انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » اسس التربية » التربية الهادفة

التربية الهادفة


نحن نقف عند فجر مرحلة جديدة. وقد بدأنا اهم عقد في تاريخ البشرية مرحلة الابتكارات التكنولوجية المبهرة, مرحلة الفرص الاقتصادية الغير مسبوقة, مرحلة نهضة ثقافية عظيمة.

ولكن القضية هي كيف نُعد اطفالنا لكل هذا” John Nasibitt الأبوة من الممكن ان تكون احد اهم اسباب السعادة في الحياة. ومن الممكن ايضاُ ان تكون مسئولية ثقيلة ومزعجة. لذلك على الاباء التعرف على واجباتهم المنوط بهم القيام بها تجاه ابنائهم. فليس دور الأب او الأم او الجد او الجدة فقط التربية الجسمانية للطفل. بل هم يشكلون ايضا شخصية الطفل , ينمون مهارتهم , اخلاقهم , سلوكهم , وصورتهم الذاتية تجاه انفسهم how they feel about themselves. وقد تعاظم هذا الدور الذي يجب ان يقوم به الاباء, بدخول القرن الحادي والعشرين, لأن العالم من حولنا يتغير بصورة اسرع من تغير المؤسسات التي تقوم بتعليم ابنائنا.

وكنتيجة لهذا التغير المتسارع, يحتاج اطفالنا ان يكتسبوا مهارات جديدة تمكنهم من اتخاذ قرارات جيدة. سيكون امامهم العديد من الاختيارات. وسيكون على الآباء مسئولية التفكير في القيم التي يريدون ان يربوها في ابنائهم حتى يتمكنوا من التعامل مع هذا التغير. نقلاُ عن Fortune Magazineاوضح اصحاب الاعمال ان هذه الصفات هي مهارات التعامل interpersonal skills, الثقة بالنفس self-esteem, القدرة على حل المشكلات problem-solving skills, التفكير الخلاق creative thinking, مهارات القيادة leadership skills, المرونة resilience, التكيف مع التغيرات ability to adapt to change, المبادرة initiative.

المدارس لا يمكنها نقل هذا الكم المعرفي الذي اصبح يتضاعف من سنتين الى ثلاث سنوات. فالابوة لم تعد بالشيء الذي يمكن ان نتركه يحدث بدون دراسة وتخطيط جيد, خاصة في هذا العالم المتغير بتلك السرعة. فالتربية تحتاج الى تخطيط طويل الامد long-term planning للوصول بالطفل الى الشخص القادر ان يخرج الى هذ العالم المتغير, فكيف نعمل كل ما بوسعنا حتى نرى الاطفال التي نربيهم يكتسبون القيم التي يحتاجونها, ويصلون للصورة التي نتمناها.

كتاب “التربية الهادفة” الهدف منه ان يساعدك في ان تكون اكثر وعياً بالمهارات, والعادات, والسلوك, والرؤى, والقيم, التي تتمنى ان تنميها في اطفالك. وان نتشارك معك في بعض الاستراتيجيات الفعالة ,من خلال خبرتنا كآباء ومعلمين, لتنمية تلك الصفات. و لأن العامل الاكثر تأثيرا في تربية الطفل هو النموذج الذي يقدمه الأب او الأم, سنعرض لك بعض الافكار لتنمية هذا النموذج حتى تصبح اكثر تأثيراً. وكبداية حاول الاجابة على تلك الاسئلة:

ماذا تريد لأطفالك ؟
ما هي الاحداث والخبرات التي ساهمت في تكوينك ؟
ما هي القيم التي تعتقد انها اكثر اهمية من أي شيء, وتريد تنمياتها في اطفالك ؟
ماذا تريد حقيقة لأطفالاك ؟
اجابة هذا السؤال “ماذا نريد لاطفالنا؟” هو العامل الرئيسي الذي يحدد تكوين الطفل. الصفات التي نريدها في اطفالنا تحدد لنا كيف نربيهم, ما الذي نتحدث فيه معهم.
معظمنا كآباء نريد اشياء مشتركة في اطفالنا. فعندما سُؤِل آباء من ثقافات مختلفة عن الصفات التي يريدون تربية اطفالهم عليها كانت الاجابات كالتالي:
تحمل المسئولية و الاعتماد على النفس
القدرة على التمييز والاختيار الجيد
الحصول على تقديرات مرتفعة في المدرسة
القدرة على حل المشكلات
التعاطف والاحساس بالآخرين
الصحة الجيدة
الثقة بالنفس
شغف التعلم والتفكير

اما نحن كمؤلفين لهذا العمل نعتقد انه من الاهمية ان يمتلك اطفالنا الاحساس بالامل والحماس للحياة. نتمنى ان يكون لديهم الشغف Passion والتحمس لكل ما يفعلونه في حياتهم. ان يكون لديهم مشاعر ايجابية تجاه انفسهم وان تكون تصرفاتهم من منطلق الثقة بالنفس self-assured. نأمل ان نراهم متحملين المسئولية و مسئولين عن تصرفاتهم.

ماذا تريد لأطفالك ؟ سؤال هام يجب ان تأخذ الوقت الكافي لتجيب عليه حتى تعرف تماما القيم التي يجب ان تربيها في اطفالك. الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو ان نساعدك في تحديد ذلك وبعدها نساعدك ببعض الاقتراحات و الافكار التي يمكنها ان تعزز تلك القيم. لقد اكتشفنا انه اذا استطعت ان تحدد تماما تلك القيم او الخصال ستكون بالفعل قد بدأت التربية الهادفة.

ذكريات شخصية ذات اهمية

ان افضل نقطة ننطلق منها نحو تربية هادفة هي بأنفسنا. فلقد بدأنا مسئوليتنا كآباء ونحن محملين بذكريات الماضي. نحن في الحقيقة نتيجة تشكيل تجاربنا وذكرياتنا السابقة. بعضها ذكريات مُفرِحة, وبعضها مؤلم, والآخر هام لأسباب مختلفة. تلك الذكريات الهامة تلعب دور هام في تكويننا ولها تأثير كبير على اطفالنا. لذلك يجب ان نكون واعين لكيفية تأثير هذه الخبرات والذكريات في تشكيلنا ونحن نعامل ابنائنا.
ونحن ايضا كمؤلفين لهذا العمل مررنا بتلك الخبرات. كمثال بوب يتذكر وهو صغير انه كان من تقاليد عائلتهم ان يقوم الطفل بتقديم موهبته امام العائلة في الاعياد والمناسبات الخاصة. ويتذكر بوب احساسه بالاحراج والاشمئزاز من القيام بهذا امام اعمامه وعماته واقاربه. ويتذكر ذات مرة عندما اختبأ في البدروم حتى لا يقوم بذلك. وكنتيجة لهذا لم يطلب ابدا من اطفاله ان يقوموا بهذا, وربما يكون هذا احد اهم مواهب ابنائه او لا. بينما مارلين على الناحية الاخرى كانت تستمتع بالترنيم في كورال الكنيسة امام جميع الناس. وهو ما يمكن ان لا تفضله ابنتها.

خذ بعض الوقت لتفكر في الذكريات الهامة في حياتك قم بكتابتها. راجع ذكريات طفولتك وحاول ان تفكر في تأثيرها عليك اليوم وكيف تؤثر في طريقة تربيتك لأطفالك.

الإطار العام لتنمية الفضائل والقيم

لا شك في انك لديك بعض الفضائل والقيم التي اكتسبتها من طفولتك وتريد تنميتها في اطفالك. إلى جانب بعض العادات التي تشعر بقيمتها او تريد تغييرها. فسواء كنت راضٍ عن تلك العادات ام لا, فهي لا شك انها ستؤثر في تربيتك لأطفالك وفي ما ستنقله تلك العادات لهم. معرفتك و تحديدك لتلك العادات والتصرفات تُمكنك من العمل على تثبيتها في اطفالك اذ كنت ترى انها جيدة, او تغييرها حتى لا تصل الى اولادك.

في الفصول التالية سنقوم بعرض بعض الاقتراحات لتعذيذ خمس فضائل معينة, تم التفكير والعمل عليها على مدى سنوات طويلة. هذه العملية تم بنائها من خلال اشباع الطفل بخمس احتياجات اساسية وهي: الاحساس بالامان sense of security, الاحساس بالهوية sense of identity, الاحساس بالانتماء sense of belonging, الاحساس بالغاية sense of purpose, الاحساس بالكفائة الشخصية sense of personal competence. وعلى مدى سنين طويلة تم اختبار تطبيق تلك المفاهيم في العديد من المدارس, وقد اقر الآباء والمدرسين والمتخصصين ان اشباع الطفل بتلك الاحتياجات تساعد على تكوين شخصية مسئولة responsibility, معتمدة على نفسها reliability, مبادرة initiative, تحس بقيمتها self-esteem, تثق بنفسها confidence, مرنة tolerance, ومتحفزة motivation.

لقد تم ذكر الثقة بالنفس self-esteem لأننا نؤمن بأهميتها الكبرى. لقد ذكر احد اهم علماء علم النفس ان الثقة بالنفس self-esteem احتياج بشري اساسي. ولا نقصد بالثقة بالنفس الافراط في المديح الذي يصل بالطفل الى الغرور وانما نعني المعنى الحقيقي للثقة بالنفس الذي ينمو عندما يشعر الطفل بالامان فيشعر بمشاعر ايجابية تجاه نفسه ويشعر بانه مُقدر من الآخرين ومن ثم يحس بأنه كفء ليعتمد على نفسه.

لذلك فلا ينطوي هذا المعنى على مجرد شعور ايجابيي تجاه الذات انما ايضا الاحساس بالكفائة للاعتماد على نفسه. تنمية هذا الاحساس الصحي يحتاج الى بيئة صحية تمكنه من تنميته.

وانطلاقاً من خبرتنا التي اثبتت ان الفرد يصبح اكثر سعادة عندما يتم اشباع احتياجته الاساسية, سوف نركز على الاستراتيجية التي تمكن الطفل من اشباع احتياجه من الامان, الهوية, الانتماء, الغاية, الكفاءة. والتي نعتقد ان هذا الاطار من العمل من الممكن ان يكون ذات قيمة لنا كآباء كما لأولادنا.

الاحساس بالامان

هذا هو اول مفتاح من المفاتيح الخمسة لتربية الطفل على القيم والمبادء. حتى ننمي الاحساس بالامان لدى الاطفال, يجب ان نعامل اطفالنا بحب واحترام, ان تكون هناك قواعد ثابتة واوضحة لهم, وان نؤمن بان لديهم القدر الكافي من القدرة لقيامهم ببعض المهام. فهم يحتاجون ان يتعلموا تحمل مسئولية افعالهم وان يتعلموا تقبُل العواقب التي يمكن ان تنشأ. وتلك هي صفات من يشعرون بنقص في الامان ومن يشعرون بالامان الكافي:

الاحساس بالهوية

المفتاح الثاني للاطفال ان يكون لديهم ذلك الاحساس الايجابي بالهوية. هذا الشعور هام لان الاطفال يتصرفون بالطريقة التي تتسق مع الصورة التي يرون فيها انفسهم. فالذين لديهم مشاعر ايجابية تجاه انفسهم, يتصرفون بطريقة ايجابية مع الآخرين. وفي الناحية الآخرى أولائك الذين يشعرون بمشاعر سلبية ميالون لمعاملة الاخرين بطريقة سلبية. وتلك هي صفات ¬¬¬من لديهم نقص في مشاعرهم الايجابية تجاه انفسهم ومن لديهم مشهعر ايجابية تجاه انفسهم:

الاحساس بالانتماء

المفتاح الثالث هو الاحساس بالانتماء. فنحن جميعا نحتاج الى هذا الشعور, حتى نشعر بالقبول والدعم من الآخرين. نحتاج ان نشعر بأننا جزء من مجموعة اكبر. وهذا الاحتياج يتحقق اولا في المنزل او العائلة المهتمة بافرادها. وحتى نحقق هذا, على الاطفال ان يتعلموا المهارات الاجتماعية الاساسية حتى يتمكنوا من التعاون مع الآخرين في توافق وانسجام. وتلك هي صفات من لديهم نقص في الاحساس بالانتماء وايضا صفات من لديهم إحساس قوي بالانتماء:

الاحساس بالغاية

المفتاح الرابع هو هو ان نشعر بأن العمل الذي نقوم به والحياة التي نحياها ذات معنى وقيمة. لقد اسميناه “الاحساس بالغاية Sense of purpose”. وهذا المعنى ينطوي على احساس الاطفال بالصلة بما يفعلونه ويبذلون من جهد بما هو هام بالنسبة لهم. وهو يساعدهم على ان تكون لهم رؤية فيما يريدون ان يحققوه وماهية الشخص الذي يريدونه. وهو ايضا ينطوي على المباديء والقيم التي يريدون ان يعيشون بها. وتلك هي صفات من لديهم نقص في الاحساس بالغاية ومن لديهم احساس قوي بالغاية:

الأحساس بالكفائة الشخصية

المفتاح الخامس هو ان يشعر المرء بأن لديه القدر الكافي من القدرة والكفائة لمواجهة تحديات الحياة, وقد اطلقنا عليه “الاحساس بالكفائة الشخضية Sense of personal competence”. وهذا يتطلب الاحساس بالاستقلالية و خبرات اخرى تتحقق مع الوقت. وتلك هي صفات من لديهم نقص في الاحساس يالكفائة ومن لديهم احساس الكفائة الشخصية.

من الخبرة السابقة, قد وجدنا انه من الافضل تنمية تلك الاحتياجات بالترتيب. لانه إن لم يشعر الاطفال بالامان, من الصعب عليهم ان يكونوا صادقين تجاه انفسهم والاخرين في احساسهم بهويتهم. وهكذا إن لم يتمكن الطفل من الاحساس بهويته, سيكون من الصعب عليه التواصل مع الآخرين لتنمية الاحساس بالانتماء. الذي ربما لا يحدث قبل سن الثامنة او التاسعة. لذلك نحن نرجح التركيز على تنمية تلك العناصر بالترتيب. وكلما استطعت ان تهيء للطفل المناخ المناسب لتسديد تلك الاحتياجات, ستمكن الطفل من تنمية مهاراته المختلفة وان ينمو بشخصية اكثر فاعلية.

دور الاباء والاجداد والاسرة ككل

“الاحساس بالقيمة ينمو في مناخ يقدر الاختلافات الفردية, مناخ يتقبل الخطأ, مناخ تكون فيه قنوات الاتصال مفتوحة, وقواعده مرنة, مناخ رعاية اسرية” Virginia Satir

أُسُر اليوم تختلف في حجمها وشكلها عن الاسرة التقليدية المكونة من زوجين, والتي تلتزم فيها الزوجة المنزل لرعاية الاطفال. اليوم هناك اشكال مختلفة للأسرة، يقوم فيها بدور التربية الأب او الأم, او حتى الجد والجدة في حالة انشغال الأب والأم. ولكن بغض النظر عن تركيب الاسرة, يجب التركيز على تربية الطفل بجهد واعٍ وبتخطيط وهدف واضح.

هذا الكتاب يهدف الى تقديم مفاهيم واقتراحات لكل من يقوم بدور في تربية الطفل. نقصد في الاساس الوالدين ولكن بالطبع من الممكن ان يأخذ بها الجد والجدة وكل اعضاء العائلة الاكبر (العم – العمة – ……………).

ما يتعلق بتكوين الاسرة

قامت العديد من الابحاث على دراسة تكوبن الاسرة على الطفل. واوضحت ان الاطفال الذين يتربون بين والديهم, لديهم مزايا عديدة عن اي شكل آخر ولكن بشروط معينة. فمثلاً عندما يعمل الابوين, وجِد ان الاطفال يقضون مع والديهم وقت اقل من نماذج من الاسر الآخرى. فالاباء الذين لدى كل منهم عمله, يجدون من الصعوبة ايقاف تأثير العمل عليهم, والانتباه لاحتياجات الطفل, حتى مع وجودهم بالمنزل. واثبتت الابحاث ان عدد الساعات الطويلة التي يقضيها الآباء بعيدا عن المنزل, ليست ذات اهمية اذا قورِنت بنموزج التربية الجيد الذي يقدمه الاب او الام عندما يتواجد بالمنزل. تخصيص وقت تتواجد فيه بشكل كامل هو المهم.

في هذه الايام, ان نجد الوقت الذي نأكل فيه جميعا كاسرة اصبح نادراً. فهناك اسرتان فقط من كل 20 اسرة يتناولون العشاء مع بعضهم كأسرة واحدة. ولكن الدراسات اثبتت ان من اهم اولويات بناء الاسرة هو تناول العشاء معاً.

أهمية السنوات الاولى

حسب الابحاث التي تمت على العقل البشري في الثمانينات والتسعينات, اتضح ان السنوات الثلاث الاولى هي الاكثر اهمية في تنمية الطفل. لأنه خلال تلك الفترة يتطور ذكاء ولغة الطفل. وقد اوضحت دراسة انه خلال السنوات الثلاث الاولى من عمر الطفل كلما قضت الام ساعات اطول في العمل, كلما انخفض التقدم اللغوي للطفل. وقد اوضحت ايضا ان الاطفال الذي يقضون اكثر من 30 ساعة اسبوعياً في الحضانة, طلباتهم كثيرة, اقل خضوعاً, اكثر عدوانية من اقرانهم الذين يقضون الوقت مع العائلة بالمنزل.
اوضح بروفسور في جامعة هارفرد ان هناك سبعة اشكال مختلفة للذكاء واشار إلى انها نتاج التفاعل بين العوامل الوراثية والبيئة. بعبارة اخرى هي مزيج الرعاية والطبيعة. وقد كشفت العديد من الابحاث الحديثة على الدماغ ان المهارات الفكرية التي يُعتقد انها فطرية, هي في الواقع اكثر حساسية لبيئة الانسان. في الواقع، يمكن تعديل معدل الذكاء صعودا أو هبوطا تبعا لطبيعة البيئة المحيطة للطفل. مستوى الذكاء يمكن أن ينخفض عندما يكون الطفل تحت ضغوط كبيرة. كثير من الاباء الشباب, الذين يضعون في اعتبارهم اهمية تلك السنوات الاولى, يفضلون التفرغ من اعمالهم تلك الفترة. الكثير من الامهات بعد اجازة الوضع يفضلون آلا يعودو إلى العمل بدوام كامل بل بدوام جزئي او اي ترتيب آخر. البعض الآخر من الأسر يفضلون التضحية بمستوى معين في المعيشة بالسكن في مكان اقل تكلفة في مقابل التواجد اكبر وقت بالمنزل, في تلك السنوات التكوينية الاولى للطفل. بيئة المنزل المثالي يجب أن تساعد على خلق مناخ ينمي ستة عوامل هي : التحدي والحرية والاحترام والدفء، والسيطرة ، والنجاح. في ظل تلك الظروف وفي جود حب غير مشروط, يدخل الطفل للمدرسة وهو مُهيأ جيداً.

تأثير العلاقات الأبوية

طبيعة العلاقة بين الاب والام, لها التأثير المباشر فيما يشعر به الاطفال تجاه انفسهم. لان الاطفال لا يمكنهم ان يروا انفسهم مباشرة, هم يتعرفون على انفسهم من خلال الصورة التي يتلقونها من والديهم. فالوالدين اشبه بالمرايا التي يرى فيها الاطفال انفسهم. وتظل هذه الصورة مع امتداد عمرهم. يساهم كل من الاب والام بأدوار مختلفة في تربية الاطفال. تلك الادوار بشكل عام تُكمِل بعضها وتشعِر الطفل بالحب والعاطفة بطرق متعددة.اولاً وقبل كل شيء, هو كيف يتعامل الوالدين مع بعضهم. فالحب المتبادل بين الاب والام هو بمثابة الاساس ذو الاهمية الاعظم. في وجود الحب بين الاب والام, تضعف جداً فرصة الطفل في استغلال احدهم ضد الآخر. في وجود الحب بين الاب والام يُخلق المناخ الذي ينقل هذا الحب للطفل.

تقوم الام بدور هام جدا في تنشئة الطفل. فالام الواضحة في اولويتها والقيم التي تحترمها, تنشيء طفل جزء من تكوينه تلك القيم والاولويات. فإن كان مثلا القيمة العظمى عندها هو التعليم, سينشأ طفل اهم قيمه عنده هو مستوى تقدمه في المدرسة. ولكن بينما الام لها التأثير الاكبر في تكوين الصورة الذاتية لدى الطفل, هناك ايضا الكثير ما يبرهن على اهمية دور الاب.

يجب ان يدرك الاباء ان مسئوليتهم اكثر من مجرد الممول. فهم يقومون بدور هام في تنشئة الطفل مع الام. الدراسة تدعم حقيقة ان الدفء والاهتمام الذي يعبر عنه الاب تجاه الطفل له تأثير كبير على مستوى احساس الطفل بقيمته.

فالاب المحب واللطيف في تعامله مع ابنه, يصل بالطفل الى مستوى عالي جداً من الثقة بالنفس, خاصة بالنسبة للأبناء. وبالطبع البرودة واللامبالاة في التعامل تُضعِف جدا هذا الاحساس بالقيمة للأولاد او البنات. استمرار الانتقاد, والاعتراض المستمر يولد الشعور باليأس, وعدم الثقة بالنفس, وافتقار الحافز, وانتقاد الاخرين. ومع ذلك، فإن الغريب هو أن اللامبالاة أو عدم الاهتمام هو أكثر ضررا من الانتقاد.

دور الاباء في فترة المراهقة هام جداً. فعندما يكون الاباء مشاركين بفاعلية في حياة ابنائهم, يصبح الاولاد اقل عدوانية, اقل حدة واكثر انضباطاً. على الناحية الاخرى, افتقار الاهتمام او غياب الاب مرتبط بعدم الثقة بالنفس, العنف, ضعف التقدم العلمي, الجريمة. وفي حالة البنات عدم اهتمام الاب, تحاول ان تعوضه البنت في البحث عنه مع الاولاد الاكبر سنا.

قدر الاتصال والتفاعل بين الاباء واطفالهم له تأثير على ما يشعر به الطفل تجاه نفسه. حينما يوجد قدر كبير من التفاعل الايجابي, يشعر الطفل بمشاعر ايجابية تجاه نفسه. وعلى العكس غياب الاتصال والتفاعل بين الاباء واطفالهم, يساعد على ضعف الثقة بالنفس. هذا التفاعل هام خاصة في مرحلة المراهقة.

كيفية رد فعل الوالدين في اوقت الازمات, نظرتهم للحياة, معتقداتهم, له تأثير في تنشئة الطفل, ونظرتهم نحو انفسهم. الطريقة التي يتعامل بها الاباء في حياتهم, تمثل النموزج الذي يتخذه الطفل, فالطفل يتعلم من المثال والتجارب.

هناك ما يبين ان الوالدين الذين عندهم ثقة عالية بأنفسهم, يربون اطفال عندهم ثقة عالية بأنفسهم, والعكس صحيح. لذلك هناك فصل بالكامل في نهاية الكتاب يقدم اقتراحات تساعد الوالدين في تربية الثقة بالنفس, فتقدم نموزج افضل لأطفالك.

أنماط التربية

وقد أظهرت الأبحاث أن نمط تربية الأطفال ورعايتهم يؤثر بشكل كبير على سلوك الأطفال. الكثير من الاباء غير متأكدين الى اي مدى يجب ان يكونوا صارمين, دائما مترددين بين الحزم والتساهل. لا التساهل ولا الحزم هو الاجابة, لان الافراط في اي من الاتجاهين يسبب مشاكل للطفل. من الهام ان يكون الوالدين “موضع سلطة” authoritative. “موضع سلطة” تعني ان الوالدين يضعون حدوداً طبقا للمرحلة العمرية بناء على اسباب طبيعية ومنطقية, في نفس الوقت التي تُظهر فيه الحب والرعاية. هذا التوازن هام جدا في البيت من اجل نمو الطفل.

يصف الكاتب Leon Canerot في كتابه Tips on Parenting Strategies اربع انماط للتربية :

1- رئيس مجلس الادارة Chairman/Chairperson
يتضح في هذا النمط ان رئيس مجلس الادارة هو المسئول, ولكن الطفل هو احد اعضاء مجلس الادارة فيشترك مع الاب والام. تكون العلاقة بينهم هي الاحترام المتبادل والمشاركة. رئيس مجلس الادارة هو القائد, ومنوط به اتخاذ القرارات الكبيرة والنهائية, ولكن الطفل له دخل في صنع القرار ويستطيع ان يختار في الحدود الواضحة والمعرفة جيدا. هناك اتزان بين المسئولية والحرية التي تنمي وتقوي الاحساس بالمسئولية, التحكم في النفس, والثقة بالنفس. هذا النمط من التربية يهيأ للطفل جيداً المناخ الذي يتعرف فيه على نفسه, على امكانياته, ويدرك انفراد شخصيته uniqueness . يجعلهم يشعرون بالثقه في انفسهم والاخرين والمستقبل.

2- الآمر Commander
النمط الآمر هو النظام السلطوي. كلمته او كلمتها هو قانون. لا جدال, لا تفاوض, وعادة القليل جدا من الحوار. هذ النظام الصارم, كل شيء فيه في يد الاب او الام. كل شيء فيه أبيض او اسود, والقواعد مقدسة. المشاعر لا يُعبر عنها ولا يُشجع على ذلك. عيوب هذا النمط من التربية واضحة, ولكن فيه يعرف الطفل جيدا ما يجب ان يفعله وتوابع عدم فعله. ولكن نتيجة تربية الاسرة بهذه الطريقة هي تنشئة طفل مُوجه الى ما يجب ان يفكر فيه, وليس تعليمه كيف يفكر او يشعر. فيفتقد اكتشاف نفسه والاحساس بقيمته.

3- المرشد Counselor
هو دور الطبيب النفسي الذي يتكلم و يتحاور باحثاً عن الاسباب الحقيقية لسلوك الطفل ويحاول ان يقنعه بوجهة نظره. والطفل عادة امامه العديد من الخيارات ويحاول ان يفعل نفس الشيء مقنعا الوالدين بوجهة نظره حتى يصل الى مراده. احيانا الارشاد مناسب ومطلوب, لكن في هذا النمط يكون الوالدين في حالة تفاوض مستمر. لأن الاسُس مبهمه, كل شيء قابل للتفاوض والخيارات كثيرة ومربكة. الاطفال الذين ينشئون في تلك البيئة يميلون الى تعدي الحدود, معتقدين ان من حقهم ان يكون لهم نفس السلطة في اتخاذ القرار. اهم عيوب هذا النمط هو صعوبة تعاملهم مع الاكبر منهم.

4- الأب الصديق Peer Parent
هذا النمط يريد فيه الاب ان يكون صديق, يشعر الطفل بانه معه على قدم المساواة في اتخاذ القرار. يحاول الاب او الام ان يصاحب الطفل هو واصدقائه, مشجعا له ان يناديه باسمه مباشرة. الاب او الام يحاولون ان يشاركون الطفل في اسراره, واحيانا الحديث مع الطفل عن الطرف الآخر. وهنا لا يوجد كيان هيكلي Structure, هناك حدود قليلة. وهنا يشعر الطفل بان عنده تفويض ليفعل اي شيء cart blanch. هنا يتدخل الوالدين في جميع التفاصيل, ولا يتدرب الطفل على الاعتماد على نفسه والتفكير المستقل.

اظهرت الابحاث ان نمط تربية رئيس مجلس الادارة هو الاكثر فاعلية في بناء شخصية مسئولة ومرنة. ونود ان نؤكد ايضاُ على اهمية تقديم النموزج مع النصح Model and Mentor. الاطفال يقلدون ويتذكرون ما نفعله اكثر مما نقوله.


القاعدة الاولى: دائما اظهر الاهتمام
القاعدة الثانية: اجعل من نفسك نموزج تطبيقي للطفل M&M(Model and Mentor) Parent.

تأثير الاهانة او الاساءة The impact of abuse
كل الاطفال حتى الذين تقل اعمارهم عن الثالثة, حساسين لما يتلقونه من والديهم. فعندما ينشئون في بيئة في حالة من الفوضى و الصراع, يشعرون بعدم الامان وعدم الثقة بالنفس.
هناك ما يكفي من البراهين التي توضح ان كل انواع الاهانة لها تأثير مدمر على الطفل. 50% من ضحايا التعامل المهين يعانون من عدم الثقة بالنفس. ويظل تأثير الاساءة في مرحلة المراهقة وحتى البلوغ. ونسبة كبيرة من هؤلاء الاطفال لا يتعافون تماما من مثل تلك المعاملة. واحتمال ان يعاملون الاخرين بنفس الطريقة المهينة والمسيئة 10 مرات قدر اصحابهم. الاساءة العاطفية، بما في ذلك من صراخ ، الانتقاد المستمر، مناداة الطفل بأسماء محرجة، أو الرفض العاطفي ، يكون حتى أكثر ضررا نفسيا من الإساءة الجسدية.

الدراسات الطويلة الأجل للأطفال الذين تعرضوا للإساءة وجدت أنه حتى بعد مرور خمس سنوات، يظل الطفل يعاني من تدني احترام الذات، الاكتئاب ، أو خلل سلوكي. الاحساس السلبي بالهوية وعدم الثقة بالنفس الناتج عن خبرات الطفل السيئة بالمنزل, تجعل المراهقين يهربون من والديهم جسديا او حتى عاطفياً.

ملخص

كأب او أم انت تختار كيف تتعامل مع طفلك. اجعل من نفسك الاب الذي تريده لطفلك, اجعل من الوقت الذي تقضيه مع طفلك مفيد الى اقصى حد, قم بتنمية علاقة الحب معهم. المنزل هو العامل المحدد لما يشعر به الطفل تجاه نفسه والسلوك الذي ينميه. ابدأ بنفسك, في تلك العملية, اجعل من نفسك نموج تطبيقي.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 521

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى