انت هنا : الرئيسية » علوم و طبيعة » النبات والحيوان » تاريخ علم الحشرات في الحضارة العربية والإسلامية

تاريخ علم الحشرات في الحضارة العربية والإسلامية


أ.د. محمد حسن الحمود

قدم العلماء العرب والمسلمون المهتمون بالعلوم الطبيعية والتطبيقية واللغوية مساهمة فريدة في میدان علم الحشرات Entomology حيث كانت تلك المساهمات اللبنة الاساسية في هذا الحقل من المعرفة العلمية. وان الانجازات العربية المبتكرة في ميدان دراسة الحشرات وتوثيق المعلومات عن اشكالها وأنواعها وسلوكها ومكافحتها يمكن اعتبارها الخطوة الأولى التي لا زالت تمجدها وتوثقها الكتب والمخطوطات العربية الغزيرة في حين لا زالت المؤلفات العلمية العالمية تتجاهل ذلك وترد جذور العلوم الطبيعية إلى علماء الحضارة اليونانية اللامعة، وان قيامنا بتوثيق دور العلماء العرب في میدان علم الحشرات ما هو الا محاولة جريئة لإبراز تلك الانجازات الحقيقية في تاريخ العلوم التطبيقية.

ومن المؤلفات العربية المتخصصة في مجال الحشرات كتاب الحشرات لابي حاتم السجستاني وكتاب الحشرات ليوسف يعقوب بن السكيت، وكتاب الحشرات لنهشل بن زيد وكتاب الحشرات لهشام بن ابراهيم الكرنبائي ورسالة في الحشرات اليعقوب بن اسحق الكندي وهي تعود الى القرن الثالث الهجري.

وشملت المؤلفات العربية عن النحل والعسل ما يلي: كتاب النحلة تأليف الأصمعي وكتاب النحل والعسل لأبي حاتم السجستاني وكتاب النحل والعسل لأبي عمر الشيباني ورسالة في أنواع النحل وكرائمه للكندي وكتاب النحل واجناسه للاهوازی.

ومن المؤلفات العربية القديمة الاخرى التي تناولت حياة وأنواع الحشرات كتاب الجراد لاحمد بن حاتم وكتاب الذباب لابن الأعرابي «القرن الثالث الهجري» وكتاب المراعي والجراد للمدائني وكتاب صفة النمل والبعوض للريحاني.

الحشرات النافعة:

ورد ذكر الحشرات النافعة في عدد من كتب التراث العلمي واللغوي حيث ذكر داود الانطاكي دبور التين Blastophaga وتكلم المؤلفون الاسلاميون عن النحل Apis mellifera وأدركوا وجود قائد او امير يرأس الخلية وسموه اليعسوب حيث قال ابن سيده اليعاسيب ملوك النحل وقادتها وقد ذكر القزويني في كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات «القرن السابع الهجري» نص رائع عن حياتية النحل جاء فيه :

النحل.. حيوان ذو هيئة ظريفة وخلقة لطيفة وبنية نحيفة، وقد جعل في هذا النوع الملك المطاع يقال له اليعسوب، ومن العجب ان اليعسوب لا يخرج من الكور لانه إن خرج ، خرج معه جميع النحل فيقف العمل، فتعمل النحل في فصلين: في الربيع والخريف، فتأخذ بالأيدي والأرجل من ورق الأشجار وزهر الثمار والرطوبات الدهنية «يقصد الشمع» التي تبني بها بيوتها، وفي جوفها قوة طابخة تصير عسلا حلوا لذيذا غذاء لها ولاولادها.

وتبيض في بعض البيوت وتنام في أيام الصيف والشتاء ويوم المطر والريح والبرد، وتتقوت من ذلك العسل المخزون هی وأولادها يوما فيوما لا اسرافا ولا تقتيرا الى ان تنقضي ايام الشتاء. ثم تأتي ايام الربيع ويطيب الزمان ويخرج النور والزهر فترعى منه، وتفعل كما فعلت عامها الأول.

وتكلم الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى في القرن الثامن الهجري عن حشرة فرس النبي Blepharopsis mendica والدعسوقة ذات النقاط السبع Coccinella septum punctata وهي
حشرات نافعة لانها تفترس الحشرات الضارة.

وقد وصف القزويني ايضا النمل Formicidae وهي من الحشرات المنظفة للبيئة وقال:

النمل: حيوان حريص على جمع الغذاء، ومن عجائبه انه مع لطافة جسمه وخفة وزنه له شم لیس لشيء من الحيوان مثل ذلك فاذا وقع من يد الانسان شيء فلا يلبث أن يقبل النمل كالخيط الأسود الممدود الى ذلك الشيء، فاذا وجدت واحدة شيئا لا تقدر على حمله اخذت منه قدر ما تقدر عليه واخبرت الباقين . فتجتمع جماعة يجرونه بجهد وعناء.

الحشرات الاقتصادية:

وقد وردت ملاحظات علمية قيمة في كتب التراث العربي والاسلامي عن دودة القز Bombyx mori وحشرة القرمز Kermidae التي تستخلص منها صبغة القرمز الحمراء.

وكتب أبو حنيفة الدينوري «القرن الثالث الهجري» ملاحظات عن سلالات النحل وأنواعه وتكلم الجاحظ عن تقسيم العمل في خلايا النحل اضافة الى الاشارة الدقيقة الى مواصفات العسل كما جاء في ادبيات احمد بن الحجاج الاشبيلي «كتاب: المقنع في الفلاحة».

ويمكن القول بان هذه الملاحظات تدل على مقدار الابداع التقني في تربية نحل العسل عند العرب بالإضافة الى الابداع العلمي العربي الاسلامي في الانتاج الزراعي بفضل اعتماد العرب على المنهج العلمي والملاحظة الدقيقة والتجربة الرصينة.

الحشرات الطبية والبيطرية:

وردت اشارات عديدة حول الحشرات الطبية والبيطرية مثل البراغيث والبعوض والذباب ودودة نغف الانف Oestrus Ovis التي تصيب الماعز والأغنام والقمل.

مكافحة الحشرات:

ربما يظن القارئ الكريم بان مفهوم مكافحة الحشرات وتطبيقاته قد تطور خلال النصف الأول من القرن العشرين ولكن الحقيقة أن المؤلفات التراثية العلمية العربية والاسلامية قد تطرقت بشكل واضح الى موضوع مكافحة الحشرات باستعمال طرق المكافحة اليدوية وخاصة مكافحة الذباب والبعوض وقد اتخذ العرب الطواويس ونحوها التي من شأنها التقاط الحشرات، وهذا ما يصطلح علية في الوقت الراهن بالمكافحة الحيوية.

وقد ترك العلماء العرب والمسلمون تراثا عريقا عن طرق الاستفادة من النباتات والأعشاب الطبية في قتل الحشرات مما يوضح السبق التاريخي للمساهمات العربية والإسلامية في مجال مكافحة الحشرات الضارة.



وقد شاع استعمال دهن الغار وبخور الحناء والحرمل في مكافحة القمل في العصور القديمة. واستعمل دخان الآس ودخان ورق وجوز السرو في طرد البعوض. واستعمل مسحوق نبات الافسنتين في حفظ الثياب من عث الملابس، واعتبر حب الرشاد طاردا للخنافس والثوم طارد للدبابير.

ويمكن القول في ختام هذه المقالة بان التجربة العلمية العربية والاسلامية في مجال العلوم التطبيقية كانت تجربة رائدة لم تتولد من الفراغ وانما كانت نتيجة تراكم المعطيات المعلوماتية المتأتية من الملاحظة العلمية الدقيقة والتجربة المتميزة في مجال دراسة الحيوان الى جانب التطور العلمي في ميادين الحضارة الانسانية والذي تحقق بفضل التقدير والاجلال للعلماء في حقول اللغة والادب والعلم والطب خلال العصور الاسلامية المبكرة.

مصدر الصورة
pixabay.com

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 703

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى