انت هنا : الرئيسية » البيئة والتنمية » تأثير تلوث المدن على صحة الانسان وحياته

تأثير تلوث المدن على صحة الانسان وحياته


أ.د. كاظم المقدادي

مشكلة تلوث البيئة بشكل عام هي من أخطر المشكلات وأكثرها تعقيداً.وقد أصبح التلوث يهدد،بلا مبالغة، الجنس البشرى برمته ، بل يهدد حياة كل الكائنات الحية والنباتات، بالزوال. ولقد برزت هذه المشكلة نتيجة للتقدم الصناعى والزيادة السكانية على مر السنين.

التلوث البيئي فى معناه الواسع يشمل: التلوث الحيوى/البايولوجي للبيئة،الذي يعني تلوث البيئة بالكائنات الحية، مثل الميكروبات البكترية، والفيروسات، والفطريات. والتلوث الكيميائى للبيئة،الذي يعني تلوث البيئة بمختلف الكيمياويات، ومنها: المبيدات الكيميائية، والغازات، ومخلفات المصانع الكيماوية.وهنالك التلوث الإشعاعي الناجم عن نشاط إشعاعي.وغير ذلك.

من تداعيات تلوث البيئة في المدن

الزيادة الكبيرة في عدد سكان المدن تؤدي إلى مشكلات بيئية خطيرة، ومن بينها تلوث الهواء, وارتفاع نسبة الضجيج، وتراكم النفايات، وارتفاع مستوى المياه المستعملة، وغيرها. ويكفي أن نشير إلى أن حوالي 300 مليون من سكان المدن لا يمتلكون مصدراً للمياه, وأن نحو 500 مليون ليس يفتقرون إلى الصرف الصحي, ووفقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من مليار نسمة من سكان المدن يعيشون في ظروف بيئية وصحية متدهورة.

وتعد عوادم السيارات وأدخنة المصانع من أخطر مصادر تلوث المدن واختلال توازنها، والإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة، مثل الربو الشعبي، وتشوهات الأجنة، والتخلف العقلي لدى الأطفال، لما تحتويه من غازات سامة وقاتلة، كما تتسبب أدخنة المصانع وعوادم السيارات في تدهور الحالة النفسية لسكان المدن، وتراجع أدائهم الوظيفي ورضاهم العام بمستوى المعيشة.وقد أثبتت الدراسات أن استنشاق الهواء الملوث بعوادم السيارات، يعتبر أكثر خطورة على الصحة العامة للإنسان من تناول الأغذية الملوثة.

ورغم الإجراءات التي تتبعها الحكومات للحد من إنشاء المصانع في المناطق السكنية، وتخفيف انبعاثات عوادم السيارات، فإن معظم دول العالم مازالت تعاني من معدلات عالية للتلوث بسبب تنامي حركة التصنيع وزيادة عدد السيارات، وما ينجم عن ذلك من تلوث شديد للهواء.

ولا يقتصر الأمر على الدول النامية فقط، بل إن معظم المدن في الدول المتقدمة تعاني أيضاً من مشكلات بيئية خطيرة، فقد حذرت صحيفة الفاينانشيال تايمز مؤخراً من تزايد معدلات تلوث الهواء في العديد من المدن الأوربية الكبرى، مشيرة إلى أن تلوث الهواء يتسبب في وفاة 24 ألف شخص في بريطانيا سنوياً، وإصابة نصف مليون شخص آخرين بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية وارتفاع ضغط الدم.

كما يتسبب في انخفاض العمر المتوقع لسكان الحضر بنسبة 20%، حيث يحتوى الهواء الملوث على عشرات الآلاف من السموم والمواد شديدة الخطورة على صحة الإنسان.

ومن أبرز المشكلات البيئية التي تعاني منها المدن، مشكلة النفايات، التي يتزايد حجمها بصورة مطردة نتيجة للزيادة السكانية من ناحية وزيادة معدلات الاستهلاك من ناحية أخرى، فضلاً عن تزايد أنواع النفايات، وخاصة النفايات الخطرة، بسبب التوسع الصناعي واستخدام المعادن المشعة، ولذلك أصبحت هذه النفايات مشكلة تهدد سكان المدن وخاصة في البلدان النامية التي يوجد بها نحو 580 مليون طن تقريباً من النفايات.

وتزداد الخطورة إذا علمنا أن ما بين 25-40 % من النفايات الصلبة التي تتولد في المراكز الحضرية بالدول النامية تترك دون معالجة، لتتراكم في الشوارع والأراضي الخالية والمهملة، مما يخلق الكثير من بؤر توالد الميكروبات والروائح الكريهة التي تؤثر سلباً على البيئة وصحة الإنسان.

ويشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية إلى أن فقراء المدن يدفعون أكثر من الأغنياء من أجل الحصول على المياه العذبة، ومع ذلك فإنهم في الوقت نفسه يحصلون على مياه أكثر رداءة مما يجعلهم أكثر عرضة للخطر بسبب الأمراض التي تنتقل عن طريق المياه، حيث ينفق الفقراء نحو 20% من دخل أسرهم للحصول على الماء.

وتتزايد صعوبة الحصول على المياه النظيفة يوماً بعد يوم، بسبب تزايد سكان الحضر في العالم، وبسبب التغيرات المناخية التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث فيضانات، أو انتشار أمراض المناطق الحارة في مناطق كانت في السابق ذات مناخ معتدل.

كما يعاني سكان المدن بشدة من التلوث السمعي أو الضوضاء التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحضر، والمناطق الأكثر تقدماً، وخاصة الصناعية منها.والتلوث السمعي من أخطر مسببات الأمراض النفسية والعصبية للإنسان. وتتمثل أهم مصادر التلوث السمعي أو الضوضاء في الأصوات الصادرة من آلات المصانع ووسائل النقل والمواصلات، مثل السيارات والدراجات البخارية والقطارات والطائرات، وكذا الأجهزة الكهربائية، والمعدات وآلات الإنشاءات المعمارية كآلات حفر الصخور والجرافات، وأيضاً مكبرات الصوت وآلات التنبيه والموسيقى الصاخبة. والتعرض المزمن “أي لفترات طويلة أو المتكرر كثيراً” للضوضاء يؤدي إلي ضعف أو فقد القدرة علي السمع، كما تتسبب الضوضاء في العديد من الأمراض العضوية والنفسية، فهي قد تؤدي إلي قلة أو انعدام النوم، إضافة إلى الشعور بحرقة في فم المعدة وسوء الهضم، كما تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وربما أمراض القلب. كما أنها تتسبب في اضطراب وظائف الغدد الصماء والأعصاب والقلب والأوعية الدموية لكثير من الأشخاص. والتعرض لمدة طويلة ومتكررة لمثل تلك الضوضاء، يجعل الاضطرابات الفسيولوجية في وظائف الأعضاء مزمنة، كما أن الإرهاق الذي ينجم عن التعرض للضوضاء يسبب الكثير من التوترات في الحياة اليومية للإنسان.

ورغم أن ظاهرة فقراء المدن والمهمشين تنتشر بصورة واضحة في البلدان النامية وتتسبب في تدهور بالغ للبيئة والمرافق العامة، فإن أكبر المدن العالمية، مثل “لوس انجلوس” و”دكار” و”ريو ديجانيرو” تعاني من التدهور البيئي الناجم عن زيادة عدد النازحين إليها من الفقراء والمهمشين، حيث يتعايش في هذه المدن البذخ مع البؤس, والقصور الفخمة المحمية مع بيوت الصفيح.

وقد تم إطلاق برامج عديدة من جانب البنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، للنهوض بالمدن الكبرى ولكن المشكلة مازالت قائمة وتتفاقم يوماً بعد يوم.

إن التعامل مع مشكلة زيادة عدد سكان المدن، يجب أن يتم وفقاً لإستراتيجية قائمة على حسن إدارة التنمية الحضرية، والتوازن بين الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية واعتبارات الحفاظ على البيئة، ومساعدة هذه المدن على أن تنمو بطريقة مستدامة، والعمل على دعم الجهود الفردية والجماعية للسكان ذوي الدخل المنخفض لكي يحصلوا على منازل أفضل وسبل أفضل لكسب الرزق في المناطق الحضرية، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في وضع السياسات التنموية وجهود الحفاظ على البيئة، وكذلك إتاحة الفرصة لهم للتفاوض بشأن إيجاد حلول لمشاكلهم.

أمراض الأطفال وتلوث البيئة

نشرت منظمة الصحة العالمية أول تقرير من نوعه، يبين العلاقة بين حساسية الأطفال والتعرض للمواد الكيماوية الخطيرة خلال مختلف مراحل نموهم. ونشر هذا التقرير ضمن السلسلة الجديدة لـ ” معايير الصحة البيئية “، تحت عنوان Principles for Evaluating Health Risks in Children Associated with Exposure to Chemicals، وهو يعتبر أحد أكثر الدراسات الشاملة، التي لم ينجز مثلها من قبل، حول المبادئ العلمية الواجب أخذها بعين الاعتبار، لتقييم الأخطار الصحية عند الأطفال.

فمن بين النتائج التي أبرزها هذا التقرير، أن مرحلة النمو التي يتعرض فيها الأطفال للمواد الكيماوية، تكون أكثر أهمية من كمية تلك المواد. وحسب رئيس فريق وحدة البحث الدولية لدى منظمة الصحة العالمية، الدكتور Terri Damstra، فإن ” الأطفال ليسوا نسخة مصغرة للأفراد البالغين، فهم جد ضعفاء، ورد فعلهم يختلف تماما عن رد فعل البالغين عندما يتعرضون للعوامل بيئية، وهو يتغير كذلك حسب مرحلة النمو التي يوجدون فيها، فمثلا، الرئتان عندهم لا يكتمل نموها عند الولادة ولا حتى عند بلوغهم سن الثامنة.وبالتالي فإن بعض الملوثات الجوية يمكنها أن تتسبب في أضرار بليغة خلال تلك المرحلة، مما قد يؤدي إلى اضطرابات تنفسية حادة خلال فترة الطفولة، تكون مصدرا للأمراض تنفسية مزمنة في مرحلة لاحقة من الحياة”.كما يمكن للملوثات الموجودة في الجو والماء والمبيدات المبثوثة في الأطعمة والرصاص في التربة، وكذا التهديدات البيئية الأخرى، أن تتسبب في اضطرابات عمليات الاستقلاب أو الأيض (Metabolism) لدى الأطفال أثناء نموهم، مما قد يؤدي أو يتسبب في تفاقم الأمراض لديهم و إلى إحداث اضطرابات في النمو.

ويشير التقرير كذلك إلى أن 30% من أمراض الأطفال، تتسبب فيها العوامل البيئية، وأنه بالإمكان تفادي حدوث 13 مليون حالة وفاة سنويا، لو عمل الإنسان على تحسين البيئة. وأضافت المنظمة الدولية أن أربعة ملايين طفل يموتون سنويا بسبب سوء الأحوال البيئية، من هواء ومياه وتعرض للمواد السامة وغيرها. فعمليات الإجهاض العفوية، وخروج الأطفال حديثو الولادة أمواتا، والوزن الضعيف عند الولادة، وكذا التشوهات الخلقية، ما هي إلا أمثلة عن الآثار الصحية للتعرض للعوامل البيئية أثناء فترة الحمل أو الولادة. وأكدت منظمة الصحة العالمية، طبقا لهذه الدراسة، أن بعض الأمراض، مثل السرطان والقلب، قد تكون نتيجة التعرض للسموم البيئية في مرحلة الطفولة.

كما اعتبرت أن حالة الأطفال تسوء كلما كانوا يعيشون في أوضاع بيئية واقتصادية متدنية، في حين أشارت إلى أن واحدا من بين كل خمسة أطفال، ممن يعيشون في أفقر مناطق العالم، لن يتمكنوا من الحياة بعد سن الخامسة، بسبب أمراض متصلة بالبيئة.

وركزت هذه الدراسة على الطفل بشكل كامل، من مرحلة الجنين مرورا بالرضاعة وحتى سن البلوغ، حيث حاولت فهم التفاعلات بين التعرض للعوامل البيئية والحساسية البيولوجية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والتغذية مع كل مرحلة من مراحل نموهم. وخبراتهم ونصائحهم وسهروا على صحة المعلومات العلمية وموضوعيتها.

العيش في مدن اليوم

في يومنا هذا،أصبح العيش في مدينة تعاني من تلوث خطير يشبه بالعيش تحت وطأة عقوبة بالإعدام، وإذا لم يأت الضرر من تسمم مباشر، فيحتمل ان تكون الحصيلة أمراضاً سرطانية وإلتهابات رئوية وتخلفاً عقلياً..هذه الصورة القاتمة تجلت في تقرير أصدره “معهد بلاكسميث” للأبحاث البيئية في نيويورك حول المدن الـ 10 الأكثر تلوثاً في العالم.وهو يشير الى وجود أماكن يقارب فيها متوسط العمر المتوقع معدلات القرون الوسطى، حيث العيوب الخلقية هي القاعدة وليست الإسثناء، وحيث معدلات إصابة الأطفال بالربو تفوق 90 في المئة، وحيث التخلف العقلي مرض متوطن. وتقع هذه المدن في مناطق بعيدة عن العواصم والمواقع السياحية.وهي وريثة عصر صناعي مبكر، حيث ينشأ معظم التلوث من تركات قديمة، مثل مناجم الرصاص والفحم غير الخاضعة لشروط،أو من مصانع الأسلحة النووية.ويقدر التقرير،على سبيل المثال،أن 5.5 ملايين شخص في تشرنوبيل ما زالت تهددهم مواد مشعة تواصل إرتشاحها الى المياه الجوفية والتربة بعد 20 سنة من إنفجار محطة الطاقة النووية هناك.

إستمر إعداد التقرير 7 سنوات، وعمل فيه فريق من الخبراء البيئيين والصحيين.وأختيرت المدن العشر الأوائل من بين أكثر من 300 مدينة، قامت بتسميتها منظمات غير حكومية ومجتمعات محلية، وهيئات بيئية دولية.وإشتملت قائمة المعايير على عدد السكان المتأثرين، وخطورة السموم، والأدلة الموثوقة التي تثبت وجود تأثيرات صحية. وقال دايف هانراهان- مدير العمليات الدولية في معهد بلاكسميث:أن بعض الحلول لهذه المشاكل البسيطة جداً، مثل تخفيض مستويات الغبار وإزالة التربة الملوثة، مضيفاً:الأهم هو إحراز بعض التقدم العملي في التعامل مع هذه الأماكن الملوثة.وأكد معهد بلاكسميث ان هدفه:توفير شعور بالإلحاح حول ضرورة معالجة هذه المواقع ذات الأولوية.

وإضافة الى المدن العشرة، حدد المعهد 25 موقعاً اَخراً حول العالم تحتاج تدخل سريع.أسوأ هواء في مدينة لينفن- بالصين.وأقصر عمر في مدينة دزيرجينسك في روسيا،وكابوي في زامبيا أكبر مدينة لضحايا المناجم،وأكثر المدن التي يعاني سكانها من تسمم خطير بالرصاص هما مدينتا رودنايا بربستان و دالنيدورسك في روسيا، وفي روسيا أيضاً المدينة المقفلة- نوريلسك،كانت معسكراً للأشغال الشاقة، وتحوي أكبر مجمع لصهر المعادن الثقيلة.وتعتبر مدينة مايلو- سو في قرغيزستان بمثابة وادي لليورانيوم، حيث يوجد فيها 23 مكباً للنفايات و13 مكباً للمخلفات الصخرية تنتشر في أنحاء مايلو-سو،التي تضم مصنعاً سابقاً لليورانيوم.

وبسبب إرتفاع معدلات النشاط الزلزالي في المنطقة يتعرض ملايين الناس في أسيا الوسطى لخطر إشعاعي نتيجة إنهيار مكامن النفايات.ومدينة هاينا بالدومنيكان، حيث منطقة باهوس دي هاينا المزدحمة بالسكان ملوثة بالرصاص على نحو خطير من مصهر لتدوير بطاريات السيارات تم إقفاله عام 1997.وقد أظهرت دراسات وجود مستويات مرعبة من الرصاص في دم السكان وفي التربة.ومدينة لا أوربا البيروفية، حيث يتعرض سكانها لأنبعاثات سامة من مصهر للمعادن.وتفيد وزارة الصحة في البيرو بان 99 % من الأطفال الذين يعيشون في المدينة وحولها يعانون من تسمم رصاص خطير يزيد 3 أضعاف عن الحد المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية.وهذا التسمم يضر بالنمو العقلي للأطفال.

وما تزال تشرنوبيل،التي حدثت فيها أسوأ كارثة نووية عالمية عام 1986، تعاني من نتائج الكارثة، وما زالت هناك منطقة عازلة غير مأهولة حول المحطة عرضها 30 كيلومتراً.ومن دواعي القلق ان معظم النشاط الإشعاعي بقي محبوساً داخل المحطة على رغم كمية الإشعاع الهائلة التي إنطلقت في الحادث. وتشير التقديرات الى ان أكثر من 100 طن من اليورانيوم والمنتجات المشعة الأخرى، مثل البلوتونيوم، سوف تنطلق في حال حصول حادث اَخر.سرطان الغدة الدرقية لدى الأطفال الذين يعيشون حول المنطقة هو المشكلة الصحية الرئيسية.ومدينة رانيبت بالهند، حيث ينتج مصنع كيميائي كرومات الصوديوم وأملاح الكروميوم ومسحوق سلفات الكروميوم،الذي يستعمل محلياً في دباغة الجلود.ويتكدس نحو 1.5 مليون طن من الوحول غير المعالجة بإرتفاع 5 أمتار في ساحة هكتارين مكشوفة، ملوثة التربة والمياه الجوفية، ومؤثرة على صحة السكان ومواردهم ومصادر رزقهم.أقفلت الحكومة المصنع عام 1996، لكن الحلول الفعالة لوقف إرتشاح الكرومات لم تتحقق لحد الآن.

المستقبل المديني في العالم

جاء في تقرير “حالة العالم 2007، مستقبلنا المديني” الصادر عن معهد “وورلد ووتش” للأبحاث في واشنطن، وهو أحدث تقرير في هذا المضمار:

* ينضم كل سنة الى مدن العالم نحو 60 مليون نسمة،يعيش معظمهم في مستوطنات فقيرة في البلدان النامية، ومن أصل 3 مليارات مقيم في المدن،يعيش ملياران في أحياء بؤس،ويموت نحو 1.6 مليون سنوياً نتيجة إنعدام المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي.. ما لم يتم تقييم الأولويات الإنمائية العالمية لتأخذ في الحسبان إستفحال الفقر في المدن،فان أكثر من نصف الـ 1.1 مليار نسمة،المتوقع ان ينضموا الى سكان العالم من الآن وحتى سنة 2030، قد يعيشون في أحياء بؤس تفتقر الى الخدمات.وفي حين لا تغطي المدن إلا 0.4 في المئة من سطح الأرض،إلا أنها تولد معظم الأنبعاثات الكاربونية في العالم،ما يجعلها مفتاخ تخفيف أزمة تغير المناخ.
* في نصف القرن الأخير،إزداد عدد سكان المدن نحو 4 أضعاف، من 732 مليون نسمة عام 1950 الى أكثر من 3.2 مليار عام 2006.
* عدد سكان المدن في أفريقيا حالياً 350 مليون نسمة، أي أكثر من عدد سكان كندا والولايات المتحدة مجتمعين.ويتوقع ان يتضاعف عددهم في اَسيا وأفريقيا ليبلغ نحو 3.4 مليار نسمة بحلول سنة 2030.
* قرابة نصف السكان ي المدن الأفريقية والآسيوية تنقصهم المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي الملائم.
* يموت مليون طفل أو أكثر كل سنة نتيجة أمراض متعلقة بالمياه وخدمات الصرف غير الوافية.كما يعاني مئات الملايين من المرض والألم والإنزعاج.
* يفتقر نحو 1.6 مليار نسمة من سكان العالم الى الكهرباء وخدمات الطاقة العصرية الأخرى، وخمسهم يعيشون في المدن.
* قفز عدد المتأثرين بكوارث طبيعية من 177 مليوناً في السنة كمعدل وسطي في أواخر ثمانينات القرن الماضي الى 270 مليوناً في السنة منذ عام 2001،بزيادة تفوق 50 في المئة.
هذا، وتقع 8 من المدن الـ 10 الأكثر إكتظاظاً بالسكان على فوالق لزلزالية أو قربها، و 6 منها معرضة لعواصف عاتية.
* والخسائر الإقتصادية التي نتجت عن كوارث طبيعية في تسعينات القرن الماضي كان يمكن تخفيضها بمقدار 280 مليار دولار، لو تم إستثمار 40 ملياراً في تدابير وقائية.
* في البلدان الفقيرة،غالباً ما تعاني المناطق المدينية عبئاً مزدوجاً من “أمراض العصرنة” والأمراض المعدية المرافقة للفقر المدقع.
* يقتل تلوث الهواء في المدن نحو 800 ألف شخص كل سنة، نصفهم في الصين.
* تقتل حوادث السير نحو 1.2 مليون شخص سنوياً وتجرح نحو 50 مليوناً اَخرين

مدن لا تعرف الشيخوخة

يقال أن المدن مثل البشر، تكبر و تتقدم في السن و تتبدل معالمها و تتغير خرائط وجوهها، وقد تفنى و تزول نهائيا أو تتحول إلى جثة هامدة تئن من الفوضى و الازدحام و سؤ التخطيط و عجز الخدمات و تهالك المنشآت و فساد الهواء، على نحو ما حدث لمدن عربية و شرقية كبيرة من تلك التي كانت ذات يوم ملء السمع و الأبصار و مصدر الإلهام و الإبداع و مقصد الرحالة والوجهاء بسبب أسبقيتها إلى التمدن و التحضر و التنمية و التخطيط العمراني و عصرنة الخدمات و توفير وسائل الراحة و الترفيه و نشر ثقافة النظام و الانضباط ، فتحولت تدريجيا تحت ضغط الهجرات من الأرياف و تخبط التعليم و سؤ الإدارة و انتشار الفساد و سيادة النزعات التقليدية و الأفكار البالية إلى مجتمعات موبوءة بألف داء و داء.

غير أن مدنا كثيرة أثبتت أنها قادرة دوما على تجديد شبابها و نضارتها من وقت إلى آخر، بفعل ديناميكية مجتمعاتها و خطط حكوماتها المحلية أو المركزية المحكمة و استيعابها السريع لكل جديد و مثير و حديث في عالم التخطيط و التعمير و الهندسة و الخدمات. بل أنها أخرجت من رحمها مدنا وحواضر جديدة لا تقل روعة و جمالا و صحة عنها. مثل هذه المدن يمكن العثور عليها بسهولة في الشرق الأقصى، حيث الحياة تتبدل و تتطور كل يوم مع تطور و ديناميكية المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي و الاجتماعي، و معها تتجدد معالم المدن و تتوسع الحواضر وتقام المنشآت الحديثة وتتشكل مجتمعات حضرية جديدة على أنقاض مجتمعات ريفية بائسة أو فوق أراض قاحلة مهجورة.

ومناسبة هذا الحديث هو بحث شيق و غني بالمعلومات و التجارب نشره قبل فترة أحد الزملاء الآسيويين، و تناول فيه بحكم تخصصه الأكاديمي في التنمية الحضرية و اهتماماته بالتخطيط والفنون المعمارية قصة عدد من المدن الكبيرة المعروفة في الشرق الأقصى إضافة إلى عدد من المدن و المستوطنات الجديدة الآخذه في التمدد و النمو، و لاسيما في الصين و الهند و اليابان وكوريا الجنوبية و تايوان و ماليزيا.

بحسب الباحث فان أكثر ما يشد الأنظار اليوم في تلك البلدان هو خطط التنمية الحضرية و ما يرافقها من أعمال الإنشاءات الضخمة لاستبدال القديم و الرث بالحديث و المتطور أو لإقامة الجديد غير المسبوق أو لإيجاد الحلول السريعة للاختناقات و الضغوط الخدمية و البيئية. و يضيف قائلا أن هذه العملية لئن كان عمادها الأفكار و الرؤى الذاتية و المنطلقات المحلية فإنها أيضا نتاج تواصل وتبادل للتجارب و الأفكار و الفنون مع الآخر، و لاسيما في المجتمعات الغربية الأسبق إلى هذه الأمور و الأكثر تقدما في تلك المجالات. بل هي في المحصلة النهائية احد ظواهر العولمة التي فتحت الأبواب على مصراعيها للاستفادة والتسابق و التنافس في كل الميادين، بحيث صار المخطط أو المهندس المعماري الصيني مثلا ملما بتفاصيل ما سبقه إليه زميله الغربي إلماما يتيح له تصميم ناطحة سحاب خلال ثلاثة أو أربعة أيام. و غني عن القول أن ظاهرة العولمة و تسارعها منذ تسعينات القرن الماضي، صحبتها تطورات ساعدت الآسيويين على مثل هذه الأمور مثل الإعلام الجماهيري الالكتروني و صناعة الاتصالات و المعلوماتية. هذا فضلا عن البيئة المهيئة، و هي بيئة تتميز بشحذ الأفكار من أي مصدر دون حساسية أو توجس أو كراهية، و يسودها الاقتصاد الحر و مبدأ المنافسة، و يسعى أفرادها و جماعاتها إلى كسب أو تعزيز مكاسبهم لجهة الحريات والحقوق و الدمقرطة
والحقيقة هي أن أكثر من ربع سكان العالم يتسابقون اليوم ليكونوا من سكان حواضر حديثة وراقية مع مستويات دخول تؤهلهم ليكونوا ضمن الطبقة الوسطى. و من المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة تحول المزيد من هؤلاء، ولا سيما في آسيا، إلى العيش في المدن الكبيرة أو الحواضر الجديدة بحيث لا ينتصف القرن الحالي إلا و نحو 60 بالمئة من سكان العالم يعيشون في المدن. ومن الحقائق الدالة على هذه الظاهرة أنه من بين 23 مدينة ضخمة في العالم من تلك التي يزيد عدد سكانها على 15 مليون نسمة، يوجد 15 منها اليوم في آسيا. و من الحقائق الأخرى أن المدن التي تشكلت أو تتشكل حاليا حول الممر السريع الموصل ما بين طوكيو و اوساكا اليابانيتين ينتظر لها أن تستوعب أكثر من 50 مليون نسمة من سكان هذه البلاد، أي اقل بقليل من نصف عددهم الإجمالي.


وبما أن للظواهر إيجابياتها و سلبياتها، فان ظاهرة تمدد المدن القائمة و تحديثها وتطوير معالمها، أو ظاهرة نشؤ مدن و حواضر عصرية جديدة، في آسيا تحمل معها بعض التحديات التي يأتي على رأسها تدمير البيئة. و هذه مشكلة خطيرة ذات كلفة عالية، خاصة إذا ما علمنا أن آسيا فقدت خلال السنوات الثلاثين الماضية أكثر من نصف غاباتها و مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ليس فقط بسبب تمدد المدن و سياسات التنمية الحضرية، و إنما أيضا بسبب النمو الصناعي.

ولهذا السبب لم يكن غريبا أن يتبنى بعض المعنيين بأمور تخطيط المدن و معهم الجماعات المنافحة عن البيئة في الشرق الأقصى فكرة العودة إلى مبدأ “فينغ شوي”، خاصة و أن إيجاد علاقة متناغمة ما بين الإنسان و الطبيعة ظلت على الدوام جزءا من التقاليد و الثقافة الآسيوية. والترجمة الحرفية لهذا المبدأ هي “الهواء والماء” فيما المعنى المقصود هو عدم التلاعب بهذين العنصرين في سعي الإنسان إلى التحديث و التطوير و البناء و التقدم. و يسعى متبنو هذه الفكرة إلى بناء ثقافة عمرانية و تخطيطية جديدة ترفد ما يسمونه ب “المدن الآسيوية” أي مدن وحواضر لها سمات و معالم و ظروف خاصة تميزها عن بقية المدن في العالم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل توجد مثل هذه المدن أو هل يمكن خلقها في ضؤ التفاوت الكبير ما بين الدول الآسيوية نفسها لجهة السمات الجغرافية و الطبيعية و السكانية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، بل في ضؤ اختلاف الآسيويين على هوية جماعية موحدة؟ الجواب يمكن استنباطه من ردود أفعال فعاليات اقتصادية و ثقافية آسيوية كثيرة من تلك التي رأت في هذه الأفكار محاولة للعودة إلى الوراء و إعاقة مسيرة النهضة و التقدم و الحداثة الجارية، و إن اتفقوا على ضرورة إيجاد حلول واقعية و مرنة للمحافظة على البيئة الخضراء، و أخرى لمواجهة أهم المشكلات الناجمة عن النمو الاقتصادي الهائل، ألا و هي الازدحام المروري في المدن الكبيرة، والذي يتسبب في مشاكل و اضطرابات نفسية تحول دون التفكير و الإنتاج كما يجب، و يعطل المصالح، ويحد من التواصل و الاستمتاع بأوقات الفراغ. و يكفي أن نعلم على سبيل المثال اللاحصري أن سرعة المركبات في مدن آسيوية عديدة انخفضت لتصبح مساوية لسرعة سير الأفراد كما في بانكوك أو شنغهاي، بل حتى في ما يعرف بالمناطق الاقتصادية الخاصة في الصين مثل “شينزين”

مدن خضراء .. فلنخطط لمستقبل الأرض !

هدف طالما سعت وتسعى إليه العديد من الحكومات في زخم الممارسات والضغوطات اليومية للسياسة العامة والعليا لهذه الحكومات.

ان التوسعات الحالية في نمط التغيير الاجتماعي والاقتصادي لسكان العالم هي من الأمور ذات الارتباط الواسع بأفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وان اية تدابير في هذا المجال سيعزز التدابير المتخذة في الجانب الاخر المتعلق بالزيادة الديمغرافية (الطبيعية)او تلك الناشئة عن الهجرة الريفية.فالسكان لا يمكن ان يعتبر الا متغيرا متحركا من متغيرات الاقتصاد الكلي !! في هذا يصف برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بان الاستثمار في الموارد البشرية وتوسيع الفرص المتاحة لهم ما هو الا سبيل الى تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة فضلا عن انه السبيل في تحقيق التوازن بين معدلات السكان والبيئة والموارد المتوفرة ، وينوه التقرير الى ان رغم التقدم الذي حققته بعض دول العالم الا ان التحديات ما تزال باقية.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 579

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى