انت هنا : الرئيسية » البيئة والتنمية » “الاستدامة” المدرجة في المناهج الدراسية أقل من المطلوب بل معدومة في كثير من الدول العربية

“الاستدامة” المدرجة في المناهج الدراسية أقل من المطلوب بل معدومة في كثير من الدول العربية


حوار صحفي مع د. عماد سعد حول تطبيقات الاستدامة في الدول العربية، أجرته صحيفة التزام الصادرة عن الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية بمملكة البحرين العدد الثامن عشر 15 مايو 2018

د. عماد سعد: جرعة المعرفة المدرجة في المناهج الدراسية الخاصة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030 هي أقل من المطلوب بكثير بل معدومة في كثير من الدول العربية

السؤال الاول / الأزمات التي يمر بها العالم وخصوصاً عالمنا العربي هل تعتقد تعيق تحقيق التنمية المستدامة؟
لو أعدنا صياغة السؤال من جديد: لو طبقت الدول العربية الاستدامة وراعت أهدافها الأساسية لما حصل فيها ما حصل، ونستشهد في هذا المجال امين عام منظمة الأمم المتحدة “بان كي مون” حيث قال إن تحديات تحقيق التنمية المستدامة بالعالم أجمع أهم بكثير من مواجهة الإرهاب، لأن المجتمع او الدولة التي تسعى لتطبيق المسؤولية المجتمعية لتحقيق التنمية المستدامة هي بطبيعة الحال آمنة أكثر ولديها المناعة الكافية لمواجهة أي من تحديات العصر.

السؤال الثاني/ هل هناك دول تضيف مواد عن الاستدامة في المناهج الدراسية عالمية او عربية؟ وما هو المانع؟
لو قمنا بجولة على المناهج المدرسية لمختلف المراحل الدراسية في عدد من الدول العربية، لوجدنا تفاوتاً كبيراً في المحتوى المعرفي لتلك المناهج سواء من الناحية العلمية أو التقنية أو تفاوت في أسلوب تناول المواضيع أو من ناحية التزامها بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة أو في نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية وحماية البيئة وما شابه ذلك من مواضيع تعتبر اليوم ذات قيمة مضافة على صعيد المعرفة لدى الطالب أو على صعيد التطبيق اليومي في حياته العامة. لكن في أفضل الأحوال نرى أن جرعة المعرفة المدرجة الخاصة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030 هي أقل من المطلوب بكثير بل معدومة في كثير من الدول العربية، وذلك يعود لأسباب عدة أبرزها:
1- أدلجة المناهج التعليمية، أي ارتباط كثير من المناهج العلمية لطلبة المدارس بالدول العربية بالرؤية السياسية أو النظام السياسي في هذه الدولة أو تلك. مما يترك أثره بشكل واضح على المناهج الدراسية.
2- قليلاً ما نجد رؤية واضحة وناضجة في الإدارات المعنية بوضع مناهج الدراسة في أغلب الدول العربية. تدرك أهمية نشر ثقافة التنمية المستدامة التي هي بمثابة رأس الهرم في أي عملية تنموية في أي دولة في العالم.
3- عدم وجود خبراء ومستشارين مختصين بتبسيط أهداف التنمية المستدامة الـ 17 وترجمتها الى تطبيقات عملية في الحياة العامة للطالب، يتلمس الفائدة المباشرة منها على المستوى الشخصي والمجتمعي.
4- عدم وجود رؤية واضحة لدى الوزارات المختصة حول أهمية الاستثمار في تنمية المعرفة لدى مختلف شرائح المجتمع العربي. لأن المعرفة المسؤولة والفكر الإيجابي هما أحد أهم الأصول المجتمعية لتحقيق التنمية المستدامة.
من الناحية الأخرى نجد في بعض الدول العربية ممارسات خجولة لكن مقبولة من حيث المبدأ في تطبيقات الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر. دولة الامارات العربية المتحدة قامت بإدراج اهداف التنمية المستدامة في المناهج الدراسية منذ أكثر من عشر سنوات، بل تعتبر إمارة ابوظبي أول من اطلق برامج تعنى بنشر ثقافة واهداف التنمية المستدامة من خلال برنامج “البيئي الصغير عام 2001” وبرنامج “المارثون البيئي عام 2002” وبرنامج “المدارس المستدامة عام 2009 ” وحققت تلك البرامج نتائج تفوق المتوقع على مستوى التفوق الدراسي للطالب أو على مستوى التزامه في تطبيقات الاستدامة في الحياة العامة (بالمدرسة، والبيت، والحديقة، والشارع، والمراكز التجارية…) وتتالت بعد ذلك في دولة الامارات البرامج التي تعنى بنشر ثقافة واهداف التنمية المستدامة 2030 حتى أضحت موجودة وبشكل واضح في المناهج المدرسية وفي مختلف المراحل الدراسية. فدولة الامارات هي أول قصة نجاح في تطبيقات نشر ثقافة الاستدامة بشكل مؤسسي في المجتمع المدرسي على المستوى العربي. تلتها وبشكل خجول وبطريقة غير مؤسسية بل ممارسات فردية أحياناً وفي المناسبات أحياناً أخرى، بعضها من المؤسسات الحكومية وبعضها من القطاع الخاص في كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة الكويت ومملكة البحرين. نقول شكراً لكل من ساهم ويساهم على المستوى الفردي أو المؤسسي في تنمية المعرفة المسؤولة وتعزيز ثقافة الاستدامة لدى مختلف فئات المجتمع العربي وخصوصاً طلبة المدارس بما يساهم في تحقيق التنمية المستدامة، لأن “العلم في الصغر كالنقش في الحجر” لكن المطلوب أكثر بكثير.

السؤال الثالث/من خلال معرفتكم واطلاعكم ماهي أهم أهداف التنمية المستدامة التي حققنا جزء كبير منها في وطننا العربي؟
لو عملنا مسح ميداني على مختلف قطاعات المجتمع العربي لوجدنا أن الأمور نسبية تماماً في تطبيق الأهداف الـ 17 حيث أن لكل دولة تحديات تختلف عن دولة أخرى، بالتالي نسبة تطبيق الهدف الأول “القضاء على الفقر المتقع” قد نجده في دولة ما يشكل أولوية وفي دولة أخرى لا وجود له بل غير معنية به وهكذا في بقية الأهداف التنموية, وعليه لا نستطيع القول ما هي نسبة التطبيق العام على المستوى العربي، والأفضل أن نذهب الى التقرير الوطني لكل دولة لنقرأ به ما نسبة التنفيذ حيال كل هدف، علماً بأن عدد الدول التي أصدر تقرير تنمية مستدامة يعد على أصابع اليد الواحدة. وبيانات التقرير تتسم بالشمولية وذلك لسبب بسيط جداً هو حداثة التطبيق على المستوى العربي.

السؤال الرابع / ماهي الصعوبات التي تواجه المهتمين بتحقيق الأهداف ونشرها تمنع تقبل المجتمع لهذه الاهداف؟
او ما مدى تقبل المجتمعات العربية لأهداف التنمية ودعمهم لجهود تحقيقها؟
من حيث المبدأ تعتبر أهداف التنمية المستدامة قيمة مضافة لأي دولة أو مجتمع في الدنيا، فهي من حيث المبدأ أو التعريف: التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون أن تُخل بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها. وتتطلب التنمية المستدامة بذل جهود متضافرة لبناء مستقبل للناس ولكوكب الأرض يكون شاملاً للجميع ومستداماً وقادراً على الصمود. ومن الجوهري، لكي تتحقق التنمية المستدامة، المواءمة بين ثلاثة عناصر أساسية هي: النمو الاقتصادي والشمول الاجتماعي وحماية البيئة. وهذه العناصر مترابطة وكلها جوهرية لرفاه الأفراد والمجتمعات. فعلى سبيل المثال القضاء على الفقر بجميع أشكاله وأبعاده شرط لا غنى عنه للتنمية المستدامة. ويجب، لبلوغ هذه الغاية، تشجيع النمو الاقتصادي المستدام والشامل والمنصف، وتهيئة الفرص للجميع، والحد من أوجه عدم المساواة، ورفع مستويات المعيشة الأساسية، وتدعيم التنمية الاجتماعية العادلة والشمول الاجتماعي، وتعزيز إدارة الموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية على نحو متكامل ومستدام.
من هذا المنطلق نجد أن أهداف التنمية المستدامة هي مطلب حقيق ومباشر لكافة المجتمعات النامية ومن بينها المجتمعات العربية، بل هي جاهزة ومؤهلة للمضي قدماً في تطبيق تلك الأهداف وتحقيق النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وحماية البيئة والانسان.
لكن أكثر ما يقلق ويحد من بلوغ اهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية بشكل عام هو منظومة الفساد الإداري التي تهدر المال العام وغياب الرؤية الاستراتيجية المواكبة لتلك الأهداف على المستوى الدولي، لأننا لا نعيش على سطح هذا الكوكب بمعزل عن غيرنا من الدول فنحن نؤثر ونتأثر، وبالتالي على القيادات السياسية أن يكون لديها إرادة سياسية ملتزمة وصادقة في خدمة مجتمعاتها. لأن أهداف التنمية المستدامة 2030 من حيث المبدأ صادقت عليها 193 من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015، أدت إلى توافق في الآراء بشأن الوثيقة الختامية للخطة الجديدة “تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030”.

السؤال الخامس / هل يمكن وضع إطار أمثل او التركيز على مفاتيح شاملة او تبني ممارسات من قبل المهتمين تؤدي مستقبلا لخلق مجتمع مستدام؟
في هذا الصدد يمكن الإشارة الى قرار اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25 سبتمبر 2015 بعنوان تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وهي بمثابة وثيقة معتمدة في البيان الختامي لمؤتمر قمة الأمم المتحدة لاعتماد خطة التنمية لما بعد عام 2015
حيث تمثل هذه الخطة برنامج عمل لأجل الناس والأرض ولأجل الازدهار. وهي تهدف أيضا إلى تعزيز السلام العالمي في جو من الحرية أفسح. ونحن ندرك أن القضاء على الفقر بجميع صوره وأبعاده، بما في ذلك الفقر المدقع، هو أكبر تحد يواجه العالم، وهو شرط لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة.
وستعمل جميع البلدان والجهات صاحبة المصلحة على تنفيذ هذه الخطة في إطار من الشراكة التعاونية. ونحن عاقدون العزم على تحرير الجنس البشري من طغيان الفقر والعوز وعلى تضميد جراح كوكبنا وحفظه. ومصممون على اتخاذ الخطوات الجريئة المفضية إلى التحول التي تلزم بصورة ملحة للانتقال بالعالم نحو مسار قوامه الاستدامة والقدرة على الصمود. ونتعهد، ونحن مقبلون على هذه الرحلة الجماعية، بألا يخلف الركب أحدا وراءه.
وتبرهن أهداف التنمية المستدامة، البالغ عددها 17 هدفا، وغاياتها، البالغ عددها 169 غاية، التي سنعلن عنها اليوم على اتساع نطاق هذه الخطة العالمية ومدى طموحها. فالمنشود من هذه الأهداف والغايات هو مواصلة مسيرة الأهداف الإنمائية للألفية وإنجاز ما لم يتحقق في إطارها. كذلك يقصد بها إعمال حقوق الإنسان الواجبة للجميع وتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات كافة. وهي أهداف وغايات متكاملة غير قابلة للتجزئة تحقق التوازن بين الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبُعد البيئي.
وستحفز تلك الأهداف والغايات العمل الذي سيجري على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة في مجالات ذات أهمية جوهرية للبشرية ولكوكب الأرض.
الناس: لقد عقدنا العزم على إنهاء الفقر والجوع، بجميع صورهما وأبعادهما، وكفالة أن يمكن لجميع البشر تفعيل طاقاتهم الكامنة في إطار من الكرامة والمساواة وفي ظل مناخ صحي.
الكوكب: نحن مصممون على حماية كوكب الأرض من التدهور، بطرق منها توخي الاستدامة في الاستهلاك والإنتاج، وإدارة موارد الكوكب الطبيعية بصورة مستدامة، واتخاذ إجراءات عاجلة بشأن تغير المناخ، حتى يمكن له دعم احتياجات الأجيال الحالية والمقبلة.
الازدهار: لقد عقدنا العزم على كفالة أن يتمتع جميع الناس بحياة يظلها الرخاء تلبي طموحاتهم، وأن يتحقق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي في انسجام مع الطبيعة.
السلام: نحن مصممون على أن نشجع على قيام مجتمعات يسودها السلام والعدل ويجد فيها الجميع متسعا لهم، مجتمعات تخلو من الخوف ومن العنف. فلا سبيل إلى تحقيق التنمية المستدامة دون سلام، ولا إلى إرساء السلام دون تنمية مستدامة.
الشراكة: لقد عقدنا العزم على حشد الوسائل اللازمة لتنفيذ هذه الخطة من خلال تنشيط الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة، على أساس روح من التضامن العالمي المعزز، مع التركيز بوجه خاص على احتياجات الفئات الأشد فقرا والأكثر ضعفا، وبمشاركة من جميع البلدان وجميع أصحاب المصلحة وجميع الشعوب.
ولأوجه الترابط بين أهداف التنمية المستدامة وطابعها المتكامل أهمية حاسمة في ضمان تحقيق الغرض من هذه الخطة الجديدة. وإذا حققنا ما نطمح إليه من هذه الخطة بكامل جوانبها، ستتحسن بشدة حياة الجميع وسيتحول عالمنا إلى الأفضل.


السؤال السادس / كيف تجد أداء العالم العربي في الخطوات المتعلقة بتحقيق تلك الأهداف؟
أداء متفاوت بين دولة وأخرى، بعض الدول العربية حقق قفزات ممتازة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لديهم رؤية استراتيجية وخطة عمل تنفيذية وفرق عمل ومشاريع ومبادرات ومؤشرات أداء وقصص نجاح… وهناك بعض من الدول العربية للتو بدأت في وضع رؤية استراتيجية وتسعى الى ترجمة تلك الرؤية الى خطط عمل ومشاريع مستدامة، كما نجد بعض من الدول العربية ما زال يحبو في تحقيق اهداف التنمية المستدامة، بل لديهم اختلاف على المفهوم بحد ذاته وآليات تطبيقه. على أية حال ما هو قائم أقل مما هو مطلوب، لأن الانسان العربي يستأهل أمن وأمان وحياة كريمة وسعادة أفضل له وللأجيال التي لم تولد بعد؟ وهذه مسؤولية وأمانة في أعناقنا جميعاً حكومات ومؤسسات وشركات منظمات مجتمع مدني وأفراد على حد سواء كل من موقعه.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 310

اكتب تعليق

© 2016 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى