انت هنا : الرئيسية » صحة وتغذية » الحياة الصحية » المخاطر الادراكية والسلوكية لألعاب الكمبيوتر

المخاطر الادراكية والسلوكية لألعاب الكمبيوتر


هاشم سلامة

للألعاب الالكترونية تأثيرات ضارة على الاطفال الذين باتوا يعشقونها، لكن من الخطأ ايضا التفكير بحرمانهم منها، وازاء هذا الوضع تقع على عاتق الاباء والمربين مهمة توجيه اختيار الابناء من هذه الألعاب وتحديد الوقت اللازم لها، وليس اطلاق الحبل على غاربه.

فهنالك ألعاب اخرى جديرة بالممارسة نظرا لارتباطها بالواقع ومحاكاته.

فالواقع الافتراضي الذي تخلقه الالعاب الالكترونية بخلاف جميع الالعاب التي اعتاد الاطفال مزاولتها عبر سنوات الطفولة.. لا يمت للواقع المعاش بصلة اللهم الا عن طريق التقليد الصوري، بمعنى ان احداث اللعبة الالكترونية لا تجري على ارض الواقع ولا تستقي احداثها منه.

وللدلالة على ذلك يمكن الاستشهاد ببعض الامثلة المستخلصة من واقع الطفولة: فالصغير الذي يتلقى لعبة من ابويه على شكل سيارة مثلا يحركها الطفل باستخدام أرجله ما يلبث ان يعمد الى مجموعة من التخيلات التى يستثمر من خلالها اللعبة على ارض الواقع الملموس، بمعنى استخلاص علاقة مادية مباشرة بين جسده وأحاسيسه من جهة وعالم الاشياء المحيطة به من جهة اخرى، فهو سيبذل جهدا عضليا وعصبيا في ادارة لعبته والتعامل مع العوائق التي تحد من انطلاقه بها، والمثل نفسه يمكن ان ينطبق على لعبة الاسرة التي يزاولها الاطفال منذ فجر التاريخ كلعبة ( انا الاب.. وانت الام) او (انـا صاحب الدكان وانت الزبون).

فالأطفال بهذه الالعاب يعرفون تماما ان هذه المشاهد التي يتولون تمثيلها انما هي اداء مسرحي لا أكثر وهم بالتالي غير غافلين عن حقيقة هذا الاداء التمثيلي، ويعرفون تماما طبيعة مغامرتهم الصغيرة والبريئة التي تخوض في عالم خيالي، لكنه بالتأكيد عالم اكثر انفتاحا وحسية من الالعاب الالكترونية، وهو اوسع مدى واكثر غنى حتى من الواقع نفسه، وهذا بالضبط ما يطلبه الاطفال من ممارسة اللعب.

ان العاب الفيديو والكمبيوتر ليست سوى العاب اكثر حداثة، وهي امتداد للواقع الافتراضي الذي يعني استطالة اضافية تخلو من عبق الواقع وملامسة الحقائق، وتجعل من الصعب على الطفل خلق العلم المستقل وذلك لافتقاد اللعبة الالكترونية للمسحة المادية التي تشكل العمود الفقري لمتعة اللعب.

ان اعلى درجات سعادة الطفل في ملعبه تأتي من قدرته على محاكاة الواقع بأدق التفصيلات ، فالطفل يعلم تماما انه مازال صغيرا على قيادة السيارة او الاسرة في الحياة الحقيقية، وهو بحاجة ماسة الى تمثيل الادوار، لذا فان اللعب عبارة عن تدريب على هذه القيادة الى درجة تدفعنا الى القول ان اسعد الناس هم اولئك الذين عاشوا طفولة منغمسة كل الانغماس في عالم اللعب، كما انهم الاكثر اتقانا للحياة التي مارسوها
لعبا في طفولتهم.

ان بعد الجو الافتراضي الذي توفره الالعاب الالكترونية عن الواقع المادي له دور كبير في خلق اولى نوبات الاحباط لدى الاطفال في العصر الحديث، فالرجال الخارقون والأبطال المفعمون بقوى جبارة لا يمكن ايجاد مثيل لها في عالم الحقيقة، الامر الذي يعنى اصابة خيال الطفل بالاغتراب عن الواقع. فلعبة الاب والأم التي أسلفنا لها مثيل في الواقع، لكن لا يوجد في الحياة الحقيقية شخص اسمه ( طرزان) ذو قوة خارقة وخيالية.

اما بالنسبة لروح المشاركة والتي هي احدى صور التمازج الاجتماعي التي يحتاجها الطفل، فلا توفرها لعبة الكمبيوتر، بمعنى ان تداخل المشاركة بين الطفل واللعبة الالكترونية التي توفر للاعب فرصة التدخل في الاحداث، لا يمكن ان يكون بديلا للواقع الغني الذي يمنحه اللعب التقليدي القائم اساسا على مشاركة عدد من الاطفال معا في اللعب، لان الالعاب الالكترونية حين تقوم على ثنائية الطفل واللعبة تؤدي الى زيادة مشاعر الانفرادية والانعزالية عند الطفل، وبالرغم من المنافع التي ينادي بها انصار الالعاب الالكترونية الا انها لا تمثل شيئا امام مماحكة عقل الطفل ازاء التعامل مع عقول اقرانه اثناء اداء الادوار وتبادلها في اللعب الجماعي، الذي لا يخلو من الصراع وضرورات اثبات الذات عبر اتقان اللعبة الجماعية، وخلق روح التحدى والقيادة والفوز.

وخلاصة القول، فان العالم الافتراضي كان وسيظل موجودا في عالم اللعب لكنه لا يستقي مادته من ارض الواقع، فالعنف في الالعاب الالكترونية يمثل نمطا غرائبيا، لا شبيه له في الواقع المعاش . وبعكس الالعاب التقليدية، فان اللعب الالكتروني يؤدي الى دفع خيال الاطفال الى طريق مسدود، ويربك ذهنيتهم نظرا للتناقض بين احداث اللعبة الالكترونية وأحداث الحياة الحقيقة.


فاذا كان من نصيحة للاباء، فهي ابعاد تلك الاشرطة التي تتضمن سيناريوهات عنيفة وغريبة عن الواقع، لانها تؤدي الى انطواء وربما انحراف سلوكي وإدراكي لدى اطفالهم، وانطواء قوة الوعي وتقوية دوافع الانانية.

وينصح الباحثون الاباء بعدم منع الاطفال بالمطلق من حيازة الالعاب الالكترونية، وانما التدخل في اختيار الافضل من بينها، والتقليل من اوقات ممارستها وزيادة مساحة اللعب التقليدى، ووضع الطفل في موقف المقارنة التي ستدفعه حتما الى اختيار للألعاب الاكثر تطابقا مع حاجات الطفولة بمعناها الاصيل، كما ينصح خبراء التربية بزيادة اوقات الحديث مع الاطفال وقراءة القصص القريبة من الواقع، ودفعهم الى المشاركة في
اعمال تثير حماسهم وتشجيعهم بمكافآت معينة.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 535

تعليقات (2)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى