انت هنا : الرئيسية » ابتكارات واكتشافات » تقانة حديثة لتسريع تربية وتحسين المحاصيل لمجابهة التغيرات المناخية والإجهادات المختلفة

تقانة حديثة لتسريع تربية وتحسين المحاصيل لمجابهة التغيرات المناخية والإجهادات المختلفة


الدكتور سعود شهابِ
آفاق علمية وتربوية

قامت وكالة الفضاء الأمريكية (الناسا) قبل عدة سنوات بزراعة القمح في الفضاء بهدف توفير مورد دائم من الغذاء لرواد الفضاء، حيث قام الرواد بتوجيه الإضاءة نحو النباتات على مدار الساعة لتسريع النمو بحيث يكون النبات في وضع حالة شروق دائم للشمس مما ساعده على النمو السريع.

يستعمل الباحثون اليوم التقنية ذاتها على الأرض لزراعة عدة أجيال متتالية من القمح في محاولة لإنتاج محصول يتحمل الجفاف والحرارة المرتفعة أو الهطول المطري غير الاعتيادي الذي يسببه التغير المناخي والإجهادات الأحيائية واللأحيائية، وقد تضمنت تجاربهم دورة حياة مسرعة لنبات القمح من البذرة إلى البذرة خلال ثمانية أسابيع، مما يمكن من زراعة ستة أجيال من القمح في العام الواحد.

ويعتقد العلماء أن هذه العملية ستوفر غذاءً أكثر خلال فترة زمنية أقصر لإطعام عالم متزايد الطلب على الغذاء. كما وأن إمكانية إنتاج محاصيل بسرعة أكثر سوف تسهل مقدرة الباحثين على إجراء التهجينات بين الطرز الوراثية المختلفة لتطوير سلالات متحملة بشكل أكبر للتغير المناخي وللإصابات المرضية والحشرية.

كما وقام العديد من الباحثين في الكثير من الدول النامية بتجريب العديد من برامج الإكثار السريع وهو أمر غير مستغرب إذا أخذنا مدى التنافسية في حقول الأبحاث. إذ لا يمكن التخلف عن ركب التطور. وما هو مستغرب عدم تبني هذه التقانة في وقت أبكر، ربما يعود الأمر للتشكيك بجدواها في البداية والاعتياد على الطرائق التقليدية القديمة، وربما يعزى الأمر لارتفاع كلفة إضاءة الليد (LED) في السابق.

كشفت دراسة حديثة شارك فيها 35 باحثًا من مركز “جون إينز” البريطاني وجامعتي “كوينزلاند” و”سيدني” الأستراليتين، عن تقانة جديدة لتسريع تربية القمح Speed breeding، من خلال خلق بيئة صناعية مزودة بإضاءة تُسهم في تحقيق أنظمة إضاءة يومية مكثفة لتسريع تربية المحاصيل الزراعية وتحسينها.

ووفقًا للدراسة التي نشرتها دورية Natural plants في عام 2018، فقد ساعدت التقانة الجديدة في تسريع تربية محصول القمح من الزراعة وحتى الحصاد، في مدة تُقدَّر بنحو 61 يومًا، ما يعني أنه بات من الممكن تربية 6 أجيال من القمح في العام الواحد، بزيادة أسرع بحوالي ثلاثة أضعاف عن زراعته بالتقانات التقليدية المستخدمة حاليًّا.

الإضاءة المناسَبة:

تستهدف الدراسة تقصير البرنامج الزمني لدورة حياة بعض المحاصيل، وذلك من خلال توفير إضاءة للنباتات لمدة 22 ساعة يوميًّا، مقابل ساعتين من الظلام، ثم تجفيف البذور الناتجة صناعيًّا لمدة ثلاثة أيام، لاستخدامها مرةً أخرى في إجراء دورة زراعة جديدة. واستنادا لنتائج الدراسة، فقد نجحت التجربة على عدد من المحاصيل الأخرى، مثل بعض أصناف الحمص والشعير، والتي أنتجت 6 أجيال (جيل كل 61 يومًا تقريبًا) بدلًا من جيلين أو ثلاثة في العام الواحد (جيل كل مدة تتراوح بين 122 يومًا و183 يومًا).

يقول براندي والف (المنفذ الرئيسي للدراسة والباحث بمركز جون إينز): إن النباتات تعتمد على البناء الضوئي (التركيب الضوئي) لإنتاج الغذاء من الطاقة الناتجة عن أشعة الشمس، موضحًا أنها تبدو خضراء للعين البشرية لأنها تستخدم الضوئين الأزرق والأحمر في الطيف المرئي للتمثيل الضوئي، ثم تعكس الضوء الأخضر. ويضيف، تنتج مصابيح بخار الصوديوم التقليدية، المستخدمة في الصوب الزجاجية (البيوت الزجاجية) حتى اليوم، الكثير من الضوء في الطيفين الأخضر والأصفر، ورغم أنها تبدو ناصعة الإضاءة بالنسبة للعين البشرية، إلا أن معظمها غير مُجْدٍ بالنسبة للنبات، كما أنها تنتج كثيرًا من الحرارة غير المفيدة، وهو ما يمثل هدرًا لكثير من الطاقة الثمينة في الصوب الزجاجية (البيوت الزجاجية)، وأن الأمر يكون أكثر فاعلية من حيث التكلفة إذا جرى إنتاج الضوء في الجزء الفعال من الطيف. وقد حدثت طفرة في جودة مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء المعروفة بمصابيح الليد في السنوات الأخيرة، والتي انخفضت تكلفتها أيضًا، ولذلك أصبح من الممكن تغذية النبات بفاعلية أفضل، وأقل من التكلفة باستخدام إضاءة أمثل وأكثر فاعلية لعملية التركيب الضوئي.

التربية والتحسين الوراثي:

تُعَدُّ زيادة عدد أجيال المحاصيل من أهم العقبات التي تواجه التربية التقليدية للنباتات، وهو الأمر الذي يسعى الباحثون للتغلب عليه من خلال ما عُرف بـالثورة الخضراء، التي حققت نجاحًا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، عندما قام نورمان بورلوج، والملقب بأبي الثورة الخضراء، بزراعة القمح مرتين في العام الواحد.

إن الورقة البحثية بتسريع تربية القمح تقدم طريقةً يمكن تطبيقها لتسريع عملية التربية والتحسين الوراثي، واختصار الزمن لأنواع مختلفة من المحاصيل، مثل القمح القاسي، والقمح الطري، والشعير، والحمص، والكانولا، والبازلاء، كما يمكن تطبيقها على الفول السوداني، إضافة إلى إمكانية تطبيقها أيضًا على نباتات النهار الطويل، التي تُزْهِر استجابةً للنهار الطويل، مثل عباد الشمس، والفلفل، والفجل. وربما كان من الصعب تطبيق تقانة تسريع التربية والتحسين الوراثي على محاصيل النهار القصير، مثل الأرز، والذرة، والذرة الرفيعة، ولكن يعتقد أن هناك مجالاً لتحسين نظام الدورات الزراعية من خلال تحسين أنظمة التعرُّض للضوء والحرارة.

وإلى الآن لم تختبر بعد القيمة الغذائية للمحاصيل المنتجة بهذه التقانة، ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد أنها أقل قيمة غذائية من المحاصيل المستنبطة بطرق التربية التقليدية، وبالفعل كانت معظم الخصائص التي درست في طريقة التربية المسرعة متماثلة مع ظروف التربية التقليدية مع تغير في عامل واحد وهو فترة الإضاءة اليومية.
نجحت هذه التقانة في إنتاج سلالات مختلفة من المحاصيل، ولكنها لا تزال باهظة التكاليف للتطبيق على المستوى التجاري. وقد أصبحت مصابيح الليد أقل كلفة من مصابيح بخار الصوديوم التي اعتاد الباحثون على استخدامها، ولكنها لا تزال غير ملائمة لإنتاج كميات كبيرة من القمح على المستوى التجاري. ويقول ولف: بالطبع هناك استثناءات حيث يمكن زراعة الخس بنجاعة ضمن بيئات مغلقة بالكامل.

مقاومة الأمراض:

تمكن التقانة الجديدة من الحصول على العديد من مورثات مقاومة الأمراض في الأقارب البرية للمحاصيل، كما وتساعد في نقل مورثات مقاوِمة الأمراض من الأقماح البرية إلى الأقماح المستأنَسة، وكانت هذه العملية صعبة في الماضي القريب، وتستغرق وقتًا طويلًا. أمَّا التقانة الجديدة، فإنها تعمل على تسريع هذه العملية، وتقصير الوقت اللازم لتطوير صنف جديد من القمح يتميز بكثير من الصفات الفائقة. ويمكن أن تُستخدم في انتخاب نباتات مقاومة للأمراض الناشئة عن صفة بسيطة يتحكم فيها عدد قليل من العوامل الوراثية، وذلك بإجراء العدوى الصناعية للنباتات بالعوامل الـمُمْرِضة في أثناء دورات الزراعة المتعاقبة، لكن الأمر ليس سهلًا بالنسبة للأمراض التي يتحكم فيها عدد كبير من العوامل الوراثية.

التجربة المصرية:

وعن إمكانية استخدام هذه الطريقة في مصر، يقول والف: إن إنتاج القمح في مصر يتعرض باستمرار للتهديد، بسبب أمراض الصدأ والعفن التي تسببت في خسائر فادحة في السنوات الأخيرة. وعادةً ما يحدث فقدان ما بين 15 و20 % من كميات محصول القمح السنوية كل عام بسبب هذه الأمراض، رغم الاستخدام المكلِّف لمبيدات الفطريات.

ويضيف أنه على وشك الدخول في مشروع بهدف تسريع وتطوير أصنافٍ جديدةٍ من القمح المصري ذات مقاومةٍ أعلى للأمراض باستخدام أحدث تقانات اكتشاف المورثات المقاومة للأمراض، وتكنولوجيا الاستنساخ التي جرى تطويرها في مختبري جون إينز، ونوريتش البريطانيين، إضافة إلى تقانات التربية السريعة.



يقول محمود زيد: أستاذ المحاصيل المساعد في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، إنه من السهل جدًّا تطبيق التقانة الجديدة، لأنها غير مكلفة نسبيًّا، ولا تعتمد على أجهزة تقنية حديثة، كما يمكن استخدام الصُّوبات (البيوت الزجاجية) الموجودة أصلاً في العديد من مراكز البحوث أو الجامعات، وتجهيزها بالإضاءة المطلوبة لإسراع البرامج المستخدمة حاليًّا لتربية المحاصيل التي ذكرتها الدراسة، ولكنه يشدد على أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن هذه التقنية أو الطريقة تمثل خطوةً واحدةً من الخطوات المطلوبة لإنتاج صنف جديد، وأن العمل الجماعي هو الحل الأمثل للتطوير والتقدُّم في مجال تربية النباتات، فضلًا عن ضرورة اتباع التشريعات الخاصة بزراعة الأصناف المهندَسة وراثيًّا في مصر.

الاستنتاجات:

يتحتم علينا استخدام أحدث الوسائل المتوفرة لتسريع عمليات التربية والتحسين الوراثي للمحاصيل الحقلية كي نتمكن من مجابهة التغير المناخي المضطرد، وتأمين الطعام لأعداد أكبر من البشر بشكل مستدام. ومن خلال تسريع تربية وإكثار المحاصيل سوف يتمكن الباحثون من إنتاج وهندسة محاصيل المستقبل، والمتكيفة بشكل أفضل مع مناخ المستقبل، والمتميزة بإنتاجية أعلى وأكثر مقاومة للإجهادات المختلفة.

المصادر:

– العلم، مصر، محمد سعيد 5/2/2018.
– تسريع إنتاج المحاصيل لمجابهة التغير المناخي، عن مارلين سيمونز، ترجمة إبراهيم العلو 2/3/2018.
-Watson A., S. Ghosh, M.J. Williams, W.S. Cuddy.2018. Speed breeding is a powerful tool to accelerate crop research and breeding. Nat. Plants 4, 23–29.
Nature plants, 2018 – nature.com

الفيديو التالي: يوضح سرعة نمو النباتات بطريقة التربية المسرّعة مقارنة بنموها في طريقة التربية التقليدية

عن الكاتب

يعمل لدى ‏الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية‏ / سوريا

دكتوراه في التربية والتحسين الوراثي للمحاصيل، خريج جامعة دمشق – كلية الهندسة الزراعية . التوصيف الوظيفي والعلمي: باحث، والعمل الحالي معاون مدير إدارة بحوث المحاصيل في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سورية. المشاركة في استنباط أصناف الذرة الصفراء والبيضاء المعتمدة حاليا في سورية. نشر العديد من الأبحاث والمشاركة في الكثير من المؤتمرات العلمية. تأليف كتاب دليل الوراثة الكمية وتقنيات الإحصاء الحيوي في تربية النبات. داري العراب والنور (2012) و Noor Publishing (2017) للدراسات والنشر والترجمة

عدد المقالات : 18

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى