انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » دور التربية في معالجة مشكلات البيئة

دور التربية في معالجة مشكلات البيئة


اعداد : الدكتور حمد الدويرى

منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض وهو يتفاعل مع معطياتها فكان همه الاول، ان يدرأ عن نفسه الاخطار الكامنه فيها، والمتمثله في الحيوانات المفترسه، والزواحف السامة، وأن يبعد عنه شبح الجوع والخوف، فاقتات اوراق الشجر وبقول الحقل، واندفع يتغذى على لحوم الحيوانات بعد ان تمكن من اصطيادها،
وسكن المغاور والكهوف وصنع ما يحتاج اليه من عدة تساعده على العيش في هذه البيئه القاسيه.

وهكذا بدأ الانسان رحلة الحضارة بتوجس وحذر شديدين فتمكن بعقله على الدوام، وبصبره وكفاحه ان يحقق انجازات رائعه فتفنن في بناء المساكن فمن فيلات الى ناطحات السحاب، وتفنن ايضا في اختراع الطعام وأصول تناوله ولوازمه، وأبدع في مجال التكنولوجيا وزاد على ذلك نجاحه المتقطع النظير في مجال الاتصالات ووسائط النقل حتى استطاع ان يفلت من سجن الجاذبيه الارضية واصلا الكواكب اخرى في الكون الخارجى.

ويا ليته وقف عند هذا الحد، فقد اندفع في ايجاد وسائل الدمار الرهيبه من اسلحة متطورة ومتنوعة، تذهب بالشجر قبل البشر، فأصبح مصير هذه الارض رهن يديه يعمل بها ما شاء وبدون قيود او حدود فاستنزفت الموارد الطبيعيه، وتآكلت الغابات والمراعى وشقت القنوات والطرق، وحفرت الانفاق وتراكمت النفايات حتى تبدل وجه الارض المشرق الى وجه كئيب، وكأني بهذا السلوك العدواني على هذا الكوكب يخالف تماما الحكمة من قول الحق سبحانه وتعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة/30

بعد هذا اترى ان الانسان بدأ حياته خائفا على نفسه من غوائل الطبيعة حتى انتهى به المطاف الى الخوف على الطبيعة من نفسه.

البيئة

بعد هذا يجدر بنا أن نحاول ابراز مفهوم البيئه بصورة محددة ، فلفظ البيئة أصبح هذه الايام من الالفاظ الشائعة ولكنه يكتنفه الغموض بنفس الوقت، شأنه بذلك شأن الفاظ كثيرة مثل لفظ الديمقراطيه او مبدأ تكافؤ الفرص او الحريه، او الاختيار اذ انها الفاظ متداولة ولكننا عندما نحاول تعريفها تعريفا دقيقا تواجهنا صعوبات كثيرة.

لقد وردت كلمة البيئة على أنها الوسط اوالمحيط وكان اول من استخدم هذا المصطلح (الوسط ـ المحيط) هو العالم الفرنسي اتيين سنث هيلير في عام 1835ليؤكد اعتماد الاجسام العضوية او الكائنات الحيه على بيئتها، أى ان البيئة تقرر مصير الكائنات التي تسكن فيها، وقد افادا وجست كونت (ان فكرة الحياة تستلزم دائما الارتباط الضرورى بين عنصرين لاغنى عنهما، وجود كائن حي ملائم وبيئه ملائمه، ذلك ان ظاهرة الحياة تبرز حتما الى الوجود من خلال التأثير المتبادل بين هذين العنصرين) .

هذا وقد ورد تعريف محدد من خلال البحوث التى اعدتها اليونسكو في هذا المجال يقول (انها مجموعة من النظم الطبيعية والاجتماعية التي يعيش فيها الانسان ، والكائنات الحيه الاخرى التي يستمدون منها زادهم،
وهذا المفهوم يشمل الموارد والمنتجات الطبيعية والمصطنعه التي تتيح اشباع حاجات الانسان) يذكرنا هذا التعريف بقوله تعالى (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ )

وتتكون البيئة من اربعة نظم، ترتبط ببعضها البعض ارتباطا وثيقا وهي الغلاف الجوي، واليابسه ، والماء والمحيط الحيوى، وهذه المجموعة من العناصر في تغير مستمر حتى بدون تدخل بشرى، ولكن النشاط البشرى يؤثر تأثيرا كبيرا على طبيعة هذا التغير ومعدله.

إن نمط بين العلاقه بين البيئة وبين من يتفاعل معها يحدد مدلول البيئه الى حد ما، فيمكن القول أن رحم الم يعتبر بيئة الانسان الاولى، والبيت بيئه، والمدرسه بيئه، والكرة الأرضية بيئة والكون كل بيئة.

هذا ويمكن ان ينظر الى البيئة من خلال الفعاليات التي يقوم بها الانسان فيقال بيئه زراعيّة وبيئه صناعيه، وبيئه حضريه، وبيئه اجتماعيه وسياسيه.

بعد هذا يكنني القول بأن البيئة تشتمل على موجودات طبيعية وحيويه ولكن مع هذا كله يبقى الانسان هو المخلوق الاول والاهم من باقي المخلوقات وهو الوحيد القادر على التحدث عن بيئته والعمل فيها سلبا او ايجابيا وخير دليل على ذلك احساسه بهذه المشكلات التي بدات تفرض نفسها بالحاح على المجتمع الانساني ليجد الحل الناجح لها الا وهي المشكلات البيئة.

المشكلات البيئية

في الماضي لم نكن نسمع ابدا بما يسمى اليوم بالمشكلات البيئية، وهذه المشكلات التى وصلت الى حد الازمه الخانقه التى تهدد الوجود البشرى، ولذلك احتلت مكان الصداره في مجال الاهتمام الانسانى سواء كان ذلك على مستوى المؤسسات ام مستوى المنظمات العالميه، هذا وان المشكلات التى تعانى منها البيئه كثيره، من ابرزها:

أ- التلوث = انه يشمل مجالات عديده

المياه = اصبحت ملوثه نتيجة لتعرضها لملوثات كثيرة عن طريق تسرب المياه العادمه نتيجة لإلقاء النفايات ومخلفات المصانع من زيوت ومواد كيماويه ، وهناك امثله مأساويه في هذا المجال على الصعيد العالمي لا مجال لذكرها مثل الانهار والشواطىء وهناك التلوث الذى يصيب مياه البحار نتيجة للحوادث الكثيرة التي اصبحت تتعرض لها ناقلات النفط الضخمة مما اخذ يهدد الحياة البحريه.

ب – في المجالا الحيوي: تلوث الهواء حتى اصبح غير ملائم للتنفس نتيجة للادخنه الناجمه عن الاحتراق والابخره السامه الناتجه عن المصانع وغيرها.

ج- في مجال اليابسه: ان المشكلات التي تعاني منها اليابسة تتمثل في:

1- النفايات، وبقايا المواد المصنوعه
2- الاعتداء على الغابات والأراضي الزراعيه وعلى الثروة الحيوانية حتى باتت بعض الحيوانات مهددة بالانقراض.
3- سوء استغلال الثروات الطبيعية او استنزافها بصورة تخل بالتوازن الطبيعي والحيوي.
4- التصحر: الذي اصبح يشكل مشكلة بيئية حادة تهدد الكائنات الحيه بالموت، والوطن العربي يتمثل فيه هذا الخطر بصورة واضحة.

د- المجال الحيوي يتمثل في:

عدم التوزيع المتوازن للسكان، فالريف مخلخل بالسكان والمدن مكتضة بصورة مزعجه، حيث اصبح توفير الخدمات فيها من الامور العسيرة، وقد نتج عن هذا ارمه المواصلات والمجارى والضوضاء الى غير ذلك كثير ونتيجة لهذا كله فقد تولد احساس، لدى المجتمع الدولي، بالخطر وعظم الازمه، ولذلك تداعت الى عقد المؤتمرات والندوات التي اخذت من خلالها تدق ناقوس الخطر الذي يهدد سلامة الانسان على سطح هذا الكوكب.

وكان من ابرز هذه اللقاءات ما تم في استكهولم عام 1972 بين عدد من وفود الدول المتقدمه والدول الناميه، وقد ابرز المؤتمر على الرغم من اختلاف وجهات النظر بين المشاركين، المخاطر البيئية حتى اعتبر منعطفا اساسيا في تثبيت دعائم فكر يهتم بالبيئه، ومتطلبات المحافظه عليها وكان لهذا وما تبعه من لقاءات اثر كبير في التركيز على توعية الجماهير بالبيئه التي يعيشون فيها وكيفية المحافظة عليها، وهنا يبرز دور التربية في هذا المجال.

التربية البيئية

يتضح لكل قارىء للتاريخ ان التربية هي الملاذ الاساسي الذي تلجأ اليه الامم عندما تصاب في ازمه او تتعرض لنكسه، او يداهمها خطر يهدد وجودها، ولذلك فمن بديهيات الامور ان يكون للتربيه دور في مواجهة هذه الزمة المتزايدة.

فالتربيه على اطلاقها معنيه بتشكيل انسان قادر على التكيف ، ناجح في حل المشكلات التى يتعرض لها وهى معنية بنفس الوقت ان تكسبه انماطا من السلوك الهادف الذي يساهم في بناء حضارة انسانية ولذلك فمهمة التربية تنحصر في ايجاد ذلك الانسان الذي يحافظ على بقائه وعلى بقاء غيره من الكائنات الحيه في حاله اتزان وتناسق كما اراد الله لها ان تكون.

والتربية عملية لا تتم في فراغ بل تتم في وسط بيئي بالمعنى الهام اى انها عملية موضوعها الانسان، ونفس هذا الانسان يعيش في حيز يشتمل على جملة من المتغيرات والعوامل والمؤثرات وعليه فالتربية معنية بمعرفة كل تلك المؤثرات التي تؤثر في الإنسان ويؤثر فيها.

ومن هنا يتضح ان التربيه بشكليها النظامي وغير النظامي معنية بالمحافظة على البيئه من خلال اكساب الانسان جمله من المعارف والقدرات والمهارات والمفاهيم والاتجاهات وأنماط سلوك ايجابيه تضمن حرص الانسان على بيئته وحسن استثمارها وحل مشكلاتها.

ولكن هل التربيه البيئية موجودة ومنذ متى وهل لوجودها دورا واضحا ؟

ان التربية البيئية ذات اصول قديمه تبد أ منذ بدا الانسان يتعلم من الاخرين اما بالقدوة او المحاكاة او بصوره منظمه، كيف يتعامل مع الطبيعة حتى يستطيع العيش بيسر وسهولة. وقد كانت تلك المعلومات المتعلمة والمتعلقة في البيئه متناثرة بين مختلف الموضوعات المقرره، وكان على الطالب ان يجتهد ويحاول ان يربط بين تلك المعلومات ليكون بالتالي مفهوما عن البيئه وفوائدها وضرورة المحافظة عليها.

ويمكن حصر تلك المعلومات في المجالات الحيوية والفيزيائية فقط، اما اليوم فاننا نلمح اهتماما كبيرا في التربيه البيئيه بحيث يمكن اعتبار هذا الاهتمام عاما لدى كافة شعوب العالم.

فعلى المستوى العالمي فقد شكلت منظمة متخصصة في اطار الامم المتحده وهى منظمة UNEPوهي مهتمة في البيئه ودعم التربية البيئية في كافة المجالات وفي مختلف اقطار العالم، وقدر لهذه المنظمة الفضل في تفتح الاذهان والعقول الى ضرورة تبني استراتيجية تربويه تخدم البيئه وتحافظ عليها لان بهذا تخدم الانسان وتحافظ عليه.

اما على مستوى الوطن العربي فلم تحظ التربية البيئية بمعنى الاهتماء الذي تستحقه وخاصة ان البيئة في الوطن العربى تعانى من مشكلات كثيره من ابرزها التصحر وقلة مصادر المياه والتخلخل في التوزيع السكانى.

وان المستعرض للمناهج في معظم النظم التربوية في الوطن العربي يجدها خاليه من المعلومات الاساسيه المتعلقة في البيئة والتي تكفى في نهاية المطاف الى تكوين مفاهيم واتجاهات تتعلق في البيئة او تشكل في نهاية المطاف وعيا بيئيا لدى الطالب اما على الصعيد الوطني فاننا نجد اول محاوله على الصعيد الرسمي كانت تأسيس الجمعية العلمية الملكية التى من اهتماماتها المحافظة على البيئة يضاف الى ذلك ان هناك جملة من التشريعات الاساسيه التي اصدرتها الجهات الرسميه المتعلقه بالمحافظة على البيئه وصيانتها.

تم نلاحظ ان الاهتمامات بالبيئة بدأت تظهر في المناهج الدراسية وإن كنا نطمح بان تكون اكثر اتساعا بحيث تشمل كافة المراحل الدراسيه ، ولكن نرحظ أن هناك محاولات جادة للاهتمام بهذا الجانب التربوي الهام في برامج كليات المجتمع وفي بعض مساقات الجامعات.

لقد آن الاوان من وجهة نظري لان تدخل التربية البيئية مرحلة جديدة، بحيث تعطى ما تستحقه من الاهتمام والرعاية، بحيث تضمن في المناهج الدراسية في الصفوف الدنيا وحتى نهاية السلم التعليمي، حتى بالتالي تحقق أهداف التربية البيئية التي تتلخص :

أ- تعزيز الوعي والاهتمام بترابط المسائل الاقتصادي والاجتماعية والسياسية والبيئية في المناطق الحضرية والريفية.
ب- اتاحة الفرصة للجميع لاكتساب المعرفة والمواقف، وروح الالتزام والمهارات الضرورية لحماية البيئة وتحسينها.
ج- ايجاد انماط جديدة من السلوك تجاه البيئة، لدى الافراد والجماعات والمجتمع ككل. حتى نحصل بالتالي الى تكوين قيم ومبادىء خلقية لدى عامة الناس بحيث تصبح تحترم البيئة وتحافظ عليها، وحتى نحقق مثل هذه الاهداف الكثيره يجب علينا أن نقوم بما يلي :


1- وضع معالم واضحة لاستراتيجية على الصعيد الوطني والقومي تستهدف ارساء قواعد ثابت التربية بين متكامل.
2- اعادة النظر في المناهج والبرامج التربوية، بحيث توزع الموضوعات البينية على كل ان معظم المناهج الدراسية، أو تقدم كوحدات منفصله، أو عمل مقرر دراسي كامل للوقاية البيئية.
3- اعداد المعلمين وتأهيلهم اكاديميا وفنيا حتى يكون بمقدورهم النهوض بهذا النمط التربوي، لان المعلمين الحاليين تنقصهم الكفاءة والخبرة.
4 اعتماد التربية النظامية وغير النظامية في مجال التربية البيئية لان حماية البيئة ونشر الوعي العيني ليس مقصورا فقط على الصغار.
5- يجب على كافة الاجهزة الاعلامية وغيرها من المراكز الثقافية والانديه وكافة المؤسسات الاجتماعية والمنظمات تبني استراتيجية اعلاميه لتعضد التربية البيئية في سبيل نشر الوعى البيئي.
6- لابد من الممارسات العملية في هذا المجال، فعلينا ان نوظف ما نحصل عليه من معارف نظرية في المجال التطبيقي لحل المشكلات البيئية من تلوث وغيره، وأن يتم ايضا من خلال التفاعل الواسع مع مكونات البيئة وما تعانيه من مشكلات.
7- يجب اعتماد اسلوب التربية المستمرة في مجال التربية لان مهمة المحافظة على البيئة لا تقف عند زمن معين بل هي مستمره، وعليه يجب أن تكون هذه التربية مستمرة مدى الحياه.

وبعد هذا كله ،فان معيار نجاحنا هو تشكيل انسان قادر على العيش في حالة من الاتزان والانسجام مع البيئه ولديه القدرة ايضا على حمايتها واستثمارها حتى يضمن لنفسه ولغيره من بني البشر حياة تنعم بالأمن والسلام.

المراجع

1- القرآن الكريم ، سورة البقرة
2- دانيال فيدرات: التربية البيئية بين النظري والتطبيق (مجلة مستقبل التربية عدد 2 لعام 1978 القاهرة: مركز مطبوعات اليونسكو.
3ـ التربية في مواجهة مشكلات البيئة : مجلة التربية الجديدة، عدد 14 بيروت : المركز الاقليمي لليونسكو، 1978
4- رشيد الحمد ،د. صباريني : البيئة ومشكلاتها، : سلسلة المعرفة ٢٢، الكويت لعام 1979
5- غازى ابو شقرا: المشكلات البيئية والتربيه على المستويين الدولي والعربي التربية الجديدة عدد 23 بيروت مكتب اليونسكو الاقليمي 1981.
6- فلا دميرجالوش: ثلاث من مداخل للتربية البيئية: مستقبل التربية العدد الرابع القاهرة: مركز مطبوعات اليونسكو 1973

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 442

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى