انت هنا : الرئيسية » البيئة والتنمية » أنواع التلوث الجوي ومصادره وتأثيراته على الانسان وطرق مكافحته

أنواع التلوث الجوي ومصادره وتأثيراته على الانسان وطرق مكافحته

air-pollution (1)
المهندس أمجد قاسم *

التلوث البيئي أصبح الشغل الشاغل لعلماء البيئة والمناخ ، نظرا لتفاقم الوضع البيئي سوءا خلال العقدين الماضيين وما يحدثه هذا الأمر من انهيار كامل النظام الأيكولوجي Ecosystem مستقبلا ، أي حدوث خلل في توازن عناصر النظام البيئي لدرجة عدم تمكن الطبيعة من استعادة استقرارها وتوازنها خلال وقت قصير .

إن تلوث الهواء بالتحديد يتطلب دراسة واعية ودقيقة لكافة نشاطات الإنسان اليومية ، فنواتج احتراق الوقود والمخلفات الصناعية التي تلقى في الجو ، وزيادة النشاط التعديني والاكتظاظ السكاني في المدن ، وعدم الاهتمام بالاتفاقيات الدولية الموقعة ، كلها عوامل هادمة ومدمرة لتوازن الكوكب الأزرق .
والتعريف الدقيق للتلوث الجوي ، يجعل علماء البيئة في حالة اختلاف ، وان كانوا يجمعون علـى تعاريف تحمل صفة العموميات ، فوجود عناصر وجزيئات ومركبات بكميات كبيرة عالقة في الهواء لا تستطيع الدخول في النظام البيئي دون خلل في توازنه وتشكل بالتالي ضررا بليغا على كافة العناصر البيئية مما يفقدها توازنها الأيكولوجي .

الهباء الجوي :

يتكون الهباء الجوي Aerosol من الجسيمات الغروية وشبه الغروية العالقة في الهواء ، والتي توجد بالحالة السائلة كما في الضباب والغيوم أو بالحالة الصلبة كما في الدخان والأبخرة والغبار والرماد المتطاير .

إن الهباء الجوي المتشكل بفعل الصناعة والنشاطات البشرية المختلفة يختلط مع الهواء الجوي المحيط ويذوب في القطرات السائلة أو يمتز Absorb على سطوحها ، ويعتمد استقراره وتوزيعه في الجو على عدة عوامل من أهمها:

لزوجة الوسط المحيط ومعدل الترسيب في الساعة الواحدة .
الشحنات الكهربائية التي يحملها هذا الهباء ، فقد تكون موجبة أو سالبة أو متعادلة .
درجة حرارة الوسط المحيط ، فالهباء ينفر من الأجسام الساخنة بينما يلتصق بالأجسام الباردة .
درجة وشدة الإضاءة في المكان ، فبعض أنواع الهباء كغبار الحديد والأصباغ والغبار الكوني يتحرك بعيدا عن الضوء ، والبعض الآخر يتحرك نحو الضوء كدخان السجائر وهباء الكبريت والكربون .
دورة الهواء في الطبيعة ، فحركة الرياح الأفقية والتيارات الهوائية الصاعدة والهابطة تلعب دورا هاما وخطيرا في انتشار هذه الملوثات وتبديدها أو تركيزها في مناطق محددة ، ومن المعروف أن حركة الهواء هذه تعتمد بشكل مباشر على مناطق الضغوط الجوية المتباينة على سطح الأرض ، فالهواء يصعد في مناطق الضغط المنخفض في العروض دون القطبية ، بينما يهبط الهواء في مناطق الضغط المرتفع في العروض المدارية ومنطقة القطبين والتي يعتبرها علماء البيئة مناطق تجمع للملوثات بعد طردها مـن مناطق نشأتها الأولى.

إن استعراضا سريعا للجدول أدناه والذي يبين كمية الهباء الجوي المتكون في بعض المدن الأمريكية ليوضح حجم ومقدار ما تعانيه هذه التجمعات السكانية من تلوث خطير .
001
أنواع الملوثات الجوية ومصادرها :

تتعدد أنواع الملوثات الجوية وتختلف بشكل كبير تبعا لمصادرها فالدخان الناتج عن احتراق الوقود لأغراض صناعية يختلف عن الدخان الناتج عن محركات احتراق الطائرات والسيارات ، والمواد الكيماوية التي يتم نفثها وإطلاقها في الجو تختلف من مصدر لأخر تبعا لنوع الصناعة وكمية الإنتاج خلال يوم واحد .

إن الهباء الجوي عموما معقد في تركيبه الكيماوي ، فدخان السجائر – مثلا – يتكون من أربعة آلاف نوع من الغازات والمواد المختلفة ، واحتراق الفحم والزيوت الثقيلة ينتج أسوء وأخطر أنواع الدخان ، ومع ذلك فإننا نستطيع أن نحدد بعض أهم هذه الملوثات السامة .

فتحت ظروف احتراق وتأكسد سيئة ينتج أول أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين، أما في ظروف الاحتراق العادية وعند توفر الأوكسجين بشكل كافي ، فينتج ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وثالث أكسيد الكبريت.

بالإضافة إلى أكاسيد النيتروجين الأحادية والثنائية وأثيلات الرصاص ، هذه الملوثات تضم أيضا مجموعة هائلة من الأبخرة والمواد المصاحبة لها كالهيدروكربونات غير المشبعة والألدهايدات والبيروكسيدات والقطران والزيوت الطيارة (والحوامض العضوية وغير العضوية بعد ذوبانها في الماء ) والسخام والغبار والرماد والمئات من المواد الصلبة والسائلة والغازية الأخرى .

هذا من جانب، ومن جانب آخر فان الاستخدام اللاعقلاني لبعض المواد الكيماوية يشكل خطرا داهما على الغلاف الجوي، وما تشهده طبقة الأوزون من تراجع كبير لهو مؤشر واضح على ما تسببه الانبعاثات الغازية من أثر مدمر على البيئة ، فمركبات الفريونات ( كلوروفلوروكربون ) ذات الثبات العالي والمستخدمة في صناعة الثلاجات وأجهزة التكييف وكدواسر في علب الرش ، تتفاعل مع الأوزون الجوي وتحوله إلى أكسجين وبذلك تعمل هذه المركبات على تآكل هذه الطبقة الهامة من الغلاف الجوي ، إن حدوث انخفاض في طبقة الأوزون بمعدل 2 % ينجم عنه ارتفاع معدل اختراق الأشعة فوق البنفسجية للغلاف الغازي بنسبة 4 % مما يؤدي إلى حدوث مشاكل صحية ومرضية خطيرة جدا للإنسان ، كسرطان الجلد والعمى .

ومع التطور العلمي والتقني ، ازدادت التحديات التي تواجه الطبيعة وتدمرها، فبالرغم من كل التقدم والتطور الذي حققه الإنسان في كافة المجالات والصعد إلا أن ذلك كان على حساب التوازن الأيكولوجي ، وهذا بالطبع ناتج عن التصرفات اللامسؤوله التي يقوم بها الإنسان، فعشرات الغابات تم إزالتها ، ومساحات واسعة من الأرض جرى حرق ما بها من أعشاب وأشجار لغايات التوسع العمراني والزراعي، ناهيك عن الاستخدام اللاعقلاني للأسمـدة الآزوتيـة والمبيـدات الكيميائية بأنواعها المختلفة ذات الطيف الابادي الواسع وبخاصة (البيروثروئيدية ) و ( د . د . ت ) الملوثة للهواء والتربة ومياه الشرب أيضا .

كذلك فان درجة التلوث تختلف من مكان إلى آخر على الأرض ، ويمكن القول أن المدن هي من أكثر الأماكن تلوثا ، وتعتبر وسائط النقل وبخاصة السيارات والحافلات المصدر الأول والرئيس لهذا التلوث ، فالغازات التي تنبعث من أجهزة العادم Exhaust systems في السيارات تسبب متاعب صحية جمة ، ويبين الجدول أدناه تحليلا تقريبيا للغازات والأبخرة الملوثة في مدينة لوس أنجلوس والتي هي من إحدى المدن التي تعاني بشكل متفاقم من هذه المشكلة الخطيرة .
002
ومن الجدير ذكره، أن مجال الرؤية يختلف في مدينة لوس أنجلوس من يوم إلى آخر، فتبلغ في يوم صاف حولي 11 كم ، أما في يوم مضب Hazy day 1.5كم فقط .

هذا وقد أظهرت التجارب أن مشكلة التلوث في المدن تزداد في الأيام الحارة، حيث تعمل درجة الحرارة على تحطيم وتكسير المواد الهيدروكربونيه المنبعثة مـن عوادم السيارات مما يؤدي إلى تكوين جسيمات كربونية تمتص على سطوحها عـددا كبيرا من المركبات الملوثة .

أثر التلوث الجوي على الإنسان :air-pollution (3)

الملوثات الجوية خطر حقيقي على صحة الإنسان وسلامته ، بل وتهدد وجوده واستقراره على سطح الأرض ، فهذه الملوثات تؤدي إلى إصابة الإنسان بعدة أمراض خطيرة كالربو والتهابات الجهاز التنفسي والاختناق وتهيج العيون والبلعوم وسرطانات الجلد نتيجة الإشعاعات فوق البنفسجية والعشرات من الأمراض والعلل الخطيرة ، ولعل حادثة الطبخان ( الضباب الدخاني ) التي حدثت في لندن عام 1952 خير مثال قاتم على حجم مشكلة التلوث الجوي ، فقد عزا مسئولو الصحة هناك وفاة 4000 شخص إلى احتقان الرئة وعجزها عن القيام بوظيفتها بسبب الضباب الدخاني الذي تراكم في الجو بشكل حاد ، وفي عام 1990 – مثلا – ألقت المصانع ومحطات القوى الكهربائية في الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها فقط نحو 19 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت ، المسبب الأول للأمطار الحامضية ، ناهيك عن ألاف الأطنان الأخرى من الغازات السامة والخطيرة المختلفة والتي تعمل على إحداث انقلاب في الوضع الأيكولوجي وما ينعكس عن ذلك من دمار شامل للأرض ولمستقبل الجنس البشري.

لقد دل تقرير صندوق مساعدة أطفال العالم التابع لمنظمة الأمم المتحدة ( اليونيسيف ) لعام 1989 ، أن هناك 15 مليون طفل يموتون بسبب الجوع والتلوث بكافة أشكاله و أنواعه ، وجاء في تقرير الهيئة المتخصصة بدراسة التغيرات المناخيـة في الأمم المتحدة IPCC لعام 1990 أن الزيادة في نسبة الوفيات لجميع المرضى بلغت 50 % بسبب التلوث والتغيير المناخي ، فمرضى القلب والجهاز التنفسي والأطفال وكبار السن ، عرضة بشكل أكبر لخطر التلوث ، ناهيك عن الكوارث الطبيعية التي تشهدها الأرض الآن والناجمة عن الانحباس الحراري ( ظاهرة البيت الزجاجي ) The Green House Effect بسبب ازدياد نسبة بعض الغازات كالميثان وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، والتي ارتفعت نسبتها في الغلاف الجوي 25 % منذ قيام الثورة الصناعية في الدول المتقدمة .

مكافحة التلوث الجوي :air-pollution (2)

يتطلب معالجة هذه المشكلة الخطيرة تظافر جهود كافة الدول المتقدمة والنامية ، وبذل الأموال الطائلة في سبيل إعادة التوازن الأيكولوجي المنهار، والتمتع بالشفافية المطلقة بين هذه الدول لتحقيق هذه الغاية الهامة .

إن إعادة زراعة الغابات والإقلاع بشكل كامل عن استخدام المواد والكيماويات المدمرة للمناخ ، كمركبات الكلور والفلور ، وإيجاد بدائل آمنة للحصول على الطاقة كاستخدام المواد العضوية للحصول على البيوماس Biomass واستخدام الطاقة الشمسية ، هي خطوات هامة للحد من تفاقم الوضع البيئي المتردي .

من الممكن ضبط مدى التلوث في المدن من خلال التحكم الكامل بكمية الغازات المنبعثة من محركات احتراق الوقود في السيارات ووسائط النقل الأخرى ، ويتم ذلك من خلال توفير الظروف الملائمة للاحتراق بشكل كامل ، كتنظيم نسبة الهواء والوقود لإنتاج تفاعل بدون دخان ، وقد أظهرت التجارب العملية إن إنجاز هذا الأمر يتطلب السيطرة على أربعة عوامل متغيرة هي ، درجة الحرارة والوقت والاضطراب Turbulence ومعالجة الغازات المنبعثة ، فدرجة الحرارة العالية داخل المحرك تؤدي إلى احتراق سريع وفعال ، وبقاء الغازات المنبعثة في منطقة الحرارة العالية يجب أن يكون أطول ما يمكن ، أما الاضطراب فيعمل على زيادة خلط وتماس الغازات الحارة والجسيمات العالقة بها مع الأكسجين الحار وهذا أمر مرغوب به لمنع انبعاث أي مادة قابلة للاحتراق وغير محترقة .

أما معالجة الغازات المنبعثة من عوادم السيارات فيتطلب أولا رفع كفاءة محركات احتراق هذه الآليات وجعل عملية الاحتراق فيها كاملة لمنع تشكل الهيدروكربونات غير المحترقة أو المحترقة جزئيا، وقد دلت التجارب على أن انبعاث هـذه الغازات وتشكلها يكون أكثر ما يمكن عند تباطؤ السيارة ، ولذلك صممت تقنية خاصة لتقليل كمية الوقود المتدفق نحـو المحرك خلال عملية التباطؤ هذه و تركيب مرشحات خاصة بعد الحارق للسيطرة على الغازات المنبعثة وفي نفس الوقـت استخدام المنظمات Catalysers للتقليل من الأكسدة النيتروجينية في عملية الاحتراق .

إن ما سبق ذكره ينطبق بطريقة ما أو بأخرى على العمليات الصناعية المختلفة ، فمن المعروف أن المصانع والمسابك تلقي ملايين الأطنان من الغازات الخطيرة في الجو ويتطلب السيطرة عليها استخدام تقنيات متطورة ، بدءا بعمليات الاحتراق في المراجل مرورا بنواتج التفاعلات الكيماوية وانتهاء بمداخن هذه المصانع، وقد وجد الباحثون أن السيطرة على الغـازات المنبعثة وإزالتها يمكن أن يتم بإحدى الطرق التالية :


1 – الترشيح، حيث تستعمل مرشحات من الألياف الزجاجية أو الأنسجة المعاملة بالسيليكون لفصـل الغـازات الساخنة .
2 – الترسيب الكهروستاتيكي ، وتعتمد هذه الطريقة على شحن الجسيمات الملوثة بشحنة كهربائية بواسطة تيار كهربائي عالي الفولتية، ثم يتم تجميعها وترسيبها بواسطة مجال مغناطيسي كهربائي ، ويصار بعد ذلك إلى معادلة شحنة هذه الجسيمات تمهيدا لإزالتها بالغسل .
3 – الفصل بالطرد المركزي، ويتم بهذه الطريقة التحكم باتجاه وسرعة الغازات المنبعثة ، فتـقذف بفعل قوة الطرد المركزية إلى أماكن خاصة لتجميعها ثم التخلص منها .
4 – استخدام المجمعات الرطبة، حيث يتم تمرير الغازات السامة على تجمعات سائلة ، فيعمل السائل على منع انبعاث هذه الجسيمات الملوثة في الجو .

هذه بعض التقنيات المستخدمة الآن للتحكم بالانبعاث الغازي ، وبالرغم من كلفة بعضها المالية الباهظة إلا أن فعاليتـها في الواقع عالية ، وعلى كل جهة أن تتحمل مسؤولياتها تجاه البيئة والأمن الأيكولوجي والذي يتطلب وجـود منظومة متكاملة من القوانين والتشريعات الصارمة المطبقة على نطاق محلي وعالمي .

إن عقد عشرات المؤتمرات الدولية حول البيئة مؤشر جيد للغاية ، والمطلوب تطبيق توصيات هذه المؤتمرات على أرض الواقع لا أن تبقى حبيسة أرفف المكتبات وأدراج أصحاب القرار .

* كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية

عن الكاتب

الأردن

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3387

تعليقات (3)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى