انت هنا : الرئيسية » علوم و طبيعة » النبات والحيوان » حتى بعض الكائنات الحية تصوم

حتى بعض الكائنات الحية تصوم


عادل محمد الحجاج

يعتقد الإنسان أن الصوم له وحده، وضعه الله سبحانه من أجل التحمل والصبر والإيمان دينيا وصحيا، لكن العلم أماط اللثام منذ أمد طويل عن أن كثيرا من الحيوانات والطيور والأشجار تصوم أيضا لأسباب عديدة ولكن أهمها من اجل الاستمرار والبقاء في الحياة، ففي عالم الحشرات ومفصليات الأرجل نجد أنواعا من العناكب تصوم ستة أشهر في أعقاب تكونها، كما أن يرقات معظم الحشرات تدخل شرانقها وتصوم، لا تأكل ولا تتحرك حتى تتبدل من عذراوات إلى فراشات لتدخل مسيرة الحياة من جديد.

وأثناء فترة التكاثر عند طيور البطريق «البنجوين» وذكور الإوز تصوم هذه الطيور وتعتمد على الشحوم المكتنزة في أجسامها وهناك من الطيور كالسمان والبط البري يطلب الهجرة ويصوم أثناءها من اجل الوصول إلى أماكن أكثر غذاء.

وفي عالم الثدييات نجد ان الدببة وحيوانات المرموط «من فصيلة السنجاب» والقنافذ تدخل في جحود وكهوف ومخابئ خاصة بها فتلتف على نفسها وتنام نوما طويلا يمتد حتى نهاية الشتاء وعند قدوم الربيع تستيقظ وتخرج باحثة عن شيء ما تأكله بعد ذلك الصوم الطويل، وفي هذا الصوم الشتوي سر وآلية، فالسر يكمن في ان هذه الحيوانات التي تدخل في سبات، تكتنز في أجسامها نوعا من الشحوم الداكنة تسمى الدهن البني، وهو اغنى من نظيره الأبيض بمحتواه من الطاقة ومن ثم تستطيع الحيوانات أن تسحب منه، وتحرقه في داخلها لتتدفأ في سباتها الشتوي الطويل دون أن ينفذ سريعا ويخذلها، والدهن البني يمثل نوعا من مصادر التدفئة للحيوانات الصغيرة حتى تكبر وتستطيع الارتعاش فالارتعاش وسيلة لبعث الدفء في أبدان الحيوانات التي لا تمتلك مدافئ أو سخانات كهربائية او غازية او نفطية، وهذا الدهن هو السر في ان الفئران المنزلية تستطيع الحياة والانتعاش داخل الثلاجات بينما يموت غيرها لو فعل ذلك.

والدهن البني يجري سحبه في أثناء صوم الحيوان عن الطعام في مرحلة السبات، وينظم معدل السحب غدة تحت المهاد Hypothalamous لأنها الجزء المنظم لحرارة الجسم داخل المخ ولا ينتهي فصل الشتاء حتى تستطيع غدة تحت المهاد هذه سحب ما يكفي من الدهن البني، وإحراقه للحصول على طاقة تكفي لرفع درجة حرارة جسم الحيوان المستكين من 10 إلى 37 درجة سلسيوسية «مئوية» فيستطيع النهوض والسعي.

وآلية السبات تكمن فيما هو أعمق من النوم وان كانت تشبهه، ففيها تنعدم الحركة الخارجية ويقل معدل النبض والتنفس وتهبط درجة الحرارة كثيرا على غير ما يحدث في النوم كما ينخفض كثيرا مستوى الايض الغذائى وكما هو معلوم فان الحيوان يبدأ سباته الشتوي وهو ممتلئ بالدهن ويخرج من هذا السبات ارشق وأفضل نشاطا.

ولعل أهم حيوان لبون عرفه العرب صائما وصبورا الجمل «سفينة الصحراء» فهو يقطع الصحراء دون ماء او طعام ودون ان يبيت او يتوقف ويشفع له في هذا التحمل العظيم مخزن الشحم في سنامه الذي يحترق في داخله ببطء ليمده بطاقة الحياة على الدوام.

وأغرب الحيوان صوما ما تقوم به اسماك السلمون من هجرات شاقة وطويلة وهي صائمة حيث تترك هذه الأسماك الأنهار العذبة في شمال أميركا والشمال الأوروبي التي تعيش فيها إلى أعالي البحار لوضع البيوض هناك من اجل التكاثر فهي رحلة خطيرة قد تصل الى 1600 كيلومتر وأثناء هذه الرحلة القاسية يستهلك الصوم منها ما تراكم على أجسادها من شحوم وبذلك تصبح أكثر رشاقة ومرونة لتغالب التيارات من اجل الوصول إلى هدفها.


وعند الأشجار فان الصوم له ما يبرره فحين يأتي الخريف، مؤذنا بقرب الشتاء حيث المياه تتجمد وتهطل الثلوج ويلف الصقيع كل شيء لا يجد الشجر أمامه إلا أن يتخفف حتى يكفيه القليل من النسغ الذي يغذيه ليعبر هذه الفترة القاسية، وهكذا فان فروع الأشجار تتعرى وأوراقها تتساقط إيذانا ببدء فترة الصوم لهذه الأشجار وبعد انتهاء هذا الفصل وبزوغ فصل الربيع الجميل تعود للأشجار إلى سابق عهدها من اللون الأخضر الذي يصبغ أوراقها الغضة وأغصانها اليانعة بعد صوم طويل مرت به.

إذا الصوم شيء مقدس عند البشر والحيوان والأشجار فالكل مشترك ما بين الكائنات الحية جميعها.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 579

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى