انت هنا : الرئيسية » صحة وتغذية » الحياة الصحية » تطور الحياة المدنية المادية يفاقم الأمراض النفسية

تطور الحياة المدنية المادية يفاقم الأمراض النفسية


د.محمد عبدالكريم الشوبكي
مستشار الطب النفسي والامراض العصبية

بالرغم من الاستقراء التاريخي المؤشر على ان الامراض النفسية غير نادرة الحصول في المجتمعات البدائية او غير المتحضرة، الا ان جميع الاحصائيات والدراسات الطبية تؤكد بأن تعقيد الحياة وتطورها المادي دون الجانب الروحي اكثر الاجواء والاسباب الملائمة لانتشار الامراض النفسية بدءا من الامراض العصابية وانتهاء بالامراض الذهانية، وقد بينت دراسات المقارنة الطبية ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها ان نسبة وقوع وسعة انتشار الامراض النفسية كانت اكثر بكثير ما قبل الحرب في امريكا واوروبا وهي الفترة التى تميزت بتقدم هائل وسريع في مجال التكنولوجيا ومظاهر الحياة المدنية بوسائلها المادية وسلوكياتها الاجتماعية .

ان تفاقم انتشار الامراض النفسية واكب هذه الحياة المدنية من طقوس وبروتوكولات وانماط حياة جديدة، وما خلفته هذه الحياة من الحرمان العاطفي، والتفكيك الاسري والانغماس في العمل لساعات طويلة واللهاث المادي الاقتصادي والابتعاد عن الروحانيات والعقائد الدينية سلوك متلازم مع الحياة اليومية، وما نجم عن ذلك من سعة انتشار وتعاطي المسكرات والمخدرات في الطبقات الاجتماعية الدنيا في هذه الدول، والتوتر والمنافسة في صفوف الطبقة الوسطى، والاشراف في النشاطات الاكاديمية والفكرية بما يخص الطبقة العليا، وكان الاثر الاكبر في تفاقم هذه الامراض بما سببته (المدنية المادية) من اضطراب استقرار الفرد نفسيا من حيث تغيرات امكنة عمله ومسكنه وطيلة فترة العمل وضغوطات العمل النفسية وخلخلة العلاقات الاجتماعية والزوجية والعائلية.

كما بينت الدراسات بأن هذه المدنية افرزت طبقات امتازت بالفقر والحرمان من فرص العمل ومن المعروف أن هذه الطبقات الاجتماعية اكثر عرضة للاصابة بالامراض النفسية، ومثل ذلك ايضا الاشخاص الذين يتعرضون للارهاق والتوتر في حياتهم العملية والشخصية خاصة اذا كان هذا الارهاق الواقع على الفرد يقابله مستنقع من تلك الخلفية الاجتماعية والاسرية غير المتماسكة.


كما تشير الدراسات ان المجتمعات المدنية المادية تمتاز بعزل الفرد وتفكك صلاته العائلية والاجتماعية وعدم استقراره وتنقله او هجرته واما مجتمعاتنا العربية فقد داهمتها المدنية الماديه بسرعة بحيث لم يعد للفرد ومن ثم المجتمع القدرة على التكيف واحتواء هذه التغيرات والقدرة على ضبطها وحسن تنسيقها وانسجامها مع نفسية الفرد العربي بما لديه من ثوابت وقيم اجتماعية ودينية مما خلق نوعا من الصراع النفسي ادى الى تسارع انتشار الامراض النفسية في مجتمعاتنا خلال العقود القليلة الماضية.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 442

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى