انت هنا : الرئيسية » صحة وتغذية » ابحاث طبية » تأثير الألوان في النفس البشرية وفي جسد الانسان ايضا

تأثير الألوان في النفس البشرية وفي جسد الانسان ايضا


في غابر الأزمان كان الانسان الأول يعيش ليلا ولا يرى سوى باللونين الأسود والأبيض، اما القدرة على التمييز بين الألوان، فهي حديثة العهد، اذا صح التعبير في حلقات تطور الجنس البشري، اذ ان رؤية الانسان الأول خضعت للتحول عندما بدأ يعيش نهارا.

ومنذ ذلك الحين ولم تكف الألوان عن التأثير على سلوك الإنسان الذي لم يكف بدوره عن البحث لولوج اسرار الطيف الشمسي، اي مجموعة الأشعة الملونة الناتجة عن تحليل الضوء الشمسي، فاكتشف أن اللون ما هو سوی احساس وإشعاع كهرومغناطيسي وطول موجة متبدل بحسب درجات هذا اللون، وشاء السيطرة عليها لإقناع نفسه او الاهداف ذات فوائد، ومن بينها التطبيب.

الأعمى يراها

حسب الدكتور كريستيان اغرابار، الاختصاصي في الطب النفساني والعصبي ومدير مركز الدراسات والأبحاث حول علم الطاقة واللون، يكفي توجيه كمية كافية من النور البرتقالي وبعض من النور الازرق على المنطقة المصابة لشفاء التهاب مفاصل العنق او الردف او الظهر، وتشبه هذه الوصفة الى حد بعيد تلك الممارسات التي كان يقوم بها مطببى قبائل هنود النافاجوس في اميركا الشمالية لعلاج مرضاهم، وذلك بتمديدهم على دمی من الرمل مرسومة على الأرض ومغطاة بملونات نباتية!

لكن حتى اليوم لم يأت أصحاب هذه الاتجاهات بأي اثبات علمي على فعالية العلاج بالألوان، فعلماء الابصار وبحاثة هذا الميدان يدحضونه اذ يرون أن العلاج بتوجيه الالوان على الجسد هو أمر عقيم تماما، باعتبار أن اللاقط البصري الوحيد الذي يتمتع به الانسان موجود في شبكية العين، في حين ان الدماغ لا يتلقى سوى المعلومات البصرية التي تمر بالعصب البصري.

ومع ذلك فان معظم المستشفيات الفرنسية مثلا تعالج يرقان الرضيع بتعريضه الى نور ازرق اذ من المعترف به ان هذا الاشعاع يؤدي الى خفض نسبة ياقوتين الصفراء (مكون هذا المرض) في دم المولود الجديد.

وثمة ظاهرة اخرى غريبة ولكنها عرضة للنقاش، وهی قدرة المكفوفين على تنمية حساسية جلدية – بصرية بحيث يمكنهم رؤية الألوان بواسطة ايديهم، ففي دراسة مختصة جاء أن البروفسور نوفومایسکی قد حقق عدة تجارب شارك فيها مئات المكفوفين في معهد مكفوفي الأورال، فلاحظ أن كل لون يبث درجات مختلفة من الحرارة، استنتج بموجبها أن اللون الاحمر يبدو عند اللمس شديد الحرارة ولاصقا، بينما اللون الازرق يبرد راحة يده.

الازرق مريح والأخضر يساعد على التركيز

اذا بقي التأثير الفيزيولوجي للألوان بحاجة الى المزيد من الاثباتات فان اثرها السيكولوجي لم يعد يحتاج الى اي اثبات، ويعترف به الجميع.

فكل فرد يضع للون تعبيرا بحسب المزاج الذي يؤثر فيه، وبحسب حياته والذكريات البصرية المرتبطة بطفولته، وبحسب الحضارة التي تنشأ فيها، ففي حضاراتنا مثلا يرتدي اللون الاحمر صبغة الدم، فيثير الى حدود التوتر العصبي وحتى العدوانية.

وحين نجد أن التقاليد تشاء أن تكون ديكورات المسارح باللون الاحمر الذي كسا سجادها وكراسيها وستائرها
فذلك لكي يبقى المشاهدون في اجواء الغبطة والمرح التي تسود عادة الاعياد .

وقد بدأت هذه العادة تزول اذ صارت الإضاءة اليوم تحقق ذات التأثيرات في المسارح وصالات العروض، فلكي نحمي الجمهور، يكفي أن نجعل اللون الأحمر يتلألأ في الصالة، الى درجة أن المبالغة فيه تؤدي لا محالة إلى قيام اشتباكات بين الجمهور، وغالبا ما كانت تقوم مشاجرات واشتباكات في مقاه كانت تعتمد الضوء الأحمر في اضاءتها الى ان وعی اصحابها تأثير النور الأحمر على زبائنهم الذين يصبحون فجأة عدائيين، ومنذ أن استعملوا انوارا بغير اللون الاحمر خفت المشاجرات والاشتباكات.

وحتى في صناعات الأدوية، يؤخذ العامل النفساني للألوان بعين الاعتبار، فهو يؤثر بنسبة لا يستهان بها على
شفاء المرضى، فمن المستحيل مثلا ان نجد حبوبا مهدئة للأعصاب بلون أحمر، كما يصعب كثيرا ان نجد صالة انتظار طبيب اعصاب ذات جدران مدهونة بلون احمر.

لكن ما يؤثر على الانسان لا يؤثر بالضرورة على الحيوان، لاسيما حين يتعلق الأمر بأفكار شائعة خاطئة فالثور مثلا لا يثور بسبب لون المرهقة (قطعة القماش الحمراء التي يستعملها مصارع الثيران لإرهاق الثور قبل القضاء عليه) كما يعتقد البعض وإنما بسبب تلويح المصارع بقطعة القماش هذه، فالثور لا يري سوي باللونين الاسود والابيض.

من جهة ثانية فان للون الأزرق الذي يرمز الى الهواء والسماء، صفات مهدئة ومسكنة ولهذا السبب يتم في
احيان كثيرة اليوم اختيار اللون الازرق السماوي لتغطية غرف مصحات نفسية وعقلية، وقد تبين تأثير هذا اللون بشكل واضح في التجربة التي قام بها بحاثة فرنسيون في الستينات والسبعينات في احد المصانع الباريسية، فبهدف اضفاء أجواء من الهدوء والراحة في هذا المصنع ذي الاجواء الملتهبة والثائرة على الدوام قام البحاثة بدهن جدرانه بدرجتين من اللون الازرق تصاحبها الموسيقى خلال أوقات العمل، فتبين ان انتاج العاملات قد ارتفع بشكل واضح بينما خفت كثيرا نسبة الغياب عن العمل.

اما اللون الاخضر الذي يرمز في مخيلات الناس الى كل ما هو نباتي فله تأثير الموازن على الصعيد العصبي ويساعد على التركيز وهو اللون المستعمل لتغطية طاولات اللعب وطاولات المحادثات.

الأحمر يثير العنف

وباستثناء الميادين الأمنية كقوانين السير التي حافظت على رموز الالوان التي ترعى وتنظم السير فان المجتمعات الحالية اخذت بتأثير الحداثة تحطم الرموز التي لطالما حملتها الألوان بعد أن وضع اجدادنا الاف السنوات لتنظيم رموزها فاللون صار لغة تغتني وتتناقلها الأجيال، وقد تصاب بالذعر حيث نجد مثلا طاولة بلياردو ذات لون احمر بدلا من الاخضر باعتبار ان اللاعبين بحاجة الى الهدوء والتركيز وليس الى العدوانية والعنف اللذين يولدهما اللون الاحمر!

واللون ايضا وسيلة تداول وتواصل لجأ اليها علماء النفس في علاج مرضاهم. فهم يفكون رموز الاشكال والالوان التي يختارها هؤلاء المرضى في رسومهم ويدرسونها لتكون وسيلة افضل لفهمهم ومساعدتهم فكل ما يستعمله المريض من درجات الوان او ظلال او نتوءات.. هي دلائل يتوجب تحليلها فمثلا حين يكون الطفل قلقا يمكن أن يعبر عن ذلك بألوان قاتمة من اصل بنی او اسود او احمر… وحين يسود طفل يدي شخص رسمه يعني ذلك شعوره بذنب شديد… وحين يرسم الشمس باللون الأسود، قد يعكس ذلك مشكلة عائلية خطيرة يعاني منها و هذا الطفل.



ويلجأ علماء النفس الى هذه التحاليل في علاج الفصام , او ازدواج الشخصية وهو المرض الذي يجد افضل علاج له بواسطة الفنون، ومن ملاحظات علماء النفس أن المصابين بالفصام غالبا ما يستعملون اللون الأحمر، رمز العدوانية وقد يخففون من حدته بإضافة اللون الأزرق، لون الأمومة.

تقول احدى الاختصاصيات ( اذا استعمل المريض اللون الأحمر يعني ذلك انه صار اقل خوفا من عدوانيته باعتبار انه صار قادرا على التعبير عنها اخيرا، عندئذ يتوجب علينا مضاعفة حذرنا وانتباهنا كي لا يترجم هذه العدوانية عنفا موجها نحوه او نحو الآخرين) .

المصدر صحيفة الدستور
مصدر الصورة pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 1001

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى