انت هنا : الرئيسية » البيئة والتنمية » أزمة العلاقة بين الإنسان والبيئة

أزمة العلاقة بين الإنسان والبيئة


أ.د. كاظم المقدادي

بدأ الإنسان حياته على الأرض وهمه حماية نفسه من غوائل البيئة، وخاصة ما يعايشه من حيوانات مفترسة وكائنات دقيقة تبين له أنها تسبب له الأمراض، وفيضانات، وثلوج، وصواعق، وعواصف، وإنحباس الأمطار،أي ان الإنسان في تلك المرحلة كان يقف أمام البيئة ضعيفاً، يبحث عن وسائل حماية نفسه منها، ولذا فان تلك المرحلة سميت مرحلة حماية الإنسان من البيئة.

وإستنبط الإنسان من بيئته وسائل عيشه من مأكل ومشرب ومسكن ووسيلة إنتقال ووسيلة ترفيه.لكن إستغلال الإنسان للمصادر الطبيعية ، لم يكن أحياناً بطرق سليمة ورشيدة، وإنما كان ذلك الإستغلال بطرق إستنزافية ومسرفة، خاصة المصادر الطبيعية غير المتجددة، كالفحم والبترول والمياه الجوفية الحرية.أما المصادر المتجددة، كالنباتات والتربة والمياه، فقد أسرف الإنسان ي إستغلالها بمعدل يفوق معدل تجددها تحت الظروف الطبيعية.فتعويض شجرة في الصحراء يحتاج الى عشرات السنين، وتعويض طبقة رقيقة مفقودة من التربة يحتاج الى مئات من السنين.

ونجم عن الثورة الصناعية مشكلات التلوث بالمواد الكيميائية التي تقذف بالهواء والماء والأرض، وما يحدث ذلك من تلويث لمأكل الإنسان ومشربه.وهكذا تدرجت العلاقة بين الإنسان والبيئة الى ان اَلت الى ضرر كبير أحدثه الإنسان في البيئة وفي مكوناتها، وأصبح هم الإنسان الأكبر هو حماية البيئة من غوائل فعل الإنسان.إذ برزت هنالك قضايا بيئية عديدة، فرضت على الإنسان ضرورة تنظيم العلاقة بينه وبين البيئة، تنظيم أساسه محافظة الإنسان على البيئة وإستغلاله لمكنوزاتها بشكل صحي، وإلا فان الدمار والزوال هما النهاية الحتمية لحياة هذا الإنسان على هذا الكوكب. ومن هنا فقد إنعكست الصورة، فبعد أن كان هم الإنسان حماية نفسه من غوائل البيئة ( مرحلة حماية الإنسان من البيئة)، تحول هم الإنسان الى حماية البيئة من غوائل الإنسان( مرحلة حماية البيئة من الإنسان).

ولا يفهم من هذا القول ( حماية البيئة من الإنسان) أن البيئة أصبحت في موقف ضعيف، وأن الإنسان هو القوي،كلا !، بل ان هذه البيئة أصبحت خطراً على الإنسان، ولكن بفعل الإنسان نفسه.وهكذا يتضح لنا أن خوف الإنسان من البيئة قديماً قد إنتقل الى العصر الحديث.إلا ان الخوف من البيئة قديماً( في مرحلة حماية الإنسان من البيئة) كان أقل مستوى وأضعف ضرراً منه في العصر الحديث.ذلك أن غوائل البيئة قديماً كانت في معظمها،إن لم يكن كلها، طبيعية، كالفيضانات والثلوج والقحط والخوف من بعض الحيوانات المفترسة.ورغم صعوبة التعامل معها وقتئذ،غلا ان التكيف معها ليس مستحيلاً وتأثيراتها على الإنسان ليست بالمهلكة.

لقد أم الخوف من البيئة حديثاً، فقد بات مرعباً ومستواه عالياً، إذ أنه يهدد سلامة الجنس البشري، ومن بعده الكرة الأرضية التي تحتضنه.ذلك ان المشكلات البيئية الجديدة، كالتلوث بأنواعه، وضعف طبقة ألأوزون، والأمطار الحمضية، وندرة المياه، وقلة الغذاء قياساً بالإنفجار السكاني الهائل، باتت تشكل غوائل بيئية ضخمة، تنذر بكارثة عالمية.

وعليه فان الخوف من البيئة شعور لازم الإنسان قديماً وحديثاً.وإذ كانت معظم مصادر هذا الخوف من البيئة في القديم ترجع لعوامل الطبيعة، فان الصورة قد تغيرت، وأصبحت معظم مصادر الخوف من البيئة ي العصر الحديث ترجع لعوامل بشرية صناعية.على ان الخوف من البيئة حديثاً أشد على الإنسان من الخوف من البيئة قديماً، وذلك للأسباب التالية:

ان مصادر الخوف من البيئة قديماً كانت في غالبيتها طبيعية، وبالتالي فان تأثيرها قد يكون خفياً وضمن الدورات الطبيعية للكائنات الحية.أما الخوف من البيئة حديثاً فان مصادره في معظمها صناعية، وبالتالي فان تأثيرها اشد.

ان مصادر الخوف في البيئة قديماً محدودة ومحصورة العدد، أما مصادر الخوف من البيئة حديثاً فهي كثيرة ويصعب حصرها.

ان مصادر الخوف في البيئة قديماً مستقلة كل واحدة عن الأخرى، ولا ترابط بينها غالباً،إذ قد لا يكون هناك من علاقة تربط بين الفيضانات او الثلوج وبين الخوف من الحيوانات المفترسة او الصواعق، وتؤثر بعضها البعض، وقد تولد بعضها البعض.إذ ان تلويث التربة بالمبيدات قد يلوث المياه الجوفية، ومن ثم الهواء أو الغذاء، وهكذا؟

ان مصادر الخوف في البيئة قديماً كانت ملموسة ومحسوسة في أغلبها، في حين ان مصادر الخوف من البيئة حديثاً قد تكون ملموسة ومسوسة ( كتلوث الماء) وقج لا تكون( كالتلوث الإشعاعي).

ان اَثار المشكلات البيئية قديماً كانت مباشرة، ويمكن ملاحظتها بسهولة وبسرعة، في حين أن اَثار المشكلات البيئية الحديثة قو تكون مباشرة وقد تكون غير مباشرة، كتأثير الأمواج الكهرومغناطيسية مثلاً.
ان تأثير المشكلات البيئية قديماً كان على مستوى سطح الأرض، في حين ان تأثير المشكلات البيئية حديثاً قد إمتد الى طبقات الجو ووصل الى طبقة الأوزون( الطيران النفاث) والى طبقات الأرض ( التفجيرات النووية التي تجرى تحت الأرض).

ان المشكلات البيئية القديم كانت في معظمها محلية وتصيب بقعة جغرافية محددة Local ، في حين ان المشكلات البيئة الحديثة أصبحت في معظمها تتصف بظاهرة العالمية التي لا تعرف الحدود Universal .
ان المشكلات البيئية القديمة كانت تهدد الإنسان وحده، في حين ان المشكلات البيئية الحديثة أضحت لا تهدد الإنسان فحسب، بل وتهدد كوكب الأرض الذي يعيش فيه.

ان الخطر الناجم عن المشكلات البيئية قديماً كان في معظمه وقتياً ومدى تأثيره قصير، في حين ان الخطر الناجم عن المشكلات البيئية حديثاً طويل الأمد وتأثيره قد يستمر لسنوات ويصيب مساحات واسعة من الأرض.


ان التصدي للمشكلات البيئية قديماً كان أسهل، ويمكن مكافحتها والوقوف في وجهها.أما اليوم فان أكثر المشكلات البيئية الحديثة أضحى التصدي لبعضها أملاً يصعب تحقيقه.في هذا الشأن،حذر تقرير صدر عن الصندوق الدولي لحماية البيئة من الاضرار التي لحقت بالبيئة جراء مشاريع اعادة اعمار المناطق التي تضررت بفعل المد البحري او ما عرف باسم “تسونامي”. وقالت شبكة CNN ان التقرير يدعو حكومات تلك البلاد الى ضرورة التحرك لايقاف الاستهلاك المفرط للاخشاب وما يترتب عنه من قطع للاشجار واتلاف للغابات بغرض تنفيذ برامج عشوائية غير مرخصة لاعادة الاعمار بتلك المناطق.الا ان خبير البيئة في المعهد الأسترالي للعلوم البحرية كليف ولنكسون يرى ان ما قام به الانسان من اعمال قبل كارثة “تسونامي”الحقت أضرارا ربما أكبر بسواحل تلك المناطق بعد أن تم إتلاف أعداد هائلة من شجر المنغروف الاستوائي وتحطيم الصخور المرجانية.

وقد عمل عدد من خبراء البيئة على تقييم الاضرار البيئية التي تسبب بها “تسونامي” لمقارنتها بالتي حدثت بفعل البشر والتي يعتقد انها اكثر ضررا مما فعلته الطبيعة بالبشر.

عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 245

اكتب تعليق

© 2016 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى