالي ، ومكنه من مناقشتها والمجادلة فيها في قصره الملكي .

وأشار ابن طفيل حين تقدمت به السن على الخليفة أبي يعقوب باستقدام الفيلسوف ابن رشد ، ففعل ، وجعله طبيبه الخاص و قربه . وقال ابن رشد :- « لما دخلت على امير المؤمنين ابي يعقوب ، وجدته هو وأبا بكر بن طفیل ، فأخذ ابو بكر يثني علي ، ويذكر بيتي وسلمي ، ويضم بفضله الى ذلك اشياء لا يبلغها قدري ، فكان اول ما فاتحني به امیر المؤمنين .. ان قال لي: ( ما رأيهم في السماء ( يعني الفلاسفة ) اقديمة هي ام حادثة ؟ فأدركني الحياء والخوف .. ولم يزل يباسطني حتى تكلمت ، فعرف ما عندي من ذلك ، فلما انصرفت ، امر لي بمال وخلعة سنية و مرکب ).

هذه الحادثة ، وموقف الخليفة فيها ، وتاريخ (ابن تومرت) وتلاميذه ، كعبد المؤمن وابنائه ، كل ذلك يدلنا على أن دولة الموحدين كانت تتبنى حرية التفكير ، وتحتضن الفلسفة والحكماء ، وتفتح الآفاق امام العقل والمنطق والجدل ، على النقيض تماما من سابقتها دولة المرابطين التي سلف بيان موقفها . من هذه القضية .

الطابع العام لبيئة ابن طفيل :

شهدنا ابن طفيل ينبت ويستوي في الاندلس حيث الجنات والعيون والجمال الفتان ، وحيث الحضارة ، وطراوة العيش ، وتعاطي اللذات ، وحيث الثقافة الواسعة ، والأفكار النيرة ، والمكتبات العامرة ، والجامعات الواسعة ، والدراسات المفيدة ، وأفذاذ العلماء والشعراء والادباء ، لكن ذلك لم يكن كل شيء في الحياة الاندلسية ، فقد كان حكم المرابطين قاسيا شديدا ، و كانت البلاد تموج بالثورات والفتن الداخلية ، وكان الاسبان يغيرون على قواعد المسلمين كلما سنحت لهم الفرصة .

وكان الأمن والاستقرار يستتبان حين يكون الحاكم قويا حازما ، ثم لا تلبث أن تعصف ریح الاضطراب في الداخل او العدوان من الخارج او كلاهما معا ، فيعم الخوف ، وتتعطل الأعمال ، ويشيع الخراب.

ولقد كان التناقص هو الطابع الحقيقي لحياة المجتمع الأندلسي ، و كان هذا التناقص ظاهرة طبيعية تلازم حياة الناس ، ولا تكاد تفارقها منذ زالت دولة بني عامر إلى أن فقد المسلمون اوطانهم في تلك البلاد .

ابن طفيل يتجاوب مع بيئته :

اتيح لابن طفیل ان يتعلم في الاندلس ، وان يواصل دراسته حتى يبلغ الذروة ، فيعرف بالشعر والكتابة ، وينبغ في الطب والفلك والفلسفة ، ثم يتخذ الكتابة مهنة في باديء الامر ، فتصل به الى العمل السياسي ، فيصبح أمين سر امير غرناطة ثم كاتما لأسرار الامير ابي سعید بن عبد المؤمن فالرجل اذن قد تأثر بالنهضة العلمية ، وتفاعل معها على اوسع مدی في زمانه فتمكن اولا من الدراسات الأدبية واللغوية ، ولا بد أن يكون قد اخذ من الدراسات الشرعية بنصيب ، فان كل طالب في ذلك الوقت كان يبدأ بتعلم العربية والقرآن الكريم والفروع الدينية ، ولكن يبدو أن ابن طفيل قد تركز ميله الى الادب والى الدراسات الفلسفية ، فلمع في الادب حتى صار من كتاب الدولة البارزين في عصره ، وكان له من الشعر ما لا يؤهله لأن يعد في الشعراء المشهورين، أما اختصاصه بالطب والفلك والرياضيات والفلسفة ، فذلك ما غلب عليه و استنفد معظم جهوده ، واصبح مناط شهرته وتقديره .

اما آثر بيئته في فلسفته ، فواضح في قصة « حي بن يقظان » التي نحن بصددها الآن.

فالمثقفون في نظره ثلاثة فرقاء : – فريق الفلاسفة الذين يهتدون إلى الحقائق والفضائل عن طريق البحث العقلي ، وهؤلاء يمثلهم (حي بن يقظان ) وفريق المستنيرين من علماء الدين / الذين يرون الشرع موافقا للعمل في جوهره، ومن هؤلاء المتكلمون ، و يمثلهم في القصة ( ابسال ) وفريق المتمسكين بالنصوص الحرفية فقط وهؤلاء يمثلهم في القصة ( سلامان ) .

وابن طفيل جعل (حيا ) (وابسال ) يتفقان ويذهبان إلى المدينة ويتصلان (بسلامان) ويجر بان هداية الناس ، ولكن الناس يرفضون هدايتهما ويتألبون عليهما ، فيضلان ويعودان إلى جزيرة (حي). وهذه الصورة هي بالطبع انعكاس للصراع القائم بين فرقاء المثقفين التي كانت تسود المجتمع في ذلك العصر ، وتقرير للمحاولة التي كان يقوم بها الفلاسفة واشياعهم لبناء مجتمع فاضل فيصدمون بعامة الجهال وييأسون من الاصلاح.

ولعل ابن طفيل قد تأثر بحركة الموحدين بالذات ، فقد قامت دولتهم على نصرة العقل ، واحتضان المستنيرين من العلماء والمثقفين ، ومالت إلى بناء مجتمع صالح في نظرها ينهض به الفلاسفة والمتشرعون .

آثار بن طفيل :

شعره : كان شعر ابن طفیل اشبه بشعر الفلاسفة والمتصوفة ، يدل على عمق افکار وسعة ثقافة ، ولكنه من الناحية الفنية الأدبية لا يستحق الاهتمام ، ولذلك ضربنا صفحا عن ذكره.

طبه : ذكر عبد الواحد المراكشي ، و هو ممن اتصلوا بأولاد ابن طفیل، انه رأى بنفسه کتبا في الفلسفة و كثيرا من الشعر بخط ابن طفيل . ولابن طفيل ارجوزة في الطب ، جاء ذكرها في كتاب « الاحاطة بأدباء غرناطة ». وذكر كازيري أن له قصيدة في البسائط الطبية محفوظة في مكتبة الاسكوريال ، وقال لسان بن الخطيب أن له كتابين في الطب ، وقد علمه في غرناطة واورد بن بي اصيبعة في كتابه « طبقات الأدباء » و اسم کتاب « مراجعات و مباحثات بين أبي بكر بن طفيل وبين ابن رشد » والظاهر أن اشتغال ابن طفيل بالناحية العملية في الطب كان اظهر وابرز من اشتغاله بالتأليف والكتابة فيه ، ولذلك لم يصلنا من مؤلفاته الطبية شيء يذكر .

علمه بالفلك : ذكر ابو اسحق البتروجي الفلكي الشهير في مقدمة كتابه في الفلك ان این طفيل وفق لمعرفة نظام فلكي ، غير الذي عرفه بطلیموس ، وان نظامه يحقق حركات الأجرام السماوية بدون وقوع في الخطأ .

وقال ابن رشيد : – أن لابن طفیل مقالة في البقع المسكونة وغير المسكونة « واورد في شرح الكتاب الثاني عشر لأرسطو أن لابن طفيل في تركيب الأجرام السماوية وحركاتها آراء مفيدة . ويدل حديثه الذي جاء في كتاب «حی بن يقظان » عن حركة الأجرام السماوية والأفلاك على انه ذو باع طويل في علم الهيئة .

فلسفة ابن طفيل:

ان الكتاب الوحيد الذي يوضح لنا آراء ابن طفيل وفلسفته هو كتاب «حي بن يقظان » ولم يصل الينا من آثاره کتاب سواه . و هو يلخص فيه الفلسفة العربية الاسلامية كلها تقريبا ويوفق بينها وبين نظريتي سقراط و ارسطو في المعرفة كما يأخذ بنظريتي افلاطون المثالية ، أفلوطين الاشراقية ، ويوفق بينها و بين سائر المدارس الفلسفية الاسلامية الأخرى ، وحاول أن يكون منها جميعا فلسفة واحدة يكمل بعضها بعضا في وحدة فلسفية تامة واشهر منه المدارس الاسلامية التي صهرها ابن طفيل مع الفلسفة الإغريقية السالفة الذكر في بوتقة واحدة هي : مدرسة الفارابي و ابن سينا والمتصوفة ومنهم الغزالي. ويظهر من خلال عرضه انه يقول بناموس العلة ، وخلاصته : ان كل موجود له علة هي سبب وجوده وسابقة عليه وان علل الكون جميعها تتسلسل ، وتتحد حتى تصل الى العلة الأولى وهي واحدة . كما يقول بنظرية المعرفة ، وخلاصتها عند الفارابي وابن سينا ، انها تأتي عن طريقين احداهما أن العقل الإنساني يصل الى الحقائق ويعرفها ، عن طريق البحث والاستنتاج ، والاستدلال البرهاني ، والجدل المنطقي ، والاستقراء والاستنباط ، فيتمكن بذلك من استكشاف المجهول بوساطة المعلوم.



وكلا النظريتين ( نظرية العلة ، ونظرية المعرفة ) قال بها ارسطو وتبناهما المسلمون . والطريقة الثانية : أن معرفة الحقائق تأتي أيضا عن طريق الوحي والالهام ، برياضة النفس على الفضائل ، وكبح شهواتها الدنيوية ، والتجرد بها عن المادية وأخذها بالتهذيب والتسامي ، فتصفو النفس الناطقة ( العاقلة ) ، وتتجلى لها الحقائق واضحة دون لبس او غموض . وهذا ما اخذ به المتصوفة . ونظرية الصوفية تمت بصلة وثيقة إلى نظريتين قديمتين هما : –

1- نظرية افلاطون في المعرفة اذ تقرر أن النفس الإنسانية كانت تعرف كل شيء قبل حلولها في الجسد، وحين حلت فيه نسيت معلوماتها ، فإذا عرفت شيئا وهي في جسدها ، فانه ليس بجديد عليها ، بل تذكر لمعرفة قديمة انسيتها حين حلولها في الجسد ولا سبيل إلى هذه المعرفة – التي هي تذكر – وهي في الجسد ، الا برياضة النفس على كبت الرغبات والشهوات الحيوانية ، والتسامي بها الى اعلى مراتب الفضيلة ، حتى تتغلب قوى النفس العاقلة ، على قوى النفس الشهوية والغضبية ، وحينئذ تصفو النفس ، فتتذكر الحقائق التي كانت تعرفها سابقة وهي في عالم المثل .

2 – ونظرية افلوطين الاسكندراني ، التي تقرر ان المعرفة ليست تذکرا كما هي الحال عند افلاطون ، بل يمكن تحصيلها بطريق البحث والجدل والبرهان والاستنباط والاستنتاج الخ كما هو الحال عند ارسطو ، ولكن اعظم انواع المعرفة وأعلاها وأكثرها لذة واسعادا ، هي التي يتوصل اليها الانسان عن طريق كبت الرغبات الجسدية واخذ النفس بالفضائل الخلقية ، والتجافي بها عن مباهج الحياة المادية ، ورياضتها على التأمل والتفكير في المعنويات وحينئذ تشرق عليها المعرفة اشراقا من علو ويحصل لها الالهام ، ولذا سمیت النظرية الاشراقية .

مصدر الصورة
mominoun.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1017

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى