انت هنا : الرئيسية » ابتكارات واكتشافات » في المستقبل .. سيارات تسير بالهواء المضغوط

في المستقبل .. سيارات تسير بالهواء المضغوط

compressed air2
المهندس أمجد قاسم *

فكرة جديد واختراع مدهش وميزات كثيرة تحملها لنا السيارة الهوائية والتي أصبحت حقيقة بعد سنوات طويلة من التجارب والأبحاث والتي أكدت إمكانية استغلال الهواء المضغوط لتسير الحافلات والسيارات ووسائط النقل المختلفة .

هذا الابتكار المدهش والذي يبشر ببداية عصر جديد في وسائط النقل المختلفة ، تعود فكرته إلى عام 1687 عندما اقترح الباحث دنس بابن Papin في مذكرة بعث بها إلى الجمعية الملكية في لندن وشرح فيها إمكانية نقل وتخزين الطاقة باستخدام الهواء المضغوط ، وبالرغم من أهمية هذه الفكرة إلا أنها أهملت وطواها النسيان .

تطور محركات الهواء المضغوط

يمكن القول أن التطور الحقيقي لهذه المحركات تم على يدي كل من المهندس أندرو والمهندس تسييه دو موتيه في عام 1838 ، معتمدين في ذلك على فكرة الباحث بابن والتي اقترحها في عام 1687 ، وقد عمل المهندسان الفرنسيان على تصميم عربة متحركة تعمل على الهواء المضغوط وتم تشغيلها في عام 1840 في احد شوارع مدينة باريس ، ولأسباب متعددة أهملت الفكرة حتى عام 1878 عندما ازدادت الحاجة إلى توفير قوة دفع للقطارات والاستغناء عن أكثر من 1500 حصان كانت تجر العربات في حينه .
aircar_450x338
من هنا فقد دعمت مؤسسة المواصلات الفرنسية هذه الفكرة لتصنيع قطارات تعمل على الهواء المضغوط ، وقد تمكن المهندس لوي مكاركسي من تحقيق ذلك ، وصنع قطارا يسير بسرعة 15 كم في الساعة ، وهي سرعة مناسبة جدا داخل المدن ، هذا القطار الجديد والثوري في حينه ، استخدم في تصنيعه سبع اسطوانات مكبسية وتتسع لحوالي نصف طن من الهواء المضغوط تحت ضغط 80 بار .

ونظرا للنواحي الإيجابية لتلك القطارات فقد تبنت مدينة نانت الفرنسية تلك الفكرة في عام 1879 ثم تبنتها مدينة باريس بشكل رسمي في عام 1887.

وبالرغم من هذه التطورات الهامة إلى أن اختراع المحركات الكهربائية في عام 1890 قضى على مستقبل محركات الهواء المضغوط ، والسبب يعود في الدرجة الأولى إلى أن محركات الهواء المضغوط يلزمها إنشاء محطات متعددة لتعبئة الهواء المضغوط في القطارات وبالتالي توقف وسائط النقل لساعات أثناء عملية التعبئة ، بينما حصول القطارات الكهربائية المتحركة على الطاقة الكهربائية فيعتبر أمر سهل وهين ، إذ يلزم فقط مد أسلاك كهربائية طوال خط سير العربات ، وبالتالي تتزود بالطاقة بشكل فوري دون تأخير أو توقف.

أفكار المهندس غي نغر

مع تزايد حاجة الإنسان إلى الطاقة وتفاقم مشكلة التلوث البيئي في المدن ، برزت الحاجة إلى ضرورة ابتكار وسائط نقل لا تتسبب في آثار سلبية على البيئة والإنسان ، وفي نفس الوقت تقلل اعتماد وسائط النقل شبه المطلق على الوقود الأحفوري ، من هنا فقد تم تطوير السيارات الكهربائية ووسائط النقل العاملة على الطاقة الشمسية ، لكن المهندس الفرنسي غي نغر وفي عام 1992 لجأ إلى فكرة الهواء المضغوط وصمم محركه الهجين الذي يعمل على الجازولين والهواء المضغوط معا ، وفي عام 1996 طور هذا المحرك واستغنى عن وقود الجازولين بشكل كلي وأصبح محركه يعمل على الهواء المضغوط فقط ، وبالرغم من التحسينات التي أدخلها غي نغر على محركه السابق ، إلا أن انخفاض قدرته التشغيلية كانت أحد أهم العقبات التي واجهته ، حيث بلغت القدرة التشغيلية لهذا المحرك حوالي 24 حصانا أي 18 كيلو واط ( الحصان يعادل ثلاثة أرباع الكيلو واط ) ، وهذه القدرة تعتبر مقبولة في حال سير المركبة داخل المدن فقط ، إلا انه في حال سير المركبة على الطرق الخارجية ، فإن الهواء المضغوط ينفذ خلال نصف ساعة فقط .

هذا الأمر لم يحبط الباحثين ولم يثنيهم عن تطوير هذا النوع من وسائط النقل ، ففي عام 1998 تم تصميم أول نموذج عملي لسيارة تعمل على هذا النوع من المحركات ، وأعقبه في عام 1999 تطوير لقدرة تلك السيارات وذلك بفضل محرك جديد يعمل على الهواء المضغوط وبقدرة 25 حصانا ولتبلغ سرعة المركبة 100 كم / الساعة ، ثم تواصلت الأبحاث ، وفي عام 2001 ظهر المحرك الهوائي ذو الأسطوانات الأربع .

أبحاث شركة MDI

تعتبر شركة Motor Development International (MDI) أحد أهم الشركات التي اهتمت بتقنية سيارات الهواء المضغوط ، وقد أجرى الباحثون في هذه الشركة الرائدة تجارب وأبحاث كثيرة من اجل تطوير هذه التقنية ، وذلك خلال السنوات العشر الماضية ، وكان هدفهم إنتاج ( سيارة التلوث – صفر ) ، أي السيارة الصديقة للبيئة والتي لا تطلق أي نوع من الغازات السامة الملوثة للبيئة.

هذه الشركة الكائنة في لكسمبورغ ، أسست لها فروع في جنوب فرنسا وفي برشلونة ،وبعد أن تبين جدوى هذه التقنية ، ركزت أبحاثها على الكيفية التي سيتم تزويد سيارتهم بالهواء المضغوط ، وقد اقترح العديد من الباحثين إلحاق وحدة لضخ الهواء المضغوط في محطات الوقود التقليدية ، حيث يكفي وصل خرطوم الهواء بالسيارة ، ليتم ملء الخزان بالهواء خلال دقائق ، فريق آخر من الباحثين اقترح إضافة محرك كهربائي يعمل على ضخ الهواء في خزان هذه السيارة حال وصله بمصدر قدرة كهربائي .

صعوبة أخرى حاول فريق العمل تذليلها ، وهي أن خزانات الهواء المضغوط تشكل خطرا كبيرا على سلامة هذه المركبات ، فتحت ضغط يصل إلى 300 بار وسعة تخزينية تصل إلى 300 لتر هواء ، يتحول الخزان المعدني التقليدي إلى قنبلة موقوتة قادرة على تدمير السيارة وما يحيط بها ، ومن أجل حل هذه المشكلة الهندسية الخطيرة ، لجأ الباحثون إلى تطوير خزانات خاصة مصنوعة من الألياف الصناعية المبطنة بأغشية متينة ، وفي حال حدوث ضرر ما بتلك الخزانات ، فإن الهواء يخرج منها دون أن تنفجر وتتشظى.
20070611elpepunet_2
سيارات ذات ميزات متعددة

تتمتع السيارات العاملة على الهواء المضغوط بالعديد من المميزات الإيجابية والفريدة والتي تؤهلها لأن تكون سيارة المستقبل ، فهي مصنوعة من الألياف الزجاجية التي تتميز بخفتها وبساطتها ورخص ثمنها .

لقد تم إنتاج أربعة نماذج من تلك السيارات ، أحداها سيارة صالون عادية ، والثانية شاحنة ” بيك أب” ، والثالثة سيارة نقل فان ، والرابعة سيارة تاكسي تتسع لخمسة ركاب ، والسعر المتوقع لتلك السيارات يبلغ حوالي 12 ألف دولار أمريكي ، وتتميز تلك السيارات بوجود نظام كمبيوتري فيها يوفر لقائد المركبة العديد من المعلومات الهامة كالسرعة ، وكمية الهواء المتوفرة في السيارة ، والحالة الفنية لكافة أجهزة السيارة ، أيضا فان هذا النظام يمكن ربطه بالأقمار الصناعية العالمي لتحديد موقع السيارة ، كما يوفر خدمة الإنترنت لركاب المركبة ويبلغ وبشكل تلقائي عن أي طارئ أو حادث قد تتعرض له المركبة .

أيضا فإن المصنعين لتلك المركبة سوف يعملون على تزويدها بكيبل كهربائية مرتبط بمحرك كهربائي صغير ومضخة فعالة لتزويد المركبة بالهواء وملء خزانها من جديد في حال تعذر الحصول على مصدر لتعبئة الهواء .

أما لتشغيل السيارة فيكفي أن تستخدم بطاقة ذكية صغيرة ، فيعمل نظام القارئ الضوئي الخاص بالبطاقات فيها ، بالتعرف على تلك البطاقة وعلى صاحبها وتشغيل المركبة في الحال.

إن من أهم مميزات السيارة الهوائية ، أنها مركبة اقتصادية ، فكلفة قطع 100 كيلو متر لا تتجاوز واحد يورو ، أي حوالي عُشر كلفة السيارة العاملة على الجازولين ، ويمكن أن تقطع السيارة مسافة بين 200 إلى 300 كيلو متر دون أن تحتاج إلى إعادة تعبئة بالهواء المضغوط ، أيضا فإن السائق لن يكون بحاجة إلى تغير زيت المحرك ، كما هو الحال في السيارات التقليدية ، فقد يسير لمسافة تتجاوز 50 ألف كيلو متر دون أن يحتاج إلى تغير زيت المحرك ، أضف إلى ذلك أنه لا ينتج عنها غازات ضارة أو ضجيج ، وكل ما يخرج من عادمها هواء نظيف بارد تتراوح حرارته بين صفر و 15 درجة سيليسيوس تحت الصفر ويمكن أن يستغل جزء منه في تشغيل نظام التبريد في المركبة .

سيارة ون كات OneCAT

إن التطورات المتسارعة في تكنولوجيا تصنيع سيارة الهواء المضغوط ، أدت إلى أن تتبني شركة تاتا أحد كبريات شركات إنتاج السيارات في العالم هذه التكنولوجيا وان تعلن مؤخرا وفي الهند ، عن نيتها لتصنيع سيارة OneCAT ذات الخمسة مقاعد والهيكل البسيط والمتين المصنوع من الألياف الزجاجية ، هذه السيارة ستزن حوالي 350 كيلو غرام فقط وستباع بحوالي 5 ألاف دولار فقط .

يقول المهندس ( جاي تيجر ) ،أن سيارتهم الجديدة والتي ستنتج في الهند ، ستعمل بالكامل على محرك متطور يعمل على الهواء المضغوط والذي سيحويه خزان خاص متين وآمن في المركبة ، ويمكن ملء هذه الخزان بالهواء خلال 3 دقائق فقط ، أما في حال تعذر الحصول على الهواء المضغوط ، فإنه يمكن تغذية خزان المركبة بواسطة مضخة صغيرة ملحقة بالمركبة تعمل بالطاقة الكهربائية .


من جهتهم يقول الخبراء في شركة تاتا ، أنهم سيعملون على تطوير محرك السيارة الجديدة ، بحيث يكون فعالا للغاية ويعمل بكفاءة عالية وخصوصا في المدن المزدحمة ، ويضيف هؤلاء الخبراء أنهم يسعون إلى استخدام تقنية الهواء المضغوط لإنتاج الطاقة الكهربائية مستقبلا.
إن إنتاج مثل هذه السيارات وتحسين أدائها سيعمل على الحد من الملوثات المتراكمة في أجواء المدن المزدحمة بالمركبات ووسائط النقل المختلفة ، كما سيؤدي ذلك إلى تقليل الاعتماد الكبير على الوقود الاحفوري في وسائط النقل المختلفة .

وتجدر الإشارة إلى أن الهواء المضغوط يتم الحصول عليه من محركات كهربائية ضخمة ويتم تشغيلها بواسطة الطاقة الكهربائية التي يتم الحصول عليها من احد المصادر المتجددة للطاقة ، كالرياح أو الخلايا الشمسية أو المساقط المائية أو حتى المحطات النووية المخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية .

أيضا تدل الدراسات التي أجريت على محركات الهواء المضغوط أن الكفاءة التشغيلية لهذه المحركات تبلغ 20 % ، ويقصد بذلك النسبة بين الطاقة الناتجة والطاقة المستهلكة ، وهذه النسبة أفضل من نسبة كفاءة محركات الديزل والتي تبلغ 13 % ، أما محركات الجازولين فتبلغ كفاءتها 9.4 % فقط .

* كاتب علمي متخصص في الشؤون العلمية

عن الكاتب

الأردن

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3178

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2016 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى