انت هنا : الرئيسية » البيئة والتنمية » تداعيات ازدياد وتضخم حجم المدن

تداعيات ازدياد وتضخم حجم المدن


أ.د. كاظم المقدادي

من نتائج النمو غير المخطط إزدياد حجم المدن. ولإزدياد حجم المدن ابعاد إقتصادية ومعيشية وإجتماعية وبيئية. فقد قدر أن ثلث سكان الحضر في البلدان النامية ( حوالي 450 مليوناً عام 1990) يعيشون في أكواخ وأحياء فقيرة.

وتتفاوت النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون في تلك المناطق تفاوتاً ملحوظاً من مدينة الى أخرى، ومن بلد الى اَخر، ولكن العامل المشترك بينهم هو عبارة عن مستوطنات مكتظة دون المعايير الإنسانية، محرومة من إمدادات المياه النظيفة والمرافق الصحية والخدمات المختلفة، ومن أهمها جمع النفايات.

كثيرون من أفراد هذه الجماعات السكانية عاطلون عن العمل، ويعانون من سوء التغذية والأمراض المزمنة، ويشار إليهم في الكتب والمراجع المختلفة بسكان المناطق الهامشية أو فقراء المدن، وهم من أكثر الفئات السكانية دماراً للأنظمة البيئية.

وقد سجل عام 2007، معْلماً بارزاً في قصة تاريخ المجتمع البشري، لا يقل أهمية عما سجلته المرحلة الزراعية، والثورة الصناعية من قبل. فللمرة الأولى في التاريخ، تقطن أغلبية السكان، في مناطق حضرية جد واسعة، وفقاً للتقرير الصادر عن الأمم المتحدة، الذي توقع سكنى الكثيرين في المدن الكبيرة وامتداداتها في الضواحي، حيث تبلغ الكثافة السكانية نحواً من 10 ملايين نسمة، أو ما يزيد على ذلك. وبهذا، فها نحن وقد تحولنا بغتة إلى “كائنات حضرية”! ويشكل هذا الاحتشاد للبشر، وسكناهم فوق بعضهم بعضاً، بهذه الأعداد الهائلة في المراكز الحضرية، ظاهرة جديدة في التاريخ.

ولنذكر هنا أنه وقبل 200 عام خلت، كان متوسط إجمالي السكان الذين يلتقيهم الإنسان طوال حياته كلها، يتراوح بين 100 إلى 300 شخص لا أكثر. أما اليوم، فإن في وسع أحد سكان مدينة نيويورك، أن يعمل بين 220 ألف نسمة، في قطر لا يتجاوز طوله المشي لحوالي 20 دقيقة فحسب، من منزله أو مكتبه في وسط مانهاتن.

أما في التاريخ القديم، فلم تكن ثمة سوى مدينة واحدة، تباهي بعدد سكانها الذي زاد على المليون نسمة، قبل حلول القرن التاسع عشر، ألا وهي روما القديمة. وفي عام 1820، كانت لندن هي المدينة الحديثة الأولى، التي تعدت كثافتها السكانية المليون نسمة. لكن وبحلول عام 1900، كانت هناك 11 مدينة، تجاوزت كثافتها السكانية المليون. ثم قفزت هذه المدن إلى 75 مدينة في عام 1950. وفي عام 1976، كانت هناك 191 منطقة حضرية، يزيد عدد سكانها على المليون. أما اليوم، فهناك ما يزيد على 414 مدينة يتجاوز عدد سكانها المليون، بينما تمتد عملية التحول باتجاه المناطق الحضرية على امتداد الأفق، جراء الانفجار السكاني المنذر المهول، حيث يولد نحو 376 ألف طفل كل دقيقة في كوكبنا. كما يتوقع أن يزيد تعداد السكان، ليصل إلى 9 مليارات نسمة بحلول عام 2024، يقطن معظمهم في المناطق الحضرية المكتظة.

وطالما بقي الجنس البشري، معتمداً فيما مضى، على تدفق الطاقة الشمسية، وعلى الرياح وتيارات المياه، وكذلك على قدرة كل من الإنسان والحيوان معاً على البقاء والاستمرار في الحياة، فقد حافظ التعداد السكاني على انخفاضه النسبي، كي يتمكن من التكيف مع قدرة الطبيعة وسعتها لدعم الحياة، أي على قدرة الغلاف الجوي على تدوير النفايات وتجديد الموارد الطبيعية. وكانت نقطة التحول هي إحياء كميات مهولة من الطاقة الشمسية المختزنة، أولاً في شكل مستودعات الفحم الحجري، ثم استخراج النفط والغاز الطبيعي من تحت سطح الأرض.

ثم جاءت الماكينات البخارية لتدعم هذا التحول، لتلحق بها فيما بعد ماكينات الاحتراق الداخلي. وعلى إثر تحويلها إلى طاقة كهربائية توزع عبر شبكات الطاقة المنتشرة، فقد مكنت مصادر الطاقة الأحفورية، الجنس البشري من ابتكار تقنيات جديدة، أحدثت بدورها زيادة مهولة في قدرة البشر على إنتاج الغذاء وتصنيع السلع والخدمات. وبالنتيجة، فقد أسفرت هذه الزيادة غير المسبوقة في الإنتاجية، عن حدوث زيادة كبيرة في تعداد الجنس البشري، وفي تحويل العالم نفسه إلى مراكز حضرية.

والحال هكذا، فليس ثمة عجب في ألا يدري المرء في هذا المنعطف التاريخي الكبير الذي طرأ على ترتيبات حياة المجتمعات البشرية، ما إذا كان واجباً الاحتفال بهذه التحولات، أم البكاء منها، أم حتى مجرد الإقرار بها كحقيقة عينية ماثلة؟ ذلك أن هذه الكثافة السكانية المهولة، وما اصطحبها من نشوء مراكز حضرية، إنما تم شراؤهما معاً، مقابل تكلفة جد باهظة، ألا وهي موت الأرض والنظم البيئية الشاسعة، والمَواطن الطبيعية للكائنات الحية. وكما لاحظ المؤرخ الثقافي “إلياس كانيتي” ذات مرة، فإن كل واحد منا، إنما هو ملك محاط بحقل من الجثث والأموات. ولو توقفنا برهة وتأملنا، كم من الكائنات الحية والمواد والموارد الطبيعية حُزناها واستهلكناها طوال حياتنا، لاقشعرت أجسادنا خجلاً وحزناً على ما ارتكبناه من مذابح، وعلى كل هذا الاستهلاك الجائر للموارد الطبيعية، بغية تأمين حياتنا نحن البشر!

وكشفت الأمم المتحدة بأنه سيحصل، خلال الـ 25 سنة المقبلة، أكبر نمواً ديموغرافياً في البلدان السائرة في طريق النمو، وإذا كان التوزيع السكاني الحالي مستقر وثابت، فان 60 % من سكان الكرة الأرضية سيعيشون في الأوساط الحضرية خلال عام 2030. وكلما كبرت المدن، كلما تزايد معها عدد السكان الفقراء، وستصبح كل من البطالة، المجاعة، وسوء التغذية، العملة الرائجة في المدن الكبيرة. وحينها يستعمل أكبر دخل لاقتناء التغذية قصد العيش، حيث إن التمكن من الحصول على الأغذية دون شرائها يشكل ربحا، لذلك يسعى الناس إلى الزراعة من أجل توفير الغذاء والحصول على ربح إضافي ببيع المحاصيل.

ولكن الطابع الحضري للمدن يعتبر البلديات الزراعية مشكة لابد من القضاء عليها، بدلاً من أن يعتبرها وسيلة يمكن من خلالها تحقيق حيوية المدينة ومحيطها.هذا مع ان الواقع يدلل بأن الزراعة تمارس في الوسط الحضري منذ زمن بعيد جدا. ونجد في كل الدول النامية رؤساء مجالس البلديات يتوقعون أن الزراعة، المسيرة بطريقة جيدة، تستطيع عملياً أن تساهم في الضمان الغذائي للسكان. وبإمكانها أيضا أن تخلق مجالات عمل، وأن تعمل على استغلال المساحات الخالية في المدينة,

ومن هنا،يهتم مركز البحث والتنمية العالمية CRDI وشركائه بالبحث وتطبيقاته في هذا المضمار، وإقتراناً بهذا،يتطلب الأمر في إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية إنشاء شبكة من المدن تكرس لتفعيل الزراعة الحضرية، وتحسين مصير المنتجات الحضرية.

هذا، وقد كشفت دراسة اعدها المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بان نصف سكان العالم باتوا يعيشون في المدن، وهذا الاتجاه في تصاعد، خصوصا في افريقيا وآسيا التي ستضم معظم المدن الكبرى العالمية في عام 2030. وذكر المعهد في مجلة “سكان ومجتمعات”، في عددها لشهر حزيران/ يونيو 2007، استنادا الى ارقام الامم المتحدة، ان نسبة سكان المدن في العالم تجاوزت في النصف الأول من عام 2007 بالفعل عتبة الـ 50 %. بينما لم يكن في العام 1900 يقيم سوى واحد من كل 10 اشخاص في مدن العالم، وفي عام 1950- حوالي 3 افراد من اصل عشرة. وفي العام 2030 سيقيم 6 افراد من اصل عشرة في المدن، أي نحو 5 مليارات شخص، سيعيشون في المدن (من اصل 8 مليارات) مقابل 3.3 مليار نسمة حالياً.

والقارات الاكثر تطورا اليوم هي القارات التي تضم اكبر عدد من سكان المدن. وتعد نسبة سكان المدن في اوروبا واميركا الشمالية مرتفعة جدا ( 78%) حيث يقيم ثلاثة ارباع السكان في المدن باستثناء اميركا اللاتينية.وفي افريقيا واسيا، وهما القارتان الاكثر كثافة سكانية، يتوقع ان يقيم معظم السكان في المدن بحلول عام 2030 وستضمان معظم المدن الكبرى العالمية.

وبالرغم من هذه الوتيرة المتصاعدة، شهد حجم المدن تطورا ملحوظا.وقد سُجِلت في السنوات الاخيرة زيادة لعدد المدن الكبرى التي يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة. وكان عدد هذه المدن 3 في عام 1975، وهي طوكيو ونيويورك ومكسيكو، واضحت 20 مدينة في عام 2005 (مع طوكيو في الطليعة 35.2 مليون نسمة، ومكسيكو 19.4 مليون، ونيويورك 18.7 مليون.


وتقع معظم المدن التي يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة في دول نامية. وللصين مدينتان من اكثر المدن كثافة سكانية (شانغهاي وبكين) والهند 3 (بومباي ونيودلهي وكالكوتا).

وتضاعف عدد المدن التي تضم بين 500 ألف و10 ملايين نسمة خلال عشرين عاما.وتساءل جاك فيرون- واضع دراسة المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية: هل تشكل النسبة العالية لعدد السكان في المدن عقبة للتنمية ؟ .وأجاب: ان مشاكل “الاكتظاظ” في مدن كبرى جنوبية، وارتفاع مستويات التلوث، وزيادة مدن الصفيح، مؤشرات تدل على تناقض بين ارتفاع عدد سكان المدن والتنمية.واضاف: ان بعض المحللين يرون ان مدن الصفيح يمكن ان تعتبر “مدنا داخل المدينة”، فيها نشاطات متشعبة، لها مكانتها في الاسواق العالمية.

وينطبق ذلك على “درافي” في قلب بومباي، وهي مدينة صفيح يقيم فيها 3 ملايين نسمة.وخلصت الدراسة الى ان العالم يتجه نحو تصاعد عدد سكان المدن في العالم في العقود المقبلة.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 484

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى