انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » المساقات الحديثة في العلوم للمرحلة الثانوية

المساقات الحديثة في العلوم للمرحلة الثانوية


بقلم الدكتور عمر الشيخ

يقوم تعلم العلوم في المساقات الحديثة على عدد من الأسس النفسية مستمدة جميعها من المدرسة العقلية Cognitive Psycnology ، وتنظر المدرسة العقلية الى التعلم على أنه ليس استجابة لمؤثرات أو عمل ترابطات ( Associations) أو اضافة خبرات ، وإنما هو عملية بناء الخبرات وتنظيمها أو هو عملية تلقي المعلومات وتمثلها وهضمها (Information Processing) بناء على استراتيجية يتبناها المتعلم في الحصول على المعلومات والاحتفاظ بها واستخدامها لأجل الوصول إلى أهداف معينة .

وانسحابا على هذه النظرة إلى التعلم ، فان المدرسة العقلية تعرف المفهوم على أنه استنتاجات منظمة يكونها الفرد عن الأشياء والأحداث أو هو تجريدات عقلية ينظم عالم الأشياء في فصول أو هو و شبكة من الاستدلالات المهمة التي بها ينتقل الفرد من مجموعة من الصفات الحرجة المشاهدة في شيء أو حادث الى الفئة التي يندرج تحتها الشيء أو الحادث المذكور ومن ثم إلى استدلالات اضافية عن صفات اخرى عنه

ونظرتها هذه الى المفهوم تختلف عن نظرة المدرسة السلوكية التي تعرفه بالصفات العامة التي تشترك فيها مجموعة من الأشياء أو بالاستجابة المشتركة التي تثار بفئة من المؤثرات غير المتشابهة .

وتنظر المدرسة العقلية إلى عملية تكون المفهوم على أنها عملية نشطة فالمفهوم يتكون من خلال تمثل وتحوير الفرد للمعلومات التي يستقبلها عن طريق استطلاعه وبحثه أو من خلال التحويلات (Transformations ) التي يجريها الفرد على المعلومات المستقبلة وهو في الحالتين يتولد نتيجة استراتيجية يتبناها الفرد في الحصول على المعلومات وتحويرها فيبدأ بفرضية ويختبرها ( المتعلم ) في تجريبها على حالات أخرى، وهذا ما عبر عنها برونر بتسميتها استراتيجية البحث النشط (Active – search strategy) .

وتأخذ المساقات الحديثة بهذه النظرة الى المفهوم وبتلك النظرة الى عملية تكونه في هذا تعتمد أسسا نفسية متصلة بالتعلم من حيث تشويقه Motiviation والاحتفال Retention ونقله Transfer والاستعداد له Readiness .

1- فتفترض المساقات الحديثة أن تشويق التعلم يزداد من خلال تلبية الحاجات العقلية للطالب كالرغبة في الاطلاع والاستطلاع والاستفسار والبحث والتحري. فهي تفسح المجال للطالب أن يمارسها عمليا وأن يستخدم ما يملكه من قدرات عقلية ومنطقية في اجراء ما يلزم من تغييرات أو تنظیمات في المادة التي يستقبلها ، وهذا ما نعبر عنه بقولنا ( أن التعلم بالعمل يدفع الطالب إلى التعلم ويشوقه اليه ) :

وتفترض المساقات الحديثة كذلك أن التشويق للتعلم يحدث من خلال حل الأحجية Puzzle fascination أو من خلال ثقب الاتزان العقلي عند المتعلم Cognitive dissonance، ويقصد بذلك أن المتعلم يوضع في وضع عقلي متوتر في موقف تعليمي مناسب عن طريق تقديم مجموعة من الأسئلة بعجز بخلفية المعلومات التي يمتلكها عن الاجابة عليها ، وهذا الوضع العقلي المتوتر( Cogntive Strain) یدفعه بالتالي إلى العمل والنشاط حتى يتخلص منه ، ويعبر عن هذا النوع من التشويق بالتشويق الداخلي ( Intrinsic ) بخلاف التشويق الخارجي (Extrinsic ) الذي يستخدم فيه الثواب والعقاب ومغريات شخصية واجتماعية … الخ .

وخلاصة هذا أن التعلم ( تعلم المفهوم ) من خلال البحث النشط عنه يدفع المتعلم إلى أن يستمتع في تعلمه والى أن يندفع وراءه .

2 – وتفترض المساقات الحديثة في اهتمامها بالمفاهيم العلمية وفي تقديمها تسلسلا تعليميا منطقيا متصلا بالمفهوم العلمي وفي تنظيها تقديم الخبرات التعليمية اللازمة وفق هذا التسلسل أن الفرد المتعلم ينظم معلوماته التي يستقبلها وفق التركيب المفاهيمي (العقلي) الذي يمتلكه مثلما تفترض أن وجود هذا التركيب المفاهيمي يقلل من التوتر العقلي ويزيد من احتمال تكون المفهوم وبعبارة أوضح أن التركيب العملي الذي يمتلكه الفرد المتعلم في موضوع معرفي من حيث تنظيمه واستقراره ووضوحه، هو العامل الرئيسي الذي يؤثر على تعلم مادة جديدة و على الاحتفاظ بها، فإذا كان هذا الترکيب واضحا مستقرا ومنظما فان التعلم يسهل ويزيد الاحتفاظ ب واذا كان غامضا وغير منظم فإن التعلم يعاق أو يمنع ويقلل بالتالي الاحتفاظ به.

وتسعى المساقات الحديثة في واقع الأمر إلى تكوين التركيب المفاهيمي لدى المتعلم والى أن يكون هذا التركيب كافيا وفعالا، ولما كانت كفاية التركيب العقلي وفاعليته في موضوع معرفي معين تعتمد على المفاهيم فيه من حيث شمولها وعمومیتها وقدرتها على التوضيح فان المساقات الحديثة عمدت الى اختيار المفاهيم الكبيرة التي لها الصفات السابقة الذكر، وعمدت كذلك إلى تقديم لون تعلمي خاص بالمفاهيم التي يحمل فيه الطالب على ادراك الموقف التعليمي ثم اعادة ترتيبه وتنظيمه حتى يبدو له متسقة ومقبولا منطقيا أو بعبارة أوضح تقدم الخبرات المنظمة منطقيا حتى يستطيع المتعلم أن يحويها في تركيبة المفاهيمي (Cognitive Restructuring) .

3 – تفترض المساقات الحديثة أن المادة المتعلمة ذات المعني ( كالمفاهيم والتعميمات ) يسهل نقلها بالمقارنة بالمادة المنفصلة ( كالحقائق ) أي أن نقل التعلم يسهل من خلال تعلم المفاهيم والتعميمات ، وتفترض المساقات الحديثة كذلك أن المادة المنظمة المميزة (Organized & discriminated ) يسهل نقلها بالمقارنة مع المادة غير المنظمة والمختلطة وتفترض أيضا أن المادة التي يرافق تعلمها انغماس وشعور عاطفي يسهل نقلها بالمقارنة إلى المادة التي لا يرافق تعلمها ذلك.

أن نقل التعلم الذي تعتمده المساقات الحديثة هو النقل العام الواسع ( Massive general transfer ) وليس النقل القائم على تشابه العناصر Identical elements من خلال افساح المجال للمتعلم أن يتعلم ( Learn how to learn ) عن طريق وضعه في مواقف تعليمية يصل منها إلى التعميمات والمباديء يصبح المتعلم أكثر وعيا وادراكا للعلاقات ويكتسب المهارات اللازمة لاكتشافها وهي التي تسمح له بنقل التعلم .

ويمكن ابراز أهمية ادراك العلاقات واكتساب المهارات اللازمة لاكتشافها من خلال معرفتنا للوسائل التي يتم فيها نقل المعرفة وهي في الأغلب :

أ- يتم تطبيق المعرفة أو نقلها من خلال ادراك أن الشيء أو الحادث ينضم تحت فئة ما أو مبدأ عام ( Application by Subsumption )
ب – يتم نقل المعرفة من خلال ایجاد نوع من التشابه بين موقفين . (Application by Analogy )
ج – يتم تطبيق المعرفة من خلال استخدامها في حل المشكلة .

وتعمد المساقات الحديثة في تسهيل نقل المعرفة باعتماد ما أسميناه بالدورات التعليمية حيث يستخدم المفهوم في عدة قرائن و يختبر في اكثر من حالة ، كما تعمد كذلك إلى تكرار استعماله ، هذا بالإضافة الى تمييزها المفاهيم وتفريقها عن بعضها البعض فتوضح باهتمام متى يستعمل المفهوم ومتى لا يستعمل.

ان استخدام عدة من الأساليب والمصادر التعليمية في تعليم المفاهيم تهدف في المساقات الحديثة إلى زيادة فهم المتعلم لها بحيث يتمكن من تكوين مستويات مختلفة من الفهم عنها ولما كان الحصول على مستويات الفهم المختلفة يتطلب التدرب على طرق عقلية معينة فان المساقات الحديثة أولت اهتمامها بذلك ( طرق الاستفسار) واعتبرت أن الفهم يزداد من خلال تعلمها .

وتؤيد نتائج الأبحاث والدراسات حول التعلم الافتراضات التي تتبناها المساقات الحديثة، وفيما يلي نموذج للاحتفاظ بالتعلم ونقله مبنية على تلك النتائج :

أ- تنمية الرغبة في التعلم .
ب- جعل المتعلمات الأصلية ذات معنى .
ج- تدعيم الاستجابات الصحيحة .
د – توزيع التدريب .
هـ – تجنب التداخل والتنظيم الخاطىء .
و- التركيز على المفاهيم والمبادىء العامة .
ح- اتاحة الفرصة للتطبيق .
ط – تقديم تعلم متسلسل تراكمي .

4- تعتمد المساقات الحديثة في اهتمامها بتعلم وتعليم الخطط المفاهيمية ( معرفية أو طريقية) مفهوما عن الاستعداد للتعلم يتلخص في أن الحصول على التركيب المفاهيمي يجعل التعلم لدى المتعلم أمرا ممكنة ، وبمعنى آخر إن وجود التركيب المفاهيمي هو الذي يحدد امكانية التعلم وليس خضوع الفرد المتعلم لتطورات عقلية معنية وفي هذا توافق مع فرضية برونر المعروفة: أي مادة يمكن تعلمها من قبل أي متعلم شريطة أن يكون تقديمها يناسب المتعلم ، وفي هذا مخالفة لمن يقولون أن الاستعداد للتعلم يعتمد على مرور المتعلم بمرحلة تطويرية معينة وأن المتعلم بكون مستعدا لتعلم بعض المواد و غير مستعد لتعلم بعض آخر .

ولا تتعارض نشرة المساقات الحديثة الى الاستعداد للتعلم مع ما توصل اليه Piaget من نتائج حول تطور تفكير الفرد لأن نتائج piaget j حدد فقط وقت حدوث التعليم وما يلزمه واذا ما ذهينا مع Inhelder في رأيها القائل أن تعلم قدرات أو عملیات، منطقية وعقلية – Logical operations يساعد في الاسراع في التطور العقلي للفرد وانتقاله من مرحلة عقلية الى مرحلة أخرى أدركنا وجود عدم التعارض .

ان المسافات الحديثة تضبط عملية التعلم من خلال ضبطها عدد المفاهيم و درجة تعقدها وطريقة تقديمها وتوقيتها بحيث يتمكن الفرد المتعلم من أن تتكون عنده القدرات المنطقية اللازمة والمفاهيم التي تجعله مستعدا للتعلم .

5- يشكل التفكير العلمي في أعلى مراتبه وأرفعها من كل القدرات والعمليات العقلية والمنطقية ( وما يرافق ذلك من شعور ) التي تلزم في بناء نظرية علمية والتنبؤ منها واختبارها وهو بذلك محصلة قدرات يختلف عن حل المشكلة ، ولقد اهتمت المساقات الحديثة بالتفكير العلمي بخلاف المساقات التقليدية التي اهتمت بأسلوب حل المشكلة، وتفترض المساقات التقليدية أن الحصول على المعرفة العلمية يؤدي إلى الحصول على القدرات العقلية اللازمة في حل المشكلة والتفكير العلمي بينما لا تفترض المساقات الحديثة هذا الافتراض الذي لا تؤيده نتائج البحث وانما تفترض وتؤيدها نتائج البحث، أن الحصول على القدرات يتم اذا وجه التعليم نحو تكوينها .

ان المسافات الحديثة ( كما أشرنا إلى ذلك ) توجه التعليم لتكوين طرق الاستفسار العلمي وتعتبر طرق الاستفسار ضرورية لتعلم المفاهيم فهي لا تقتصر في تكوينها على المشاهدات والعروض التي يجريها المعلم وانما تتيح للمتعلم فرصة ممارستها و فرصة تقييمها المستمر وفي هذا توافق مع ما يستمد من نتائج البحث التربوي والنفسي.

6 – وتفترض المساقات الحديثة أن تعلم الاتجاهات العلمية يتولد من خلال تعلم المفاهيم العلمية وطرق الاستفسار العلمي، ولذلك لم تثبت المساقات الحديثة هدفا من أهدافها:

تعلم الاتجاهات العلمية :

هناك في الواقع اشارات متكررة في الكتب المدرسية التي تمثل هذه المساقات ولكن الافتراض الذي أثبتناه هو المرجح .

ان نتائج البحث التربوي لا تؤيد هذا الافتراض وتؤكد على أن تعلم الاتجاهات ينبغي أن يكون مباشرا او موجها .

الاختبارات في المساقات الحديثة

تختلف المساقات الحديثة في العلوم بوجه عام من حيث الأهداف عن المساقات التقليدية فهناك أهداف خاصة بها كما أشرنا سابقا ولا نجد مثيلا لها في المساقات التقليدية .

ومن الطبيعي أن ينتج عن الاختلاف الملحوظ في الأهداف اختلاف في القياس والتقويم وبالتالي في الاختبارات المدرسية .

إن أهم ما يميز القياس والتقويم في المساقات التقليدية هو اقتصاره بشكل أساسي على الاختبارات المدرسية التي غالبا ما تتخذ صورة المسألة أو صورة المقال وفي أحيان قليلة تتخذ صيغة موضوعية ، وتركز الاختبارات على قياس قدرة الطالب في تذكر الحقائق التي تعلمها أو اعطاء تعاريف للمفاهيم التي درسها وفي أحيان قليلة على قياس قدرته في استخدام وتطبيق ما تعلمه في حل مشكلات أو مواقف جديدة ويعرف هذان النوعان من التذكر :

بالتذكر الرخيص Cheap Recall
والتذكر الغالي – Expensive Recall

أما المساقات الحديثة التي تقدمت بحملة واسعة في القياس والتقويم جريا مع أهدافها فقد اعتمدت في الأغلب هدفين رئيسيين للقياس والتقويم هما :



1- قياس مدى معرفة وفهم الطالب للمتعلمات التي يتوقع من المساق الحديث أن يحققها وفق الأهداف المختارة له ومن ثم الاستفادة من نتائج القياس في تعديل المساق و تحسينه.
2 – عرض وتوضيح نوعية الواجبات التعليمية أو المتعلمات المراد تعلمها للمعلمين والطلاب ومن ثم تركيز أهداف المساق عندهم وتوجيه التدريس ( التعليم والتعلم ) نحوها. ولما كانت المساقات الحديثة في العلوم تركز على فهم العلم Understanding of science من حيث هو معرفة لها خصائصها وطرق استفسارها فاننا نتوقع أن تركز وسائل القياس على قيام هذا الفهم عند الطالب وهو ما تفعله المساقات الحديثة في اختباراتها ، فنجد هناك اهتماما واضحا بقيام قادرة الطالب على استعمال وتطبيق المعرفة العلمية وطرق الاستفسار وعلى تكوين الفرضيات و الاقتراحات.

ولعل التقسيمات التي قدمها ( Boulind ) في مقالته عن الأسئلة والامتحانات توضح الأنواع المختلفة من الأسئلة التي تستخدم في مشروع ( نفيلد ) للفيزياء وفي غيرها من المساقات الحديثة وهي كما يلي :

1- أسئلة التذكر الرخيص وهي التي تتطلب من الطالب تذكر تعريف أو معادلة أو تعويضا في معادلة وهي تستعمل بصورة محدودة.
2 – أسئلة التذكر الغالي التي تتطلب من الطالب ربط معلومات و استخلاص استنتاج منها أو قدرة في تطبيق المعرفة في ظروف جديدة له .
3- أسئلة تتطلب من الطالب تقديم تخمين أو فرضية عقلية او نقد اقتراحات أو تخمينات تقدم حول موقف او مشكلة .
4- أسئلة تضع الطالب في مشكلة أو موقف تعليمي ويطلب منه ابداء النصح حول هذه المشكلة .
5- أسئلة تضع الطالب في مشكلة جديدة فتعرض ظاهرة او حدثا جديدا او شيئا جديدا ويطلب منه التفكير في اقتراحات او تفسيرات او حلول.

مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1019

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى