انت هنا : الرئيسية » صحة وتغذية » الأمراض والأوبئة » الكحول والخمور وأضرارها في المجتمع

الكحول والخمور وأضرارها في المجتمع


الدكتور باسل يحيى

عند التحدث عن موضوع له علاقة بالمجتمع وصحة أفراده کموضوع الكحول وادمان الكحول والخمور Alcoholism ، تظهر ضرورة لذكر امثلة عن مشاكل الكحولية التي اصابت مجتمعات اخرى في دول مختلفة من العالم فتكون هذه الأمثلة ايضاحا لنا وإنذارا لخطر او مرض يوشك أن يحل بنا لكي نحذره ونتجنبه ونحافظ قدر المستطاع على مجتمعاتنا العربية والإسلامية بعيدا عن الاصابة بهذا المرض، فالعلم بحقيقة الداء قد يكون سببا في البعد عنه، وصدق من قال بان الوقاية خير من العلاج.

ومشكلة ادمان الكحول هي احدى المشاكل او الامراض الاجتماعية التي تفاقمت في كثير من بلدان أوروبا وأمريكا ودول اخرى غير مسلمة، فهم يعانون من هذه المشكلة بشدة وعلى كل المستويات ( الحكومات ، المنظمات ، والافراد ) لا يستطيعون حلها او تجاوزها فهي مشكلة، قائمة دائمة متزايدة… يحاولي بعض علمائهم ومتخصصيهم علاجها او تحجيمها او تقليل الوقع من شدة اضرارها في المجتمع، ولكن بدون جدوى يعترف بعضهم بحقيقة المعاناة من هذه المشكلة ويجدوا المبررات لها احيانا او يتعاطفوا مع شخوص المشكلة احيانا اخرى… ولكنهم في دائرتهم ينتهون من حيث يبتدئون .

ويعبر احد متخصصيهم عن مشكلة ادمان الكحول بحديث علمي فيقول : انها مشكلة اجتماعية طبية متعددة الجوانب، غالبا ما تكون نهايتها المأساة التي لا تقتصر على المدمن وأهله والمحيطين به فحسب، بل يترتب عليها سلبيات تؤثر في المجتمع كله، ويسترسل فيقول : ان ادمان الخمر ليس وسيلة للمتعة او ملاذا من المشاكل والإخفاقات كما يتصوره اللاجئون اليه.

فهو مرض قائم ومتزايد في كثير من البلدان، وهو صعب العلاج، والشفاء منه قليل، على الرغم من كثرة الجهد الذي يبذل من قبل بعض المصلحين والمرشدين والمتخصصين الطبيين والاجتماعيين.

وقد يعود ذلك لما يلي من الأسباب :

1- يفقد الكثير من مدمني الخمر ( السکاری ) الجدية في حياتهم، فتتحول حياتهم الى مزاح وسخرية ومرض، وبهذا التحول يفقد المدمنون الاهتمام الجاد الفعلي بطلب العلاج او الرعاية الصحية .

2- إن سلوك المدمن يجعله مدانا على الغالب من قبل الآخرين في المجتمع، لذا فهو لا يجد تعاطفة او شعورا بالمساعدة تجاهه، وذلك مما يجعله في حالة صعبة، وبالتالي يكون التقدير الموضوعي لعلاجه صعبة. ولدراسة مشكلة الادمان علميا يجب التحرر من مواقف الادانة كما يقول العالم نیل کیزل، ويجب أن يكون اسلوب الاحترام اساسيا في التعامل مع المدمن لكی يقبل العلاج باقتناع تام .

3- عدم اعتراف بعض الدول بوجود مشكلة ادمان الكحول في بلادها لكونها تنتج عائد اقتصادي من الخمور وبالتالي فان الادمان على الخمر لا يؤخذ كمرض اجتماعي بل يعتبر حالة عامة في المجتمع وفي هذه البلدان لا يوجد تعريف دقيق متفق عليه لمدمن الخمر، ويمكن تطبيق كلمة «المدمن» بسهولة لتشمل كل شخص يتعاطی الخمر او غيره من الأدوية والعقاقير .

وفي هذه الدراسة الطبية الاجتماعية يمكن تقسيم المجتمع بمختلف شرائحه إلى ما يلي من الأصناف :

أ- أكثر الأفراد في المجتمع لا يشربون الخمر على الاطلاق ويعتبر هؤلاء اصحاب ارادة عالية وروحيون، ويكون سبب ذلك اما من معتقد ديني يحرم عليهم الخمر تماما كما هو الحال عند المسلمين، او من معتقد خاص كما في بعض الجمعيات او الهيئات التي لا تؤمن بشرب الخمر كتقليد لمنتسبيها .

ب . كثير من الأفراد في مجتمعات دول اوروبا وأمريكا وغيرها يشربون الخمر باعتدال ( اي من وقت الى آخر وفي المناسبات ) يطلق عليهم مصطلح شاربين اجتماعيين.

ج – بعض الأفراد يشربون بكثرة وعلى مدى الأيام ، يطلق عليهم مصطلح شاربين مكثرين.

والكثير من هؤلاء قد يكونون بحاجة الرعاية طبية بهذه المرحلة، فهم يستطيعون الاستجابة للمعالجة المناسبة، وإلا فمن المحتمل أن تأخذ الغالبية العظمى من هذه المجموعة سبيلها الى الادمان اذا لم يعالجوا او يتوقفوا عن تعاطي الخمر .

د. المدمنون هم مجموعة من الأفراد في المجتمع اصبحوا مرضي بفعل الخمر ويحتاجون إلى نظام علاجي صحیح و مناسب لهم.

إن المعنى الطبي لكلمة «السكارى» هو «مدمنوا الخمر» .

إن المدمنين لا يستطيعون الانقطاع عن تعاطي الخمر كلية، قد يستطيعون ذلك الايام قلائل الا انهم يعودون الى الخمر حتما. حيث انهم كلما كانوا بحاجة اکبر لوقف تعاطي الخمر ( نتيجة الافلاس او المرض ) كلما وجدوا صعوبة اكثر في ذلك. فهم يعانون من ظهور أعراض وعلامات لأمراض جسمية وذهنية قصيرة الأجل عند التوقف عن تعاطي الخمر وتسمى هذه الأعراض بمرض الانقطاع.

ان خوف المدمن من ظهور مرض الانقطاع يجعله يواصل تعاطيه للخمر، لذا فان معظم المدمنين يصلون إلى مرحلة تكون فيها ادمغتهم واجسامهم متأثرة بالخمر حيث تبقى هذه التأثيرات حتى عندما يكونوا غير شاربين .

هذه المرحلة يصلها بعض المدمنين وتسمى «بالإدمان المزمن» وهذا المصطلح يستعمل فقط عندما تكون اعضاء الجسم متضررة فعلا بالخمر .

وان معرفة متعاطي الخمر لأي من الأصناف المذكورة ينتمي لأمر قد لا يكون سهلا ولكن ذلك اساسي من الناحية الطبية، حيث لا يمكن الشروع بمساعدته وعلاجه الا اذا علم انه من الصنف الاجتماعي، ام المكثر، أم هو مدمن، او انه وصل مرحلة الادمان المزمن .

وقد يتحول متعاطي الخمر من الصنف الاجتماعي البسيط الى مكثر او مدمن. ولا عجب في ذلك حيث ان تكرار التعاطي عند المبتدئ يجعله فريسة سهلة للخمر عبر الايام فينحدر في درجات السكر لينقلب مدمن في نهاية المطاف .

ومن اسباب تكرار التعاطي عند المبتدئ هو الاعتقاد الذي يخيل له بان تأثير الخمر سوف ينقذه من متاعب لا يتحملها وانه سيكون قادرا على مواجهة مشاكله الخاصة ومشاكل الحياة العامة وليظهر دائما بمظهر الشخص الطبيعي والاجتماعي القادر على مواجهة مصاعب الحياة، فيكون هذا الاعتقاد ( الخاطئ ) سببا في اعتماده على الخمر ثم يصبح التعاطي عنده ضرورة قائمة في حياته اليومية.

أن للخمر تأثير فيسيولوجي على الجسم يعمل على اضعاف جسم متعاطيه والتقليل من عزيمته باستمرار. وهذه نقطة مهمة في المجال الطبي. حيث أن تجاهل هذا الامر ( الانحدار في القوى النفسية والجسمية ) من قبل المحيطين بمتعاطي الخمر من ( اهل واصحاب ) هو الذي يجعله في مشكلة متزايدة الأبعاد كما عبر عنها احد المتخصصين في هذا المجال، لذلك فان مساعدة متعاطي الخمر لكي يستطيع ممارسة حياته بدون خمر تسمى «المعالجة». وهي نفس الحقيقة التي اشارت اليها منظمة الصحة العالمية (WHO) عندما عرفت مدمني الخمر: باؤلئك الشاربين باكثار الذين يكونون معتمدين على الخمر لدرجة ظهور اضطرابات في صحتهم الجسمية والذهنية، واضطرابات في علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية،… ولذا فهم يحتاجون إلى معالجة .

ومعالجة المدمن لا تفترض أمرا يكون الأطباء وحدهم قادرين عليه، بل المساعدة التي يحتاجها مدمنو الخمر أن تقدم لهم من قبل المحيطين بهم كالعائلة والاقرباء والأصدقاء والمؤسسات الاجتماعية … اضافة إلى دور الأطباء

حجم مشكلة الادمان :

كما اشرنا في البداية بان شرب الخمر هو ظاهرة اجتماعية في كثير من البلدان الغربية ، هذه الظاهرة تمتد عبر سنين طويلة، لكنها أخذت تتزايد نتيجة للتطور الحضاري ومتطلبات الحياة الحديثة… ولذلك ظهر العديد من الأفراد في تلك المجتمعات لا يطيقون مواجهة الحياة بتطورها المتزايد فجعلهم يهربون من واقعهم الصعب ومتطلبات حياتهم المعقدة والجأهم الى تعاطي الخمر والادمان عليه. فقد استنتجت منظمة الصحة العالمية قبل حوالي نصف قرن بوجود 350 الف مدمنا في بريطانيا وحدها، وقد اظهر ربع افراد هذا العدد اختلالا جسديا وذهنيا.

ان هذا الرقم يظهر بوضوح حجم المشكلة، ولو أن ارقاما لبلد واحد لا يعول عليها، وجدير بالذكر انه من الصعب الحصول على حساب دقيق لعدد المدمنين في كل بلد من العالم. ذلك أن ادمان الخمر ليس مرضا مميزا بوضوح في كثير من الدول، اضافة الى ذلك فالكثير من المدمنين لا يراجعون المؤسسات التي تهتم باحصائهم .

ان احصاء المدمنين يكون على الغالب بصورة غير مباشرة. حيث يقوم الأطباء العامون في بريطانيا مثلا بتسجيل المدمنين ضمن مرضاهم في المستشفيات، وان الكثير من المدمنين يعالجون لأمراضهم الجسمية وليس لمرض ادمانهم. الا ان اكثر المعلومات موجودة عن الادمان في حالات الدخول إلى المستشفيات النفسية .

والحقيقة أن نسبة قليلة فقط من المدمنين يدخلون المستشفى النفسي طواعية، ولكن الاغلبية لا تذهب الى المستشفى نهائيا. فالبعض يموت بدون تلقي أي علاج وبذلك يعتبر ادمان الخمر مرضا قاتلا. ومن الأضرار الصحية والاجتماعية الأخرى لادمان الخمر: ظهور مرض الكبد وتشمعه، سوء التغذية والنحول العام، حوادث الطرق والأصطدامات، الانتحار، …. وغيرها من الاحداث المشابهة وكلها قد تكون نهايتها الموت .

وما يمكن قوله في هذا المجال : انه بالرغم من عدم وجود ارقام دقيقة لحالات الوفاة التي تحدث من مجموع المدمنين، فان المدمن الذي لا يعالج بنجاح يكون متوسط عمره منخفضا جدا عن اقرانه الأصحاء من البشر.

وهذا يرى من الاحصائيات المسجلة في هذا المجال والتي تؤكد فداحة الموت المتزايد للأعمار الشابة من مدمني الخمر. ومثال ذلك اصحاب الحانات ( اماكن بيع وتعاطي الخمور) حيث تكون نسبة الوفاة عندهم نتيجة تليف الكبد تسعة اضعاف غيرهم من الرجال بالعمر المساوي لهم. وقد بينت منظمة الصحة العالمية ارقام الوفيات المسجلة بسبب تليف الكبد، ومن هذه الاحصائيات يمكن معرفة النسب المئوية للموت بسبب الخمر، وكذلك النسب المئوية للمدمنين الذين أظهروا مرض الكبد .

ولقد ظهرت دراسات متعددة لاحصاء عدد مدمني الخمر في دول العالم، ففي دراسة أجريت لأجناس مختلفة من مساحة سكنية في مدينة نيويورك، اظهرت نسبة ثلاثة رجال وامرأة واحدة في كل مائة من السكان بعمر 20 سنة او اكثر، عندهم مشاكل صحية واجتماعية نتيجة تعاطيهم الخمر. وقد كشف معظم هؤلاء حقيقة مآسيهم ومعاناتهم من الخمر لفريق الباحثين.

واتبعت طريقة أخرى في بلد آخر . لاحصاء عدد المدمنين، وذلك بالسؤال المباشر للناس الذين يراجعون
المستشفيات، دوائر الشرطة، دوائر الأحوال المدنية والاجتماعية وغيرها من الاماكن الحكومية، وذلك بتسجيل اسماء وعناوين المدمنين الذين يتعرفون عليهم. وبهذه الطريقة وجد أن التحري عن المدمنين من مصادر اکثر هو ايجاد العدد الاكثر منهم اي كلما زاد التحري كلما وجد العدد الاكثر منهم. واتبعت هذه الطريقة في احدى محافظات بريطانيا فتبين أن 6.2 رجل و 1.4 امرأة من كل الف نسمة من السكان كانوا مدمنين.

وهكذا ادركت الحقيقة بان ادمان الخمر هو مرض قائم و متفاقم يجب أن ينظر اليه بشكل ابعد واعمق من قبل المجتمع والحكومة فهو ليس ملاذا من المشاكل الشخصية والاجتماعية بل هو امر جاد وهام ومرض قائم . وقد ادركت الحكومة الأمريكية من قبل خطورة هذا الداء عندما اصدرت الجمعية الطبية الأمريكية قرارا في سنة 1935 بان : المدمنين هم مرضی شرعيون .

وهذا القرار هو نسخة مطابقة لتعريف منظمة الصحة العالمية عن المدمنين بانهم مرضى يستحقون العلاج .

ان ادمان الخمر يسبب مشاكل اجتماعية بارزة في أي بلد أصيب به، ويسبب كذلك مشاكل شخصية للمدمن وعائلته. وقد يلاحظ في الكثير من المدن الأوروبية وغيرها من مدن العالم المصابة بالإدمان، وجود مساحات متأثرة بالمدمنين يجتمعون فيها عاطلين عن العمل، قذرين، مسيئين للناس ولانفسهم .

ومن مساوئ الادمان على الخمر من الناحية الاجتماعية انه يلجئ إلى التعدي عن العمل، البطالة، الدين السرقة، الاجرام، الانحراف الاجتماعي، اهمال العائلة خاصة الزوجة والأطفال .

ومن الأمثلة التي تظهر تأثر العائلة بوجود مدمن بين أفرادها هو ان العائلة المتوسطة في بريطانيا تصرف حوالي 4 بالمائة من انفاقها الأسبوعي على شراء الخمر. أما البيوت التي تحوي مدمنين تكون نسبة الإنفاق على الخمر عشرة اضعاف النسبة السابقة .



ومن الأمراض الاجتماعية الأخرى التي لها علاقة بالادمان هي:

ازدياد عدد التوقيفات في مراكز الشرطة ( نتيجة كثرة المخالفات )، ازدياد حوادث الطرق والسيارات، ازدیاد حوادث التعديات والادانات الأخلاقية.

ومن الجدير بالملاحظة هو وجود الأعمار الشابة دون سن العشرين مشتركين بهذه الاشكال من الامراض الاجتماعية .

لذا فان ادمان الخمر من الناحية الطبية يؤثر على الفرد في اعتلال صحته حاضرا ومستقبلا، ومن الناحية الاجتماعية يؤثر على المجتمع كله وذلك بنقص افراده وتخليهم عن المسؤولية، اضافة لتحمل الدولة مسؤولية علاجهم ودرء اخطارهم عن بقية الناس، ومن ناحية أخرى فكيفما يعامل المدمن بأي وسيلة كانت، بالعقوبة أو المعالجة فهي مكلفة للدولة ماديا واجتماعيا.

فالعقوبة للمدمن تعني بقائه وقتا في السجن في جو من العقاب حيث تمر به الايام لا يقدم فيها لنفسه ولا لعائلته ولا المجتمعه شيئا فيه نفع. واحتياجه للعلاج وضرورة وجود مستشفيات ومصحات للمدمنين واعداد الأطباء المتخصصين لقبول مسؤولية علاج المدمنين وتكاليف الأدوية والأغذية والمعالجة النفسية التي يجب أن تستمر لاسابيع او اشهر .

كل هذه الأمور تكون مكلفة للدولة والمجتمع وعائلة المدمن بصورة واضحة، وقد تكون الكلفة باهظة الثمن على الغالب. فمن خلال ما ذكر عن ادمان الكحول واضرارها في المجتمع اصبح واضحا لدينا حقيقة هذا الداء وما يفعله بالفرد والمجتمع من اذى واضرار.

ولتجنب الأضرار الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، نرى أن الوعي لأخطار هذه المشكلة بتعقيداتها متوافر لدينا من الناحية الروحية والثقافية، لذا فان زيادة التوعية بالوسائل المرئية والمسموعة بمختلف انواعها تحقق اهدافا اجتماعية وصحية واقتصادية كبيرة رغم علمنا بالصعوبات التي تواجه مثل هذه الدعوة في بادئ الأمر إلا ان دور الدولة هنا يكون فعالا ومؤثرا في جميع الاتجاهات .

المصدر : مجلة الدواء العربي
مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

الأردن

كاتب متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3455

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى