انت هنا : الرئيسية » علوم و طبيعة » أثر المنتجات المحورة وراثياً على النباتات والتنوع الحيوي

أثر المنتجات المحورة وراثياً على النباتات والتنوع الحيوي

إعداد

الدكتور عوض الله عبد الله عبد المولي

أستاذ تربية النبات والوراثة – قسم المحاصيل الحقلية

كلية الزراعة جامعة الخرطوم

في السنين الأخيرة شكل التزايد في عدد السكان في العالم مشكلة كبيرة وذلك لعدم توفر الغذاء الكافي لمقابلة احتياجات تلك المجتمعات الفقيرة التي تعاني من مشاكل عديدة ومتشابكة. لذلك اختلفت وتنوعت الأساليب والتقنيات العلمية المستخدمة لرفع الكفاءة والإنتاج في قطاع الزراعة في بلدان العالم المختلفة. نتيجة لذلك ارتفعت الإنتاجية في البلدان المتقدمة إلى الحد الذي أصبح هنالك فائضاً كبيراً وذلك بسبب توفر التقنيات الحديثة الخاصة بزيادة الإنتاج وتحسين الجودة والقيمة الغذائية ومكافحة الأمراض.

من العلوم ذات الأهمية والتي تستخدم لتحسين الصفات الوراثية لأصناف المحاصيل هو علم تربية النبات وهذا العلم يعني بتغيير التركيبة الوراثية لنباتات المحاصيل المختلفة حتى تلائم حاجة ومتطلبات الإنسان من غذاء وكساء ودواء، ومن ثم المحافظة على النظام البيئي من التدهور والدمار. وقد تختلف أهداف برامج تربية النبات من بلد إلى آخر اعتماداً على مدى تقدم البلد وتخلفه من حيث الناحية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، ويتبع ذلك أيضا اختلاف في نوعية النتائج التي يمكن أن يصل إليها البلد. مثلا في الدول الصناعية المتقدمة تكون عادة من أولويات أهداف برامج تربية النبات تحسين الجودة وذلك مثل نوعية البروتين والدهون في المنتجات المحصولية بحيث تلائم ذوق المستهلك وفي نفس الوقت تكون خالية من المضار الصحية. أما في الدول النامية والفقيرة فنجد أن الأولويات تكون مركزة على زيادة الإنتاج وذلك لمقابلة النقص الكبير في الغذاء، أي زيادة الكمية وليس هنالك أولويات لتحسين الجودة حيث يعتبر ذلك من الرفاهيـات. وخير مثال لهـذا ما حصل في المكسيك بما يعرف بالثورة الخضراء (green revolution)  حيث تم إنتاج أصناف من القمح ذات سيقان قصيرة ولكنها تتمتع بصفات إنتاجية عالية وكذلك استجابة عالية للمخصبات. وهذه الأصناف تم زراعتها أيضا في مناطق آسيا مثل باكستان والهند.



من الأهداف الخاصة التي يمكن ذكرها وورودها عند تصميم أي برنامج تربية نبات محصولي هي زيادة الإنتاج وتحسين الصفات المتعلقة به وتحسين صفات الجودة مثل كمية ونوعية البروتين – الدهون الكاربوهيدرات، والأحماض الأمينية، وتحسين صفات مقاومة الأمراض والآفات وملائمة الظروف البيئية القاسية مثل الجفاف – ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة – ملوحة وقلوية التربة الخ ..

ولقد تم تحسين المحاصيل المختلفة في عالمنا الحاضر بعد سنين مضنية من البحث والتجارب حيث تم استخدام تقنيات كثيرة ومختلفة. وهذه التقنيات تطورت عبر الزمن حتى وصلت إلى ما يعرف بتقنيات الهندسة الوراثية والتي أصبحت مثاراً للجدل والنقاش، خاصة حول المنتجات المهندسة وراثياً لنباتات المحاصيل . وللحكم أو إبداء الرأي حول جدوى وفائدة هذه النباتات المعدلة وراثياً على القطاع الزراعي – الإنسان والبيئة لا بد من الإلمام بمعرفة تلك التقنيات المستعملة – وما هي المنتجات المحورة وراثياً – وما مدى انتشارها واستعمالها في العالم – وما هي منجزات التقنيات الحديثة للهندسة الوراثية – وما هي تجارب الدول النامية في هذه التقنيات – وأخيراً تقييم الآثار المترتبة على استعمال وتناول تلك المنتجات المعدلة وراثياً. ومن ثم صياغة الرؤى المستقبلية للمنتجات المعدلة وراثياً التي أصبحت واقعاً ملموساً.

التقنيات المستعملة لتحسين الصفات الوراثية لنباتات المحاصيل

بعد معرفة وتحديد الأهداف العامة والخاصة لبرامج تربية النبات المتعلقة بتحسين الصفات الوراثية للمحاصيل المختلفة يجب معرفة وتحديد التقنيات التي من خلالها يمكن تغيير التركيبة الوراثية لنباتات المحاصيل لتلبية الأهداف المعلنة.

هنالك نوعان من التقنيات تقليدية وحديثة. التقنيات التقليدية هي عبارة عن الطرق المختلفة التي تستعمل في تربية النبات والتي تطورت عبر السنين، وهي عادة تبدأ بتقييم العشائر النباتية للمحاصيل المختلفة اعتماداً على التباين الوراثي بين أفرادها ومن ثم إجراء انتخاب للأفراد الذين تتوفر فيهم الصفات المرغوبة حتى يكونوا أباء للأجيال القادمة. وإذا انعدم التباين الوراثي يمكن زيادته عبر إجراء التهجينات أو عن طريق استحداث الطفرات بواسطة استعمال مواد كيماوية أو الأشعة. معظم أصناف المحاصيل الموجودة قد تم تطويرها وتحسينها اعتماداً على هذه التقنيات التقليدية.

أما التقنيات الحديثة فقد بدأت في العقود الأخيرة من القرن الماضي، حيث ظهر في عام 1973 ما يعرف بالهندسة الوراثية وذلك بإجراء تطعيمات جينية بين أنواع مختلفة من البكتريا، وهذا الاكتشاف في مجال التقنية الحيوية فتح المجال واسعا لاستعمال هذه التقنيات الحديثة في تحسين وتحديد ونقل جينات لصفات كثيرة من كائنات إلى كائنات أخرى نباتات أو حيوانات بغرض تحسينها وتطويرها. بذلك أصبحت الهندسة الوراثية واقعاً يجب على الجميع القبول به وأيضاً تطبيقاً علمياً مفيداً في مجال الإنتاج الزراعي.

ولقد ظهرت أولى النباتات النجيلية المهندسة وراثياً في عام 1990، وأخذ عدد النباتات المهندسة وراثياً يتزايد في ذلك الحين ليصل إلى 60 نوعاً، كان من أهمها شلجم الزيت والذرة وبنجر السكر والبطاطس والطماطم وفول الصويا والقطن. في عام 1995 وافقت الوكالة الأمريكية لحماية البيئة لاول مرة على إجازة أول محصول تجاري مهندس وراثياً، بطاطس تقاوم خنفساء كلورادو. في عام 1997 تمت زراعة 1.76  مليون هكتار بالمحاصيل المهندسة وراثياً، لترتفع المساحة  إلى 11.42  مليون في عام 1998، ثم تصل إلى 28.87 مليون هكتار في عام 1999، ولقد بلغت نسبة القطن المهندس وراثياً في أمريكيا عام 1999  حوالي %65  مقابل %56  في عام 1998 من المساحة الكلية للقطن. أما فول الصويا المهندس وراثياً كان يشكل %57 من أجمالي المساحة المزروعة من هذا المحصول عام 1999. بينما كانت نسبته في 1998 هي %42. ويعتبر محصول فول الصويا من المحاصيل الغذائية الهامة، إذ يدخل في  %60 من الأغذية المصنعة.

لذلك يمكن للهندسة الوراثية أن تلعب دوراً مهماً في غذاء الإنسان، لأن البشر يعتمدون على عدد محدود من المحاصيل الحقلية لا تزيد عن أربعة عشرة محصولاً، توفر له وحدها نحو %90  من الطاقة. منها خمس محاصيل من الحبوب توفر وحدها %70  من الغذاء (هي القمح، الذرة، الأرز، الشعير والشوفان)، وثلاثة من المحاصيل الدرنية (البطاطس، البطاطا والكسافا). واثنان من المحاصيل السكرية (قصب السكر، بنجر السكر)، وأربعة من المحاصيل البقولية (فول الصويا – الفول السوداني – الفول المصري- البازلاء). ان مسألة إثراء المادة الوراثية لهذه المحاصيل المعدودة بما يتوفر من جينات مرغوبة بالمستودع الجيني الهائل بمئات الآلاف من أنواع الكائنات سوف يصبح أمراً ذا أهمية قصوى في المستقبل القريب.

ما هي منتجات النباتات المحورة وراثياً

هي عبارة عن المنتجات لنباتات المحاصيل التي تمت هندستها وراثياً وذلك بإدخال جينات غريبة على مادتها الوراثية. والجين الغريب الذي يمكن أن يأتي من مصادر مختلفة تم إدخاله لزيادة القيمة وتحسين الصفات الوراثية للنبات المهندس وراثياً. وعادة يتم تحوير أو تعديل هذه النباتات وراثياً لغرضين أساسيين هما:

1-  تقليل تكاليف إنتاج هذه النباتات وذلك بجعلها مقاومة للأمراض والآفات.

2-  تحسين الجودة للمنتج منها وذلك بتحسين المظهر – المكون الغذائي – الصفات المتعلقة بالتصنيع والتخزين.

يتم إنتاج هذه المنتجات المعدلة وراثياً باستعمال تقنيات الهندسة الوراثية ، حيث يتم أولاً تحديد الجين المسئول عن الصفة المرغوبة ثم يتم عزله ومن ثم إدخاله إلى الكائن الحي (المستقبل) وبعد أن يندمج الجين الجديد في المادة الوراثية للنباتات المهندسة وراثيا يمكن إكثار الخلايا التي نجح فيها اندماج الجين الجديد، ومن ثم عبر طرق زراعة الأنسجة – يمكن إنتاج نباتات كاملة من تلك الخلايا وتصبح هذه النباتات معدلة أو مهندسة وراثياً أو تسمي نباتات محاصيل عبر جينية (transgenic plants). وبمجرد تثبيت هذا الجين في النبات المهندس وراثياً يمكن نقله إلى أصناف أخرى من نفس المحصول وذلك باستعمال الطرق التقليدية لتربية النبات وذك عن طريق التهجين والتهجين الرجعي.

من أمثلة الجينات التي تم نقلها هي جينات بي تي (Bt) المقاومة للحشرات والتي تم نقلها من بكتريا تعيش في التربة تسمي (Bacillus thuringiensis) وهذا النوع من البكتريا يقوم بصنع مواد سامة ضد يرقات الفراشات التي تصيب الذرة الشامي، وبعض منها له اضرار مميته على أنواع أخرى من الحشرات. وبعد أن تم نقل هذه الجينات الى المادة الوراثية لمحصول الذرة. أصبحت هنالك المقدرة لنباتات هذا المحصول المهندس وراثياً لمقاومة الحشرات التي تصيبه . من فوائد تقنيات نقل الجين عبر طرق الهندسة الوراثية هي سرعة نقل الجين دون اللجوء إلى استعمال تهجينات رجعية عديدة والتي تستهلك كثيراً من الوقت. وكذلك أن هذه التقنيات الحديثة لا تعتمد على كيفية التكاثر للمحصول أي بمعني إن  كان تكاثراً جنسياً أو خضرياً.

الانتشار التجاري لمنتجات النباتات المعدلة وراثياً

على الرغم من أن زيادة الإنتاج وتحسين القيمة الغذائية من أهم النتائج التي شجعت على الاستمرار في زراعة المحاصيل عبر الجينية فقد كانت صفات مقاومة مبيدات الحشائش والآفات والأمراض من أهم الدوافع لانتشار وزراعة المحاصيل المعدلة وراثياً في مناطق عديدة من العالم. حيث احتلت المحاصيل المعدلة وراثياً لمقاومة مبيدات الحشائش حوالي %71  من المساحة المزروعة في العالم في عام 1999. والباقي كان من نصيب المحاصيل المعدلة وراثياً لمقاومة الحشرات من مجموع المساحة المخصصة للمحاصيل المعدلة وراثياً.

اكثر من 100 مليون أكر من المساحة المزروعة في العالم كانت مخصصة لزراعة المحاصيل المهندسة وراثياً. تمثل الدول مثل الولايات المتحدة والأرجنتين وكندا المرتبة الأولي في المنتجات المعدلة وراثياً ، حيث تمثل الولايات المتحدة %71  من مساحة العالم. في عام 2001 اكثر من %60  من فول الصويا المزروع في الولايات المتحدة هو عبارة عن فول صويا مهندس وراثيا. الذرة الشامي المزروع في الولايات المتحدة مهندس وراثياً لمقاومة الحشرات ومبيدات الحشائش.

من المحاصيل الكبرى المهندسة وراثياً أيضاً القطن وأغلبه مقاوم لمبيد الحشائش وهنالك أصناف تحتوي على جينات بي تي (Bt). وأول قمح مهندس وراثياً سوف تتم أجازته تجاريا في عام 2003، في الولايات المتحدة وهو مقاوم لمبيد الحشائش. من المحاصيل الأخرى المجازة تجارياً ومهندسة وراثياً في الولايات المتحدة الطماطم والبطاطس وزهرة الشمس والفول السوداني . أما المحاصيل الأخرى والتي تشمل الأرز فهي تحت التجارب لهندستها وراثياً وأجازتها تجارياً في العشر سنوات القادمة.

لقد زادت المساحة المزروعة بالمحاصيل المهندسة وراثياً أكثر من ثلاثين ضعفا خلال خمس أعوام حتى عام 2001، حيث غطت مساحة اكثر من 52 مليون هكتار. وما زالت الأبحاث في بدايتها في الدول النامية لهندسة المحاصيل وراثياً ، إلا أن الصين أصبحت تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث الطاقة البحثية في مجال التقنية البيولوجية. أما الانتشار في دول أخرى جغرافياً فهو محدود جداً ، حيث أن هنالك فقط أربع دول تمثل %99 من المساحة الكلية المزروعة بمحاصيل مهندسة وراثيا ً، حيث تغطي الولايات المتحدة 35.7 مليون هكتار، الأرجنتين 11.8  مليون هكتار، وكندا 3.2 مليون هكتار والصين 1.5 مليون هكتار .

أهم منجزات الهندسة الوراثية

يمكن تلخيص هذه المنجزات في نقل عدد من الجينات إلى نباتات محاصيل بغرض جعلها مقاومة للآفات والأمراض والظروف البيئية القاسية وتحسين جودة المنتجات من الناحية الغذائية وهنالك عدة أمثلة منها :

1- نباتات مقاومة للحشرات :

عادة تقوم النباتات بالدفاع عن نفسها ضد الحشرات بفرز مواد كيماوية سامة أو إنتاج مواد منفرة لا تحبها الحشرات. ولقد أصبح من الممكن عن طريق الهندسة الوراثية أن تزود النباتات المراد حمايتها من الحشرات بالجينات الخاصة بإنتاج هذه المواد الكيماوية السامة. ولقد تم بالفعل نقل جين من إحدى بكتريا التربة لينتج بروتينياً ساما للحشرات إلى نبات الطباق، فأصبح هذا النبات مقاوماً للحشرات.

2-  نباتات مقاومة لمبيدات الحشائش:

يضر الكثير من مبيدات الحشائش بالمحصول نفسه فيقتل الحشائش ويؤثر سلبياً على المحصول الرئيسي. ولذلك يلزم في هذه الحالة البحث عن جين يمكنه أن يقاوم أثر المبيدات ليطعم في المادة الوراثية للمحصول. ولقد عثر بالفعل على مثل هذا الجين في بكتريا من بكتريا التربة.

3-  رفع القيمة الغذائية لمنتجات النباتات:

من المعروف أن نسبة حمض اللايسين الأميني منخفضة في بروتين الذرة – الأمر الذي يجعل دقيق الذرة مصدراً غير كامل للبروتين في غذاء الانسان. ومن الممكن هندسة نباتات الذرة وراثياً لتنتج صنفا به نسبة عالية من هذا الحمض بشرط أن يتركز الحمض في الحبوب لا الأوراق. ولقد نجح بالفعل نقل جين خاص ببروتين رئيسي في نبات الطباق. وبذلك يمكن رفع القيمة الغذائية لمنتجات بعض المحاصيل الحقلية وذلك بإضافة جينات ملائمة مأخوذة من نباتات أخرى.

-4  نباتات مقاومة للملوحة والجفاف:

هنالك ثمة أمل كبير في إمكانية إنتاج نباتات محاصيل حقلية تتحمل الملوحة والجفاف بالتطعيم الجيني. ولقد اتضح أن مقاومة الملوحة والجفاف من الصفات التي تتحكم فيها عدد كبير من الجنيات، لا يقل عن عشرة. ثمة محاولة جادة تجري في الولايات المتحدة لنقل المعقد الجيني من حشيشة تسمى حشيشة الملح إلى نبات الشعير. ولقد تم بالفعل نقل بعض جينات مقاومة الملوحة من حشائش المستنقعات إلى البرسيم.

5-  إنتاج الأرز الذهبي:

تمكن العلماء مؤخرا من نقل ثلاثة جينات من النرجس البري واحدى البكتريات إلى سلالة أرز لتنتج أرزا أصفر اللون غنياً بالبيتاكاروتين الذي يحوله جسم الإنسان إلى فيتامين (أ) – والمعروف أن النقص في هذا الفيتامين عند الأطفال يؤدي إلى ضعف النظر والعمي – ولقد قررت الشركات المنتجة لهذا الارز مؤخرا تقديم هذه التقنية لمن يرغب من العالم الثالث في إثراء أرزه بهذا الفيتامين (أ).

6-  التسميد الأزوتي:

من المعروف أن النباتات البقولية لا تحتاج عادة إلى تسميد أزوتي – والسبب هو أن هذه النباتات تفرز بروتينيات خاصة تجذب إليها أنواعاً معينة من البكتريا التي تقوم بتثبيت الأزوت. ومن الممكن نقل هذه الجينات المسئولة عن فرز هذه البروتينيات إلى محاصيل القمح أو الذرة أو الشعير لتوفير أموالاً كثيرة تدفع في تكاليف التسميد الأزوتي، ولا سيما أنه قد عثر على بعض النباتات البرية من العائلة النجيلية والتي تضم القمح  – الشعير والذرة – وبجذورها نوع من البكتريا العقدية.

7-  تحسين صفات أخرى لبعض المحاصيل:

بواسطة الهندسة الوراثية تم إنتاج طماطم تسمي فليفر سيفر (Flavr Savr) من قبل شركات أمريكية، هذه الطماطم المهندسة وراثياً لا تختلف عن الطماطم المألوفة في القيمة الغذائية ولكنها يمكن أن تبقي معروضة على الرف بضعة أسابيع دون أن تفسد. وتبذل الآن الجهود الواسعة لنقل الجين المسئول عن هذه الصفة إلى الكثير من الفواكه الخضراوات لمنع فسادها السريع.

كذلك أمكن عن طريق الهندسة الوراثية تغيير التركيب الكيميائي لدرنات البطاطس بجين منقول من بكتريا كولاي (E. coli) ليرفع كمية النشا بنسبة %20. ويجري العمل على إضافة حمضي اللايسين والتربتوفين الأمينيين إلى حبوب الذرة. وحمض السيستين والمثيونين في بعض البقوليات. ولقد تمكنت شركة مونسانتو (Monsanto)   من نقل الجين الأزرق (Blue gene)  إلى نبات القطن من أجل أسواق بلوجينز بحيث أمكن تصنيع قماش أزرق من هذا القطن دون أن يحتاج إلى صبغة ولونه ثابت.

هنالك أيضا أبحاث لهندسة النباتات وراثياً لاستخدامها في الخدمات الدوائية. أمثلة لتلك المحاصيل الذرة الشامي، التبغ والطماطم وذلك في علاج الالتهاب الكبدي المعدي، الكوليرا، مرض السكري، الاسهالات ومرض الشيخوخة والسرطان.

تجارب بعض الدول النامية مع المحاصيل المعدلة وراثياً

من أهم التجارب الناجحة لتطبيقات التقنية البيولوجية في الدول النامية يمكن ذكر التجربة الصينية والتي كانت في محصول القطن المعدل وراثياً بإدخال جينات بي تي (Bt) . وقد تم تقييم هذه التجربة بعد أن أجريت أبحاث من الحكومة وبعض الشركات، ومن ثم تم توزيع القطن (Bt)  إلى المزارعين في عام 1997 لزراعته، حيث أصبح المحصول معروف وزادت مساحته من 2000 هكتار في السنة الأولى إلى  7000  هكتار في عام 2000.

وكانت نتائج البحوث التي صممت لتقييم التجربة مشجعة للاستمرار في زراعته. لقد وجد أن المزارعين الذين يزرعون القطن المهندس وراثياً (Bt)  قد قللوا بحوالي %80  من استعمال المبيدات مقارنة مع أولئك الذين لا يزرعون القطن المهندس وراثياً (Bt). بالإضافة إلى أن إنتاجية الطن عندهم كانت 3.37  طن للهكتار مقارنة مع 3.18  طن للهكتار. وكانت تكلفة كيلوجرام واحد من القطن عندهم 28% أقل . كانت هنالك أثاراً إيجابية على التنوع البيولوجي. حيث تم تسجيل وجود تنوع في الحشرات النافعة وأنواع مفيدة في الحقول المزروعة لقطن مهندس وراثياً (Bt) . وكانت هنالك أثاراً صحية إيجابية للمزارعين الذين يزرعون القطن المهندس وراثياً (Bt)  حيث وجد فقط %5  منهم قد أصابتهم سموم مبيدات مقارنة مع نسبة %22  من المزارعين الذين لم يزرعوا القطن المهندس وراثياً. ولقد كانت العائدات المالية من القطن المهندس وراثياً لعام 1999  حوالي 334  مليون دولاراً أمريكياً .

الآثار الناجمة عن المنتجات للنباتات المحورة وراثياً

للتحدث عن الآثار المترتبة على الانتشار الواسع لمنتجات النباتات المعدلة وراثياً لا بد من ذكر الآثار الإيجابية والآثار السلبية. والحقيقة التي يجب أن لا تغفل أن تقنيات تعديل النباتات وراثياً تعتمد في الأساس على نوع الصفات والمهارات التي استخدمت في هذه التقنيات وكذلك مكان تسويق تلك المنتجات، وهي بذلك تختلف من نبات إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى .

رغم أن العديد من هذه المنتجات المعدلة وراثياً تم تسويقها في مناطق عديدة من العالم إلا أن هنالك أسئلة كثيرة ما تزال معلقة. وتدور هذه الأسئلة حول آثار هذه المواد على النشاط الزراعي، وصحة الإنسان والحيوان والبيئة والتنوع الإحيائي والاقتصاد الدولي بشكل عام.

الآثار الإيجابية للمحاصيل المعدلة وراثياً

وهذه يمكن تلخيصها في الآتي :

1-  زيادة الإنتاجية :

معظم نباتات المحاصيل المعدلة وراثياً كان الهدف منها زيادة الإنتاج وذلك بإحدى طريقتين ، أما تقليل تكاليف مدخلات الإنتاج أو زيادة إنتاج المحصول. ومن أهم الأمثلة لتقليل تكاليف الإنتاج هو نقل جينات بي تي (Bt)  المأخوذة من البكتريا التي تعيش في التربة. وهذه الجينات تعطي المقاومة لكثير من الحشرات. والمحصولات عبر الجينية التي تحمل (Bt) قد زرعت في مساحات واسعة جداً حيث بلغت المساحة حوالي 7 مليون هكتار من الذرة الشامي المهندس وراثياً، ومليون هكتار من القطن الذي يحمل أيضاً جينات بي تي (Bt). حيث وجد أن تكاليف استعمال المبيدات الحشرية في البطاطس المهندس وراثياً قد تناقصت إلى %40 .

المثال الثاني لتقليل تكاليف المدخلات هو استخدام وزراعة أصناف مقاومة لمبيد الحشائش (Glyphosate)   من محاصيل القطن، فول الصويا والذرة الشامي الذي تنتجه شركة مونسانتو (Monsanto).

2-  تحسين الجودة :

لقد تركزت أبحاث الهندسة الوراثية في الجيل الثاني للنباتات المعدلة وراثياً لتحسين الصفات الغذائية والجودة والملاءمة لعمليات التصنيع المختلفة. لقد تمكن العلماء والباحثون من انتاج محاصيل معدلة وراثياً بها كميات إضافية من الفيتامينات والمعادن – وهذا النوع من العناصر الغذائية يحتاجها الإنسان الذي يعيش في الدول النامية، حيث يعاني من فقر الغذاء الذي يتناوله. ولكن نجاح هذه التقنيات وفائدتها ليس فقط لإنسان الدول النامية بل أيضاً سوف يستفيد إنسان الدول الغنية وذلك بحصوله على منتجات محاصيل مهندسة وراثياً خالية من الآثار الضارة بالصحة نتيجة لوجود بعض الدهون والبروتينيات بها. مثال لذلك إنتاج أصناف من فول الصويا تحتوي على دهون صحية منقوصة فيها نسبة الأحماض الدهنية.

وبالطبع تحسين الجودة والقيمة الغذائية ليس لفائدة الإنسان فقط بل يمكن أيضاً تطبيقه على تحسين الصحة والتغذية وتقليل المخاطر على صحة الحيوان.

3-  زراعة أصناف نباتات في المناطق الهامشية :

عن طريق تقنيات الهندسة الوراثية يمكن إنتاج أصناف محاصيل عبر جينية تكون ملائمة لمناطق زراعة هامشية تقل فيها الوسائل الحديثة لزيادة الإنتاج. مثال لذلك إنتاج أصناف مقاومة لظروف الجفاف – ظروف غمر المياه – الملوحة والحمضية في التربة – درجات الحرارة المنخفضة والمرتفعة.

الآثار السلبية المرتبطة بمنتجات النباتات المعدلة وراثياً

هذه المخاطر عديدة وذات أوجه مختلفة وتشتمل على آثار ضارة بصحة الإنسان والحيوان وأخرى متعلقة بالبيئة والتنوع الإحيائي. ويتأثر كل من المزارع والمستهلك وأصحاب المزارع الأخرى وكذلك الشركات المنتجة لهذه التقنيات. ويمكن تلخيص هذه الآثار السلبية في ما يأتي :

1-  مخاطر غير مقصودة :

هذه هي عبارة عن الآثار الجانبية التي تكون غير مقصودة ومتوقعة، والتي يمكن حدوثها بنقل الجينات من كائن الي آخر حيث أن هذه الطرق المستعملة حالياً غير دقيقة على الرغم من أن الباحثين قد تمكنوا من تحديد الجينات المنقولة ومرغوبة، ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد مواقعها في الكائنات المنقولة إليها، ولا عدد النسخ المنتجة من هذه الجينات بعد نقلها. من المعروف أن موقع الجين مهم جداً ذلك لأنه يتحكم في إظهار الصفات البيولوجية.وكذلك لا يستطيعون تثبيت الصفات المنقولة في الأجيال القادمة وهذا يقود بالطبع إلى آثار غير متوقعة مثل عقم النباتات  – إفراز السموم وعدم الملائمة للظروف الطبيعية.

ومثال آخر هو ظهور الأثر المتعدد للجينات (Pleiotropy) وذلك لأن الباحثين في الهندسة الوراثية يعتمدون على افتراض أن كل جين منقول مسؤول عن إظهار صفة واحدة فقط وهي الصفة المرغوبة. ولكن ظاهرة الأثر المتعدد للجين هي ظاهرة عامة ومؤكدة في قوانين علم الوراثة. ولقد وجد أيضاً أن أي قطعة مـن الجين لها القابلية لتحطيم المنظومـة الوراثية للنبات المنقولة إليه مما يؤدي إلى عدم ثباتية المادة الوراثية في الأجيال القادمـة وربما تؤدي إلى ظهور كائنات حية جديدة فيروسات أو بكتريا.

2-  الآثار على صحة الإنسان :

ركز المعارضون لانتشار منتجات النباتات المعدلة وراثياً على الخطر الداهم الذي يمكن ان تسببه هذه المنتجات على صحة الإنسان على الرغم من عدم ثبوت بالدليل القاطع على وجود ضرر مباشر من استعمال هذه المنتجات على الإنسان. المبرر الأول الذي يقال من قبل هؤلاء المعارضين هو أن الاستعمال الكثير لهذه المنتجات ربما يقود إلى زيادة الأمراض التي تكون مقاومة لأنواع كثيرة من المضادات الحيوية. ولكن في الفترة الأخيرة تم التغلب على هذه المشكلة باستحداث تقنيات جديدة لنقل الجينات لا تستعمل البلاستيدات الناقلة التي تحتوي على الجينات المقاومة للمضادات الحيوية.

المبرر الثاني هو أن هنالك بعض الناس تكون له حساسية معينة لبعض المأكولات وذلك لاحتوائها على مواد مسببة للحساسية، يمكن أن تنقل هذه الجينات المسؤولة عن الحساسية إلى محاصيل أخرى عبر الهندسة الوراثية. وعندما يتناول الإنسان منتجات المحاصيل المهندسة وراثياً تحدث له هذه الحساسية.

3-  المخاطر على صحة الحيوان :

يمكن ذكر المبررات التي ذكرت في المضار الصحية على الإنسان لتناوله منتجات نباتات معدلة وراثياً بتحديد نوعية المخاطر على صحة الحيوان نتيجة لتناوله أعلاف نباتات معدلة وراثياً. وذلك مثل محصول الذرة الشامي وفول الصويا .

وتتلخص سلامة الأطعمة المنتجة من نباتات محاصيل معدلة وراثياً بذكر التساؤلات الآتية ومحاولة الإجابة عليها وهي :

(i       إمكانية وجود مادة سامة في الطعام .

(ii      إمكانية ظهور طفيليات جديدة .

(iii     تقليل القيمة الغذائية للطعام .

(iv     ظهور حساسية للإنسان نتيجة تناوله تلك الأطعمة .

(v      نقل المقاومة للمضادات الحيوية للإنسان .

(vi     تغيرات غير متوقعة في جهاز المناعة والتأثيرات الوراثية نتيجة لإدخال جينات جديدة وغريبة.

ونتيجة لهذه المخاطر المذكورة أعلاه ازداد الطلب على المنتجات من المحاصيل غير المعدلة وراثياً أو المنتجة عضويا (Organically grown)  من قبل المستهلكين .

-4   الآثار المتعلقة بالبيئة  :

من أهم القضايا المثارة حول المنتجات لنباتات محورة وراثياً هو أثرها البيئي طويل الأمد وهذا الأثر يمكن أن يظهر في أشكال مختلفة ويسبب مضاراً عديدة ومدمرة للتوازن والتنوع الإحيائي ويمكن تلخيص تلك الآثار في الآتي :

أ-  هجرة الجينات إلى المحاصيل الأخرى :

هذه الجينات التي تهاجر من النباتات المهندسة وراثياً إلى الأنواع البرية سوف تعطيها القابلية أن تتمتع بالصفات التي تزيد من قدرتها على الملاءمة، محولة إياها إلى حشائش خارقة (Super weeds)  لا يمكن مكافحتها بالمبيدات الحشائشية. وتختلف القابلية لانتقال وقفز بعض الجينات من النباتات المعدلة وراثياً إلى أقاربها البرية. مثلاً في آسيا وأفريقيا سوف تكون هنالك احتمالات قليلة لانتقال جين المقاومة لمبيد الحشائش من الذرة الشامي إلى الأقارب البرية, وذلك لان الذرة الشامي ليس من المحاصيل التي نشأت في تلك المناطق، حيث ينعدم وجود أقارب له. أما في منطقة المكسيك أو أمريكا الوسطي فأن الاحتمال سيكون كبيراً لهجرة الجينات, وذلك لأن الأصناف البرية من الذرة الشامي لا زالت تنمو في تلك المناطق.

ونسبة لأن هجرة الجينات (Gene flow)  سوف تؤثر على المزارعين، ومكافحة الآفات وتسويق المحصول ومصداقية التقنية، يتحتم إجراء أبحاث كثيرة لمعرفة واختبار الظروف التي يكون أثر انتقال الجينات من النباتات المهندسة وراثياً إلى المحاصيل الأخرى أثراً معنوياً.

ب-  تشجيع المقاومة للمبيدات والآفات:

إدخال جينات بي تي (Bt)  في النباتات المعدلة وراثياً يؤدي الي تشجيع وتنمية الصفات المقاومة لمبيدات (Bt)   الآفات الضارة. حيث يصبح ظهور آفات مقاومة لأثر جينات بي تي (Bt)  سبباً في التقليل من الفوائد المادية الكبيرة من وجود النباتات المهندسة وراثياً بإدخال جينات بي تي.

ج- الأثر الضار على كائنات مفيدة:

لقد وجد أن النباتات المعدلة وراثياً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لها آثار ضارة بالكائنات الأخرى. حيث وجد أن المحاصيل المعدلة وراثياً بإدخال جينات بي تي (Bt)  تفرز سموما بكميات كافية جداً لقتل كائنات دقيقة داخل التربة. لقد وجد أيضا أن بعض الحشرات التي أطعمت حشرات من متغذية على بطاطس مهندسة وراثياً قد وضعت بيضاً أقل من تلك التي تغذت على حشرات من تغذت على بطاطس غير معدلة وراثيا.

كذلك اكتشف الباحثون في جامعة أركنساس في الولايات المتحدة أن هنالك إعاقة لنمو الجذور وتكوين العقد البكترية والقـدرة على تثبيت الأزوت في بعض الأصناف المعدلة وراثياً لمقاومة المبيدات الحشائشية، وذلك لأن البكتريا المسؤولة عن تثبيت الأزوت لها حساسية بالنسبة لمبيد الحشائش.

د-  التقليل من التنوع الوراثي:

نسبة لأن العدد القليل من الشركات الكبرى سوف تحتكر سوق التقنية الحيوية، وسوف تتجه إلى تبسيط وتسهيل الأنظمة الزراعية التي تكون بالتالي ملائمة للمحاصيل المعدلة وراثياً بحيث يقل عدد المحاصيل المزروعـة وكذلك يقل التباين الوراثي بينها. بالإضافة إلى ذلك فان حفظ البذور الذي يساعد في حفظ التنوع الوراثي سوف يكـون محصوراً ومقصوراً على المحاصيل المعدلـة وراثياً فقط.

بالإضافة إلى العوامل الأخرى المؤدية للتآكل الوراثي للنباتات (استبدال الأصناف المحلية ذات التنوع الوراثي الوفير بأصناف أخرى محسنة قليلة العدد)، فأن الأصناف المعدلة وراثياً تمثل تهديداً حقيقياً للنباتات البرية خصوصا داخل مراكز التنوع حيث يمكنها منافسة الأنواع البرية أو تنقل إليها المورثات.

هـ-  تشجيع المقاومة لمبيدات الحشائش :

من أهم الصفات التي تم نقلها عن طريق الهندسة الوراثية هي صفة مقاومة مبيدات الحشائش. بحيث يتمكن المزارع مـن رش حقوله بالمبيد فتموت الحشائش دون أن يتأثر المحصول المعدل وراثياً.

هنالك تخوف أن تتهاجن النباتات المحورة وراثياً مع أقاربها من الحشائش البرية فتنقل إليها صفة مقاومة المبيد. مثلا الدخن والشوفان يتهاجنان مع الشوفان البري. وقد تبقي بالحقل بعد الحصاد بقايا من المبيد تؤثر فيما يزرع بعده من محاصيل. وقد تبقي أيضا بعد الحصاد نباتات معدلة وراثياً لتظهر كحشائش مقاومة فيما يعقبها من محاصيل كما يحدث مع الشلجم المهندس وراثياً إذا تبقي في حقول القمح بعده، ليقاوم كل المبيدات الحشائشية التي تستخدم على القمح. والأرجح أن يتسبب إنتاج المحاصيل المحورة وراثياً لمقاومة مبيدات الحشائش في زيادة قدرة ما سينثر من هذه المبيدات في البيئة ، الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تطور الحشائش مقاومة ضدها أو إلى انقراض بعض الأنواع النباتية البرية ، إضافة لزيادة أعداد من يتسممون بالمبيدات في الريف.

5-  تحكم الشركات الكبرى في التقنيات:

من التقانات التي يستحق أن يوجه إليها الأنظار تقانة تبدو مفيدة ولكنها يمكن أن تدمر الزراعة والمزارعين في بلاد العالم الثالث لمصلحة الشركات التي تعمل في انتاج البذور المهندسة وراثياً. هذه التقانة تسمى جيرت ، (Genetic Use Restriction Technology) GURT وهي موجهه نحو التأثير في تنويعة من الصفات الوراثية للنباتات بفتحها أو غلقها باستخدام مواد كيماوية خارجية منظمة تنتجها الشركة. تخلط مثلاً بمبيد حشائش البذور أو بسماد أو بمبيد آفة – صفات مثل الإنبات والتبرعم والأزهار وانتاج الثمار. مثال لذلك هي الطريقة التي تهندس بها النباتات وراثياً بجين لانتاج أنزيم يمنع تكوين حبوب اللقاح، ثم ترش النباتات المختارة لتكون ذكوراً في الوقت المناسب بمادة كيماوية تحت نشاط جين مطعوم أيضا في النبات لوقف نشاط هذا الأنزيم ويسمح لهذه النباتات المختارة كأباء وحدها بتكوين حبوب لقاح. والنباتات التي لا ترش لا تكون حبوب لقاح وتصبح كأمهات في برنامج الهجين – لانتاج الأصناف الهجين في محصول الذرة.

أيضا تمكنت هذه الشركات من فتح وإغلاق جين بي تي (Bt) ، وذلك باستخدام حاث كيماوي تمتلكه الشركة، وذلك للتغلب على المخاطر التي تنجم من الإنتاج المستمر للمادة السامة لجين بي تي (Bt) ، الذي يشجع الحشرات على تطوير المقاومة الجيدة. بل ان بعض الشركات تطمح إلى تطوير نباتات تتسبب أصابتها بالحشرات أو تعرضها للجفاف .

وإذا ما نجحت الشركات في هندسة بذورها بحيث لا تعبر النباتات إلا عن الصفات التي تسمح هي ببيع كيماويات تنشيطها فسيصبح المزارع أكثر اعتماداً على المدخلات الكيماوية التي تصنعها شركات البذور ويصبح رهينة لدى الشركات وسيقع الإنتاج الزراعي بكامله تحت رحمتها.

6- الآثار على كيفية إدارة المزرعة:

على الرغم من أن النباتات المهندسة وراثياً لها صفة تقليص استخدام مبيدات الآفات لكنها في الوقت نفسه، تأتي بأعباء إضافية جديدة في كيفية نظم إدارة المزرعة. مثلا المزارعون الذين يقومون بزراعة أصناف معدلة وراثياً مع أصناف أخرى غير معدلة وراثيا لمحصول واحد سيضطرون الى فصل تلك الأصناف أثناء عمليات الإنتاج والحصاد والنقل والتخزين.

لتقليل هجرة الجينات من المحاصيل المعدلة وراثيا إلى المحاصيل الأخرى غير المعدلة وراثياً يتطلب الأمر زراعة أصناف عازلة (Buffer)  حول أصناف المحاصيل المحورة وراثياً. تحتاج المحاصيل المعدلة وراثياً تبعاً لاختلافها لأصناف عازلة مختلفة أيضا. وهذا بالطبع يحتم على المزارعين أن تكون لهم القدرة والقابلية لتنفيذ أنظمة إدارية مختلفة داخل مزارعهم.

7- عمليات التسويق والتجارة العالمية:

أصبح مدى قبول المستهلكين لمنتجات النباتات المهندسة وراثياً من أكبر الهواجس للمزارعين الذين ينتجون المحاصيل المعدلة وراثياً. لذلك يهدف هؤلاء المزارعون لمعرفة الأسواق التي سوف تستوعب تلك المنتجات أولا قبل أن يبدأوا زراعة تلك المحاصيل المهندسة وراثياً.

أغلب الأسواق الأجنبية أصبحت أكثر شكوكا من الأسواق المحلية حول المنتجات المعدلة وراثيا. حيث أن التجارة في منتجات الأعلاف المعدلة وراثياً أكثر حرية من تلك للأطعمة التي يتناولها الإنسان. وأصبحت هنالك قوانين تصدر بحظر وعدم إجازة منتجات وأصناف لنباتات معدلة وراثيا. فمثلا قد أصدر الاتحاد الأوربي أمراً بأن كل المنتجات المعدلة وراثياً يجب أن تكون عليها ملصقات توضح أنها منتجات مهندسة وراثياً وأيضا معلومات توضح تاريخ ومراحل إنتاجها المختلفة.

اختلاف الرؤى حول المنتجات المعدلة وراثياً :

هنالك اختلاف كبير في الرؤى حول انتشار وتناول منتجات النباتات المعدلة وراثياً من بلد إلى آخر في العالم. ولهذا الاختلاف جذوره العلمية والدينية والأخلاقية ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف في الرؤى بين المجتمعين الأوربي والأمريكي.

فنجد أن هذه المنتجات المهندسة وراثياً قد وجدت رواجاً وقبولاً عند الامريكان، بينما هنالك معارضة شديدة وقوية لهذه المنتجات في الدول الأوربية. ويرجع هذا الاختلاف إلى سببين رئيسيين  :

أولا :  يختلف المستهلكون في كل مجتمع في مدى ثقتهم في قوانين الحماية الصحية – حيث نجد أن للأمريكيين ثقة كبيرة في مقدرة منظماتهم الحكومية لحمايتهم من الأطعمة الضارة بالصحة، وبالعكس في أوربا حيث ينظر للمنظمات بشكوك كبيرة وعدم ثقة حيث أن حوالي %4  فقط من المجتمع الأوربي يستطيعون أن يقولوا أن المنظمات الحكومية يمكنها إبراز الحقيقة عن هذه المنتجات المعدلة وراثياً. وخير مثال ما حدث بخصوص مرض جنون البقر في بريطانيا والفضيحة في بلجيكا عن الدواجن.

ثانيا : الاختلاف في مدى توفر المعلومات عن هذه الأطعمة بوضع الديباجات والملصقات المعلوماتية عليها . نجد أن المستهلك الأوربي يعطي أولوية كبرى للأطعمة التي يتناولها وله شغف كبير لمعرفة محتوياتها. ولذلك لزم على التجار وصغار الموزعين وضع ملصقات تحوي معلومات عن هذه المنتجات وهل معدلة وراثياً أم لا. وفي المقابل نجد أن ليس هنالك طلب أو قوانين ملزمة على التجار الأمريكيين والمصنعين بوضع ديباجات وملصقات على منتجاتهم المعدلة وراثياً. حيث يصبح كثير من الأمريكيين بدون خلفية عن الأطعمة التي يتناولونها.

ملاءمة المنتجات المهندسة وراثياً للدول النامية :

على الرغم من أن النقاش والجدل حول المنتجات المعدلة وراثيا يدور أغلبه في الدول الغنية فأن الدول النامية ربما يكون لها شأن أيضا مع هذه المنتجات. كثير من الدول النامية تعتمد في اقتصادها ودخلها القومي على القطاع الزراعي ولذلك يتطلب الأمر أن تستفيد هذه الدول من أي تقنية جديدة تقود إلى زيادة الإنتاج وتقليل التكاليف وتحسين القيمة الغذائية للأطعمة. وهذا ينسجم مع قول الأمير شارلس، ولي عهد بريطانيا . حينما قال أن المنتجات المعدلة وراثياً ليست ضرورية في بريطانيا – حيث تمثل تكاليف المواد الخام الغذائية جزءاً يسيراً من السعر النهائي للمستهلك الذي يشتري المنتج بعد أن يمر بعمليات طويلة من التصنيع – التغليف ثم الدعاية وهذه تمثل الجزء الأكبر من تكلفة الإنتاج. ولكن يصعب أن ينطبق هذا القول على الدول النامية، حيث هنالك الملايين من البشر يذهبون إلى النوم وهم يعانون جوعاً لعدم وجود الطعام أو عدم القدرة على شرائه. لهذا لا يمكن إغفال الفوائد من المنتجات المهندسة وراثياً في زيادة الإنتاج في مناطق من العالم يقل فيها الطعام وتكون أسعاره عالية بحيث تؤثر على دخل الكثيرين من البشر.

تحسين النوعية لبعض الأطعمة ربما لا يكون ضرورياً أيضا في الدول الغنية، التي يمكن لسكانها مقابلة احتياجاتهم من العناصر الغذائية يومياً، ولكنه ربما يلعب دوراً كبيراً في الدول النامية وذلك للتقليل من مشاكل سوء التغذية لعدم مقدرة السكان من توفير كل العناصر الغذائية المطلوبة في الوجبة المتكاملة يوميا.

كثير من المحاصيل المعدلة وراثياً لا تزرع بصورة مكثفة في الدول النامية ولذلك يصعب تحديد المكاسب الحقيقية. ولكن من الناحية الاقتصادية فأنها سوف تجلب مكاسب مادية للمزارعين والمستهلكين.

ما هي الرؤى المستقبلية للمنتجات المعدلة وراثياً ؟

هنالك جدل كبير واختلاف في وجهات النظر حول أهمية الآثار المترتبة على تناول المنتجات المعدلة وراثيا. وعلى الرغم من عدم وضوح الرؤية بعض الاحيان وذلك لغياب الأبحاث الحقيقية العلمية المتكاملة حول هذه المنتجات المعدلة وراثياً، هنالك بعض الحقائق التي يمكن ذكرها حول الرؤى المستقبلية الخاصة بالمنتجات المحورة وراثياً، هي :

أولا   :  لا يمكن إنكار دور الهندسة الوراثية في خلق أصناف جديدة ذات أهمية اقتصادية. وذلك بعد أن توصل العلماء عن طريق الهندسة الوراثية لتحديد العديد من الجينات المحسنة لكثير من صفات المحاصيل، إذاً من غير الحكمة اللجوء إلى الطرق التقليدية لتربية النبات والتي تحتاج وقتا طويلاً لتحسين تلك الصفات.

ثانياً  :  بعد إمكانية نقل الجينات عن طريق الهندسة الوراثية من نوع إلى آخر، فتح الطريق لخلق كائنات تختلف تماماً عن الكائنات الموجودة في الطبيعة. ولكن لصعوبة تحديد الصفات والآثار لهذا المنتج الجديد على الإنسان والحيوان والبيئة يجب تقييم المضار قبل إجازة المنتج الجديد. حيث يجب أن يتم الاختبار على مستوي الحقل والذي فقط يكون لفائدة المزارع.

ثالثا : يجب أن تناقش السياسات الخاصة بالمنتجات المعدلة وراثياً علنا وبنزاهة واضحة وشفافية. حيث أن أساليب الدعاية التي مارستها الشركات لتسويق منتجاتها من المحاصيل المعدلة وراثياً أدى إلى نتائج عكسية وذلك لزيادة الشكوك من قبل المستهلكين حول هذه المنتجات وما تحمله من أضرار خفية غير معلنة.

وأخيرا : القرار حول مستقبل هذه المنتجات المعدلة وراثياً يجب ان يعتمد على معلومات علمية قوية وليست نصف حقائق أو ادعاءات وعواطف جياشة. ومن أكبر المشاكل في هذا الجدل المحتدم هو أن المعارضين يستعملون في حملتهم معلومات منتقاة وفي غياب المعرفة الكاملة يحاولون دعم موقفهم بمعلومات غير حقيقية.

وفي المقابل لتحسين صورة هذه المنتجات المعدلة وراثياً لجأت شركات التقنيات البيولوجية لتضخيم الفوائد التي يمكن كسبها وفي الوقت ذاته قللت من الأضرار التي تترتب على استخدام تلك التقنيات البيولوجية. أما المعارضون فقد قاموا بإنكار الفوائد الممكنة وضخموا من الأضرار المترتبة على استعمال تلك المنتجات المهندسة وراثياً.

وللوصول إلى حل لهذا الجدل يجب أن يكون هنالك نقاش جدي وعلمي ومؤسسي يعتمد على معلومات وحقائق علمية بدلاً من الجدل العاطفي السياسي.

المراجع :

1-  Becker, H. 1993. Pflanzenzuechtung und Gentechnologie. In: H. Becker (Ed.), Pflanzenzuechtung, Ulmer-Stuttgart. Germany.

2- FAO. 2002. The role of Technology. In: World agriculture towards 2015/2030, Summary report, pp: 50-54.

3-  Margot, S. 2003. Cures on the cob. Time May 20.2003.

4- Mathew, F., M. Morris, D. Hoisington. 2000. Why so much controversy over genetically modified organisms? Answers to 10 frequently asked questions about GMOS. Center (CIMMYT, Feb. 2000.

5- Matheson, N. 2001. Genetic engineering of crop plants. ATTRA. Internet homepage: http://attra.ncat.org/attra-pub/geneticeng. html.

6- MOFGA. 2003. Genetic Engineering of plants – A review. Internet homepage: http://www.mofga.org/gereview. Html.

7-  المنظمة العربية للتنمية الزراعية ، 2000 ،  الآثار المترتبة عن استخدام المواد النباتية والحيوانية المعدلة وراثياً على الزراعة والصحة والبيئة .

———————————–

من أوراق حلقـة العمل حـول تقييم الآثار البيئيـة لإدخال الأنـواع النباتيـة والحيوانية المحـورة وراثياً فــي المنطقة العربية، والتي نظمتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية في عام 2003 في الخرطوم.

عن الكاتب

الأردن

كاتب متخصص في الشؤون العلمية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3491

تعليقات (4)

اكتب تعليق

© 2019 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى